عمر المختار

من كتاب: ليبيا ..  انبعاث أمة .. وسقوط دولة

عمر المختار[1]

شخصيته القيادية ودوره في استمرار الجهاد

 

 

 

صدق الجهاد، ونبل المبادىء، وحنكة القيادة:

 

ها أنا أستشهد مرة أخرى، وأنا مقبل على تحليل شخصية عمر المختار بما أشار إليه عباس محمود العقاد في تقديم كتابه عبقرية عمر، وفي هذ المرة يشير العقاد إلى صعوبات كانت قد واجهته عند إقدامه على وصف شخصية عمر بن الخطاب، ودراسة أطواره وخصائصه فى كتابه عبقرية عمـر، فيشير إلى أن إحدى الصعوبات التى واجهها عند بدئه فى الكتابة هو الحرج الذى انتابه من فكرة محاسبة عمر بن الخطاب ، فيقول فى هذا الصدد : " ولكن الحرج كل الحرج فى التأليف إنما كان فى محاسبة عمر بن الخطاب ، أو ليس الحرج فى الحساب أيضاً من العمريات المأثورات ؟! ".[2]

 

ويستطرد العقاد فى مجمل ذكره للصعوبات التى واجهته أثناء تناوله لشخصية عمر بن الخطاب: " الناس قد تعودوا ممن يسمونهم بالكتاب المنصفين أن يحبذوا وينقدوا، أن يقرنوا بين الثناء والملام، وأن يسترسلوا فى الحسنات بقدر ليتقلبوا من كل حسنة إلى عيب يكافئها، ويشفعوا كل فضيلة بنقيصة تعادلها، فإن لم يفعلوا ذلك فهم إذن مظنة المغالاة والإعجاب المتحيز، وهم أقل إذن من الكتاب المنصفين الذين يمدحون ويقدحون، ولا يعجبون إلا وهم متحفزون لملام ".[3]

 

ويشير العقاد بأنه قرر تجاوز مسألة الحرج بأن يقوم بتزكية أي عملٍ لعمر بن الخطاب يراه أهلاً للتزكية، وينقد ما هو غير ذلك، لكنه ما أن أقدم على ذلك حتى اكتشف أن مواطن الخطأ ذاتها فى سيرة عمر بن الخطاب ترقى لتزكيتها إلى نصاب الصواب، ولعل كلمات العقاد التالية فى هذا الصدد توضح للقارىء ما رمى إليه:

 

" الحق أننى ما عرضت لمسألة من مسائله ( أي مسألة من مسائل عمر بن الخطاب) التى لغط بها الناقدون إلا وجدته على حجة ناهضة فيها، ولو أخطأه الصواب. وإن أعسر شيء أن تحاسب رجلا كان أشد أعدائه لا يبلغون من عسر محاسبته بعض ما كان يبلغه هو فى محاسبة نفسه، وأحب الناس إليه.

 

وعلم الله لو وجدت شططا فى أعماله الكبار لكان أحب شيء إلى أن أحصيه وأطنب فيه وأنا ضامن بذلك أن أرضى الأثر وأرضى الحقيقة، ولكنى أقولها بعد تمحيص لا مزيد عليه فى مقدورى: " إن هذا الرجل العظيم أصعب من عرفت من عظماء الرجال نقدا ومؤاخذة، ومن فريد مزاياه أن فرط التمحيص وفرط الإعجاب فى الحكم له أو عليه يلتقيان ".[4]

 

لقد تذكرت كل ذلك وأنا فى صدد الكتابة عن شخصية عمر المختار، وأحسست بنفس أحاسيس العقاد وفهمت ما رمى إليه، فالكتابة عن شخصية ما اكتسبت عظمتها من السير على طريق الحق أو المبادئ القويمة أو العقيدة السليمة، لا تترك للكاتب الهامش الكافى لتحليل جوانب النقص ومواطن الضعف أو القصور الفكري والتفاوت العقلي والوجداني تجاه القضايا التى اعتركتها هذه الشخصية محل التحليل والبحث، ولا تتيح للكاتب المجال للنبش فى بعض المتناقضات التى قد تتسم بها الشخصيات التى يتم قيدها تحت الدراسة والتمحيص فى معالجة الأمور المختلفة التى أظهرت نبوغ عظمتها، وذلك لأن النواقص ومواطن الضعف فى مثل هذه الشخصيات تكاد تكون من ناحية معدمة، وهى من ناحية أخرى أُريد بها ان تكون صواب حتى وان أخطأها الصواب وأصابها الخطأ.

 

ورغم ان ارتقاء أية شخصية إلى مجد العظمة لا يرفعها بأي حال من الأحوال لدرجة الكمال الأقصى واللا محدود، فكما يقال أن الكمال لله وحده، وأن العظمة التى تصلها أية شخصية لا تنزهها من بعض الزلل أو الخطأ الذى لابد وأن يُصاب به كل أمرئ يضطلع بمهام الحياة ويركب صعابها، لكنه تظل هناك بعض الشخصيات التى استطاعت رغم الكبوات البسيطة التى قد تكون ارتكبتها فى حياتها بقصد الوصول إلى الصواب، وليس من باب الولوج فى منعرج الخطأ ذاته، أن تقترب من الكمال فى نهجها الحياتي.

 

ومن بين هذه الشخصيات يوجد عمر المختار وعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وعلي بن أبي طالب وغيرهم؛ وأنه ليس من المبالغة فى شيء، إذا قلنا أن هذه الشخصيات قد زادت مفهوم العظمة ذاته شرفاً وعلواً بإنتسابها إليه، فقد كانت لمأثرها ومواقفها ومثابرتها فى الدفاع عن الحق والذود عليه، سيرة مشرفة يعبق أريح عطرها النفوس على مر العصور.

 

وعند تناولي لشخصية عمر المختار العظيمة بالتحليل انتابني شعور الحرج، لكنه لم يكن مثل ذلك الحرج الذى أصاب العقاد عند اقدامه على محاسبة عمر الخطاب فى كتابه عبقرية عمر، فلم يكن يوجد فى تحليلي لشخصية المختار ما يقودني لمحاسبته، لأنه لم يكن هناك فى الأصل ما أُحاسبه عليه.

 

ولكن رغم ذلك فقد انتابتنى شعور الحرج المقترن بالخجل من هذا الشيخ الجليل الذى قدم روحه فداءاً للوطن، وربما لو اقتصرت فى قولي على ذلك لكان رد القارىء بأنه ليس هناك جديد فيما قدمه المختار، فهناك مئات الآلاف وربما الملايين الذين قدموا أرواحهم فداءاً لأوطانهم.

 

وهذا صحيح، فعندما يكون الأمر يتعلق بالتضحيات التى قدمها بعض البشر لأوطانهم فأننا نجد أعداداً هائلة من البشر قد ضحوا بأرواحهم من أجل أوطانهم عبر التاريخ. وليبيا نفسها لها نصيبُ كبيرُ من هذا الشرف الذى حمله أبناؤها على صدورهم من أجل أرضها وفداءٍ لها.

 

غير أن تضحية المختار بنفسه، وتسخيرها كاملة لأجل تراب وطنه الطاهر منذ أن شب الوعي فى وجدانه، يختلف كثيراً عن التضحيات الكثيرة الأخرى التى قدمها كل الأشراف الأخرين، حتى وإن كان هؤلاء جميعاً يشتركون معه فى تقديم أرواحهم مثله لأجل الوطن أو من أجل الإيمان بعقيدتهم الدينية؛ ويكمن هذا الاختلاف فى عدة أمور أُلخصها فيما يلي :

 

·        لم ينكس المختار يوماً سلاحه فى مواجهة العدو المغتصب لأرضه، حتى بعد أن بلغ من العمر عتياًً.

·        لم يساوم المختار فى قضية تحرير بلاده، ولم تستميله ـ ولو بقيد أنملة ـ كافة المغريات التى كانت لغيره حلماً يتمنى تحقيق ولو قليله.

·        لم يكن المختار فى نضاله المعتمد على نبل وصدق عقيدته، فرداً بذاته لا يتجاوز فى كفاحه وجهاده حدود امكانياته الشخصية، بل كان هالة روحية قادرة على بث حب العطاء الوطني النقي فى نفوس رجاله.

 

ولنتناول هذه السمات الثلاث بمزيد من التوضيح، فالسمة الأولى التى تميز بها عمر المختار عن غيره من المناضلين، هى إصراره المتواصل على الجهاد ضد العدو الإيطالي المغتصب للأراضي الليبية دون كلل أو وهن فى العزيمة، وذلك فى جميع أطوار حياته حتى بعد أن أدركته الشيخوخة وما يصاحبها من أمراض كثيرة؛ فلم ينكس فى يوم سلاحه أو يتخاذل ولو لبرهة، فقد ظل حتى اللحظات الأخيرة من حياته شاهراً لسلاحه فى وجه العدو ورافع لواء النضال والجهاد ضده، كما ظل حتى رمقه الأخير شعلة متوهجة تتقد حماساً فى مقاومة العدو المغتصب.

 

والسمة الثانية التى امتاز بها عمر المختار، هى عدم مساومته فى قضية تحرير بلاده من ربقة الإستعمار، فرغم المغريات العديدة الفائقة التى كانت تنهال عليه من قبل السلطات الإيطالية والتى قد يسيل لها لعاب أي شخص آخر لو حل محله، إلا أن المختار كان يرمى بكل هذه المغريات فى وجه عارضيها رافضاً حتى مجرد مناقشتها والغور فى حيثياتها. حتى أنه قد نزل صده لإغراءات وعروض الإيطاليين الهائلة منزل الصاعقة عليهم، وأغرقهم فى يم من الذهول والدهشة، وسمر عقولهم عن فهم رفضه هذا.

 

فلم يكن لهم أن يفهموا أحجية هذا الشيخ المسن الذى أضناه الفقر وقست عليه الكهولة بوهنها، وانهكته المواجهات الحربية المستمرة، ومع ذلك يرفض عروضهم المغالى فى كرمها؛ فهذا بالنسبة لهم أمر عجاب لا تصدقه عقولهم، ويرفضه منطق فهمهم المادي للحياة، لكنه بالنسبة لعمر المختار هو واجب تمليه عليه مبادئه الوطنية وعقيدته الدينية، فهو نداء ديني ووطني لا يوجد فى نفسه سعة له إلا بتلبيته وأداء فريضته.

 

أما السمة الثالثة المميزة لعمر المختار فهى شخصيته القيادية الفذة، فهو يحوز فى نفسه على صفة الكريزما[5] الفائقة النظير والتى جعلته قادراً على اشباع نفوس أتباعه بروح الفداء والنضال والجهاد ضد العدو المغتصب لوطنهم، ورفعت مكانته بين أخوانه المجاهدين، فأصبحت كلمته مسموعة فى قلوبهم قبل أذانهم، وصارت إيماءاته أوامر مجابة، وأمست إشاراته واجبات مطاعة.

 

وأعود إلى حرجي وخجلي من عمر المختار هذا الشيخ المهيب، فقد كان مبعث هذا الحرج والخجل عند بدئي فى تحليل شخصيته العظيمة، هو ذلك الإنعكاس الذى تثيره سيرته فى وجدان كل من يطلع عليها، من خلال بثها لدى الآخرين لشعور التقصير نحو الوطن؛ حيث يتسارع إلى ذهن كل وطني مهما بلغ ما بذله ويبذله من عطاء جسيم لوطنه، بأن عطاءه مهما جل مقداره وقدره، فهو يضل قليلاً وضئيلاً أمام العطاء العظيم الذى قدمه عمر المختار؛ فقد قزم المختار بعطائه وحبه المتفاني لوطنه وإيمانه البالغ بعقيدته كل عطاءات الآخرين التى تقلصت أمام عطائه الجليل.

 

ولعله من الأجدى أن نترك لبعض مواقف عمر المختار الوطنية المجال للتعبير بنفسها عن مقدار عظمة شخصية هذا الفارس العظيم الفذة، والتى لا أستطيع مع بالغ الأسف التعرض لها جميعها فى هذا الكتاب المحكوم بإطار حيثيات موضوعه؛ هذا على الرغم من أنه هناك العديد من المواقف الوطنية المشرفة التى صنعتها رجولة وشهامة عمر المختار المنقطعة النظير، والتى جعلت النفس تزهو وتحبر فخراً واعتزازاً بها، وتخشع احتراماًً وإجلالاً لشخصه.

 

ويحتار المرء عند الإقدام على انتقاء أيا من مواقف عمر المختار الوطنية العديدة المشرفة التى تصلح للتعبير عن شخصيته العظيمة، ومما يزيد من حيرة المرء هو إنه تكاد أن تكون هذه المواقف جميعها متساوية فى أمر إذكائها لوطنية وشجاعة وشهامة وأمانة وطهارة صاحبها؛ ولذا فقد بددت حيرتى فى هذا الأمر بأن قمت بانتقاء أقل مواقفه ذيعاً وانتشاراً بين الناس، فاخترت قصة حواره مع محمد أسد مبعوث السيد أحمد الشريف له قبل القبض عليه بثمانية أشهر.

 

*****

 

المبدأ أرسخ وأفضل قيمة من حياة الإنسان:

     " حوار المختار مع محمد أسد[6] ":

 

 

عندما أشتدت وطأة القوة العسكرية الإيطالية على المجاهدين الليبيين باستعمالها لأقوى وأعنف أنواع الأسلحة التى عرفتها آلة حرب ذلك الزمان؛ وعندما أُحكم الحصار على الحدود والسواحل، وحين ضاقت الدائرة بالمجاهدين تحت أمرة السيد عمر المختار، ذاعت هذه الأخبار السيئة فى أقطار العالم المهتمة بقضية ليبيا وجهادها لدحر المستعمر الأجنبي، ووصلت أنباؤها إلى مسمع السيد أحمد الشريف فى مقامه بأرض الحجاز؛ فحزن كثيراً لما سمع من أمر هذا الكرب الذى ألم بأخوانه وبني وطنه، وأخذ يبحث عن طريقة يستطيع بها أن يمد يد العون لرفاقه وأبناء وطنه فى محنتهم العصيبة.

 

وبعد مشاورات مع أخوانه المرافقين له توصل لخطة رأى انه سيكون فيها النفع والعون للمجاهدين، وهى أن يتم تغيير النقطة التى ينطلق منها المجاهدين لتنفيذ عملياتهم القتالية ضد العدو الإيطالي، وذلك بجعلها متمركزة فى منطقة الكفرة لما لها من موقع حيوى وإستراتيجي تلتقى عنده طرق القوافل، وهذا ما سيوفر للمجاهدين التموين المطلوب الذى تعجز بقية مناطق ليبيا الأخرى على توفيره لهم.

 

ولم يطل الأمر كثيراً فى صدد إختيار السيد أحمد الشريف للشخص المناسب ليحمل رسالة منه بها فحوى خطته إلى السيد عمر المختار، حيث وقع اختياره على محمد أسد ليكون رسوله المؤتمن لهذه المهمة الشاقة.

 

وكان السيد أحمد الشريف قد تعرف على محمد أسد ـ الذى كان حديث العهد بالإسلام ـ فى أثناء اقامته بأرض الحجاز، وقد ولع محمد أسد بشخصية السيد أحمد الشريف وأحبه حباً مفرطاً، وكان يكن الحب الجم والإعجاب الشديد بجهاد السنوسيين فى ليبيا، الذى كان يرى فيه شعلة مضيئة فى وسط ظلام حالة التشرذم التى كانت تعانيها الأمة الإسلامية فى ذلك الحين.

 

ومن هنا وقع اختيار السيد أحمد الشريف على محمد أسد ليكون خير رسول لحمل رسالته إلى السيد عمر المختار فى ليبيا، فهو بذلك يمنحه فرصة ذهبية لرؤية المجاهدين السنوسيين الذين يكن لهم الحب والإعجاب بصمودهم وبطولاتهم أمام العدو الإيطالي الغاشم؛ وقبل محمد أسد هذه المهمة بسرور بالغ رغم المخاطر التى تحفها.

 

توجه محمد أسد إلى مصر بصحبة رفيق له من أرض الحجاز، حيث كان فى انتظارهما بعض رجال الحركة السنوسية الذين سلكوا بهما طريق عبر المناطق الصحراوية البعيدة عن التواجد العسكري للقوات الإيطالية، حتى وصلوا بهما إلى مقر السيد عمر المختار فى الجبل الأخضر.

 

وبعيداً عن الوصف المسهب، الذى جاء فى كتاب محمد أسد " الطريق إلى الإسلام "، لكيفية اللقاء والشكل الذى كان عليه السيد عمر المختار؛ فإن مايهمنا هنا، هو جزء واحد فى الحوار الذى جرى بينهما، سأقوم بنقله للقارىء لما فيه من صورة واضحة ومعبرة لشخصية عمر المختار، ولذا سأتجاوز التفصيلات، ومعظم ما دار من حوار فى ذلك اللقاء عدا هذا الجزء الذى أنشده منه.

 

بعد قراءة السيد عمر المختار لرسالة السيد أحمد الشريف، وما جاء فيها من نصح له بنقل ثقل المجاهدين لمنطقة الكفرة حتى يتوفر لهم التموين الكافى من القوافل العابرة؛ قال ـ عمر المختار ـ موجهاً حديثه لمحمد أسد:

 

·        " إن الكفرة قد وقعت فى إيدى الإيطاليين منذ أسبوعين، وليس لنا من منجد وعون إلا الله سبحانه وتعالى، فنحن بوضعنا الحالي قد دنونا من نهاية أجلنا، ولذا فقد أرسلنا الأطفال والنساء إلى مصر حتى نضمن نجاتهم إذا وافانا الأجل، فنحن سنقاتل العدو حتى آخر رمق فى حياتنا ".

 

فقال محمد أسد للسيد عمر المختار:

 

§        " لماذا يا سيدي لا تذهب أنت وبقية المجاهدين ـ أيضاً ـ إلى مصر، ولو لفترة وجيزة حتى تلتقطوا أنفاسكم، وتنظمون صفوفكم وتضموا إليها أعداداً من الليبيين المهاجرين هناك، وتحاولون التماس المساعدة من القوات البريطانية، التى ربما لا تحبذ وجود قوة إيطالية ضاربة على حدودها مع مصر ؟ ".

 

فرد السيد عمر المختار قائلاً:

 

·        " أما من ناحية التماس مساعدة البريطانيين، فإنهم لن يقبلوا بتقديم المساعدة لنا، بعد مهاجمة السيد أحمد الشريف لهم منذ ست عشرة سنة، ربما كان ذلك يحدث لو أن السيد أحمد لم يحاربهم آنذاك، وأما من ناحية لجوئنا إلى مصر، فهذا أمرُ لن أفعله، فلن أترك العدو فى أرضي، وأترك أهلي وبني وطني، وأولي أدباري، فأنا ومن قبل المكوث معي سنحارب حتى أخر نبض فى حياتنا، ولن نقبل بغير النصرِ أو الشهادةِ هدفاً ".

 

وهكذا كان، بقى المختار يناضل حتى قبض عليه الإيطاليون وأعدموه.

 

ونستخلص من رفض السيد عمر المختار لاقتراح محمد أسد باللجوء إلى أرض مصر، وتفضيله للموت على أن يترك أرضه للمغتصب الإيطالي، رغم أنه كان يعلم يقيناً أنه مقبل على الموت؛ فقد تجلى ذلك من خلال حديثه الذى يقول فيه بأن الأجل قد دنى والنهاية قد اقتربت.

 

وكان واضحُ من إرساله للأطفال والنساء إلى إلى مصر حتى يجنبهم الموت معه؛ فلم يخالج المختار الشك لحظة بأن استعمال السلطات الإيطالية لكامل قواتها العسكرية الطاحنة ستمكنها عاجلاً أو أجلاً من السيطرة على البلاد، ومن هزيمته ورجاله القليلين الذين يتصدون لها بأسلحتهم البالية.

 

لكنه رغم كل ذلك لم يقبل بفكرة هروبه إلى مصر وترك أرضه وأبناء وطنه تحت رحمة العدو الإيطالي، لأنه لو فعل ذلك لتحول موقفه هذا إلى حالة قابلة للتبنى، وهذا ما كان سائد قبلاً، فقد فر الكثير من الليبيين إلى مصر وتونس والسودان وغيرها من الأقطار المتاخمة للأراضي الليبية. فأراد المختار ببقائه وصموده أن يبعث برسالة خالدة لبقية الليبيين بل ولأبناء الأمة الإسلامية المهتمين والمتابعين منهم لحركة الجهاد الليبي، تقول لهم: إن المبدأ أرسخُ قوةِ وبقاءٍ من حياة الإنسان ذاته.

 

والمعنى فى ذلك، أن تضحية الأفراد بحياتهم من أجل ترسيخ المبدأ، هى ليست ضائعة أو مفقودة، بل أنها بالغة القيمة والعظمة لما أسدته من صنيع ترسيخها لذاك المبدأ، وإنها بذلك قد منحت من القيم ما يفوق بقائها على قيد الحياة لو تركت المبدأ ذاته يموت، فقد كانت رسالة عمر المختار للشعب الليبي واضحة لا لبس فيها، وهى: " أبذلوا النفس من أجل الوطن والعقيدة، فهى من أجلهما قليلة وهينة ورخيصة ".

 

 

ــــــــــــــــــــ

[1] الدكتور علي محمد محمد الصلابي: "الحركة السنوسية في ليبيا"، الجزء الثالث، سيرة الزعيمين: إدريس السنوسي وعمر المختار، ص 129 ـ 264.

[2] عباس محمود العقاد : عبقرية عمر ، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة 2002م ، ص 3 ـ 5 .

[3] المرجع السابق .

[4] أنظر عباس محمود العقاد : ص 3 ـ 5 .

[5] الكريزما تعنى قدرة خارقة وجاذبية فى شخصية القائد تدفع بالجماهير إلى اتباع ما يأمرهم به عن طوع ، أنظر منير البعلبكي : المورد (2001) تحت Charisma .

[6] للإطلاع على الحوار الذى تم بين السيد عمر المختار ومحمد أسد بكامله، فى أثناء لقائهما فى الجبل الأخضر، أرجع لكتاب محمد أسد: الطريق إلى الإسلام، منشورات دار العلم للملايين ـ بيروت/ لبنان، الطبعة السابعة 1981م، ص 348 ـ 365 .

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

About these ads

Posted on January 1, 2009, in كتابات أعجبتني. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: