Category Archives: كتابات أعجبتني

في بيتنا صينيون

في بيتنا صينيون

 

سوسن الأبطح

 

تعمل الصين وفق استراتيجية السلحفاة التي تعلم بأنها قادرة على أن تسبق الأرنب. وإذا كانت أميركا تقفز وتصرخ وتملأ الدنيا زعيقا كلما تململت، فإن الصينيين يتحركون كالنمل بصمت بالغ، وصبر لا ينفد. والقناة التلفزيونية الصينية الناطقة بالعربية التي افتتحت مؤخرا ليست سوى إشارة صغيرة على تحركات كبيرة لبلاد التنين التي تتمدد بين أهل الضاد، كأخطبوط في كل اتجاه. يتجاهل العرب أو يجهلون أن الصين تلفهم من رأسهم حتى أخمص الأقدام، وأنها غزتهم بألعابها وملابسها وصحونها وأدواتها الكهربائية وحتى الملاعق والسكاكين، وأنها دخلت اليوم بيوتهم بلسانها وأغانيها وتاريخها. فالذين التفتوا للمحطة التلفزيونية الوليدة، هم قلة قليلة، لكن البث لا يزال في أوله والخطة الصينية ماضية، حتى تحقيق الأهداف.

فقد افتتحت الصين منذ ثلاث سنوات إلى اليوم عشرات المعاهد لتعليم اللغة الصينية، في المنطقة، ودشنت مواقع إخبارية ناطقة بالعربية، وأرسلت عشرات الأساتذة والخبراء، بعضهم يجيد العربية، كما أوفدت طلابها لإتقان لغتنا في جامعاتنا وبيننا. كل هذا يحدث بروية عجيبة، وهدوء يستحق الإعجاب. فبلد المليار، يكبر اقتصاديا كمارد يصعب رده، وإدراك الصينيين أن نموا تجاريا وماليا قويا يبقى قاصرا من دون انتشار ثقافي، يجعلهم يستشرسون لردم الفجوة. وإن بدأت معرفتنا الحديثة بالصين عبر الكاراتيه والتداوي بالأعشاب والطب البديل، فقد صارت أبراج الحظ الصينية شائعة كما مطبخهم وبعض فنونهم. وهذا كله لا يحدث صدفة كما يتصور البعض، أو ينتشر تلقائيا بفعل العولمة المتعاظمة.

أحد أساتذة «معهد كونفوشيوس» في لبنان، أخبرني أنه تلقى تعليمات قبل إيفاده، مختصرها أنه موجود في بلاد الأرز لا لتعليم بضعة طلاب لغة «الماندران»، وإنما لنشر الثقافة الصينية بين أكبر عدد ممكن من اللبنانيين، عبر سلوكه، وأحاديثه، وتصرفاته في المجتمع. وهذا الأستاذ الذي قضى أكثر من عامين في لبنان، تتلمذ على يديه عدد محدود من الطلاب ـ قد يبدو بلا أهمية ـ لكن مهارة الرجل في بث ثقافته بين هؤلاء، جعلت كل واحد منهم رسولا صينيا صغيرا يبلغ الرسالة لمن يتحركون حوله.

ضع جانبا أن الصين أصبحت الشريك الاقتصادي الأول لبلد عربي في غاية الأهمية مثل السعودية، فإن رجال الأعمال العرب عموما، باتوا يرون في الصين وجهة طبيعية لتطوير أعمالهم، بسبب انخفاض أسعارها ولدانة التعامل مع مصانعها، في ما اعتبرت «الغارديان» نهاية السنة الماضية، أن لا خلاص للعالم من محنته المالية من دون إفراج الصين عن جزء من تريليوني دولار تنام عليهما كوسادة من حرير.

وبالتالي، فإن العالم العربي ليس سوى قطعة صغيرة من «بزل» الخطة التي تغزل بعناية، تحت ستار أن الصين دولة نامية من العالم الثالث، في ما السلوك يشي بأننا أمام قوة عظمى، تداري انتفاخ عضلاتها. وإن كانت أميركا تخوض حربا إعلامية لتلميع صورتها، فإن الصين تدرك بأن الفرصة سانحة، الآن تحديدا، لإظهار نفسها كدولة منتجة ذات ثقافة رفيعة لم تتسخ بالعدوانية الاستعمارية التي تلوثت بها أيدي الغرب. وبالمقابل، فإن تضخيم الكلام على ألعابها المؤذية للأطفال والحليب السام الذي تصدره، كما قمعها للمسلمين وأهل التبت، تعتبره الصين ضمن الحملة عليها لتشويه صورتها وكبح جماح فورتها المتصاعدة. والحنكة الصينية تقضي بعدم الرد بالثرثرة البغيضة، والبيانات العقيمة، وإنما بخطوات مدروسة، تباغت العدو على جبهات لم ينتظر الهجوم منها. فقد عقدت الصين من بين ما عقدت مع العرب اتفاقية مع لبنان لتبادل السياح بين الجانبين، اعتبرت أهم اتفاقية من نوعها مع لبنان. وكفاتحة أولى استقبل لبنان العام الماضي «أوبرا بكين» وهذه السنة فرقة «ماي دريم» الشهيرة، وحبل تصدير الفنون على الجرار.

وكي تعرف مدى النشاط الصيني المتمادي فإن عدد الدارسين للغة الصينية في العالم بلغ أربعين مليون شخص، ولعب «معهد كونفوشيوس» دورا أساسيا في تحقيق هذا الإنجاز، خلال بضع سنوات. فقد أنشأت الصين 294 معهدا في 78 دولة، استثمرت فيها خلال العام الماضي فقط أكثر من مائة مليون دولار، وأقامت ما يزيد على ستة آلاف دورة تدريبية في المدارس والجامعات والمؤسسات التجارية حول العالم. ولا يتوقف دور هذا المعهد على انتظار الطلاب الراغبين في التعلم، بل يقيم صلات مع الشركات التجارية الكبرى وينظم الأنشطة التي تعرف بخصائص الطب الصيني وملاكمة التايجي والشاولين وغيرها. وكي تعلم أمام أي نوع من الخطط الدعائية أنت، عليك أن تتابع الفضائية الصينية الناطقة بالعربية، حيث تكتشف أنك أمام نوع آخر من الحضارات لم تعتده من قبل، مع «بي. بي. سي» أو «الحرة» أو حتى «فرنسا 24». فرغم أن هذه المحطة توظف العديد من العرب إلا أن مقدمي البرامج والمذيعين هم جميعهم من الصينيين الذين يخاطبونك بالعربية، بلكنتهم الخاصة. وتحرص المحطة على عرض مسلسل بطله مسلم، هو أحد المناضلين الصينيين الذي قاوموا الهجمة اليابانية على البلاد، لتدرك أن المسلمين هم صينيون أصيلون ووطنيون أيضا.

وزيادة في التأكيد على التسامح، ثمة تركيز على تعايش 56 إثنية داخل الصين، بعرض فنونها، وتمايزها الثقافي واحدتها عن الأخرى، هذا إضافة إلى العروض الموسيقية، وبرنامج تعليم اللغة الصينية، ومقابلات مع العرب الذين يعيشون في تلك البلاد، ويعرضون تجاربهم، مع إلقاء الضوء على وجود اللغة العربية في الصين منذ القرن السادس عشر.

قد لا تبدو هذه المحطة التي لا تزال في مرحلة تجريبية، جذابة، في البدء، للمتفرج العربي، المتعود على الطقش والفقش، لكن متابعتها وتأمل برامجها يريك، على أي مرحلة نحن مقبلون، ومع من سنعقد شراكاتنا الجديدة، ووفق أي روح. لكن الأهم من ذلك، هو أن الصين تقول بأن هذه المحطة أنشئت وفق توصيات ندوة الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية التي أقيمت في الصين نهاية عام 2005 وأخرى عقدت عام 2007، وتخفي أن العمل يأتي وفق خطة دولية شاملة وقديمة. فقد افتتح الصينيون قبل ذلك محطات ناطقة بالإنجليزية والفرنسية والإسبانية وقريبا ستولد الروسية. لكن بما أن الصين اعتبرت الحوار العربي الصيني آتى أكله، على العرب أن يفعلوا الشيء نفسه. فالتوصيات قضت أيضا بفتح معاهد لتعليم اللغة العربية في الصين، وتنفيذ برامج وأنشطة ثقافية مشتركة، كما ترجمة الكتب وإقامة المكتبات. ومع ذلك لم يحرك العرب ساكنا بعد، علما بأن الفرنسيين باتوا يقولون إن «الغلبة لم تعد للأقوى، وإنما للأسرع». والصينيون باتوا يمتلكون الخاصيتين معا، ويدركون جيداً ان «طريق الحرير» يمر، اليوم، عبر الاُثير والقنوات الفضائية. فأين حرير محطاتنا العربية؟.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

شقيق الروح

 

شقيق الروح

فوزية سلامة

 

كل عام وانتم بخير. في احد ايام هذا الشهر الكريم من عام 560 الهجري ولد في الاندلس صبي قدر له ان يترك علامة واضحة علي صفحة الفكر العربي عبر الازمنة . حين يولد صبي يعتبر الحدث حدثا عاديا. ولكن ان التقي بهذا الصبي بعد الف عام وقد كبر في العلم والمكانة لهو حدث اعتبره كبيرا في حياتي. اما اللقاء فكان على صفحة كتاب فتحته مصادفة وانا اتجول مع زوجي في مكتبة لندنية تبيع الكتب العربية. فتحت الكتاب فطالعني هذا البيت من شعر ابن عربي:

ان الرجال الذين العرف عينهم

هم الاناث وهم نفسي وهم املي

عدت الي الغلاف فقرأت : الانوثة في فكر ابن عربي.

قد ينعتني البعض بالاندفاع او بتقديم العاطفة على العقل. ولن احتج لأنني في ذلك الموقف وفي ذلك اليوم اندفعت واشتريت الكتاب بدون ان اعرف من مضمونه سوى عنوانه وبيت شعر اثار فضولي واهتمامي. واحقاقا للحق اقول انني لم اندم على اندفاعي .

ما قرأت عن ابن عربي اقنعني بأن معرفته جمعت بين تحصيل العلم على يد اشهر علماء الاندلس من القرآن والحديث والفقه واللغة, الى جانب تجربة الخلوة والرؤية الروحية والمناظرات. ولعل اكثر ما حبب الي من اليسير الذي قرأت عنه ان المنظومة الفكرية التي تركها لم تقتصر على مبادئ الفكر التجريدي بل اكدت ان الحب منبع وسبيل للمعرفة وتقر بأن تجاذب الذكر للانثى والانثى للذكر قاعدة تفتح مجالا في الوجود لابراز الدور الخلاق لعلاقة الانا بالاخر. وعليه فان حضور الذكورة والانوثة شرط اساسي لكل موجود مجرد او حسي.

يمكن القول بأن ابن عربي اعتمد على الخطاب الالهي في القرآن الكريم, والحديث النبوي في بلورة الحضور المركزي للانوثة. وفي نظرته الى الفروق بين الجنسين ينفي ان يكون للاختلاف اي تأثير في انسانيتهما وينزع عن هذا الاختلاف الحق في التمييز بين المرأة والرجل لأن الجوهر الانساني يكمن في تجاوز العنصر الحيواني لا الخضوع لاحكامه.

ويقول ابن عربي لكل موجود جهة للذكورة وجهة للانوثة وبفضل هذا التزاوج تحصل وحدة الموجود. ويدلل علي ذلك بآيات قرآنية ترتكز علي حضور العنصر الذكري والعنصر الانثوي وتكاملهما كما في قوله تعالي في سورة يس «سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض». وقوله في سورة لقمان: «وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم».

ويستشف من ذلك المعنى ان مبدأ الزوجية لا ينطوي على تمييز او تفضيل بما ان ظهور الموجودات لا يستقيم الا بحضور زوجي . ورأي في كل زوج وجهين لنفس الموجود وهما وجها الذكورة والانوثة وهما صفتان تربط بينهما علاقة انجذاب من دون تفاضل .

تصور ابن عربي ان الانسان تكون من وحدة انشقت وظهر منها الرجل والمرأة كشقيقين متماثلين ومتكافئين ماديا وروحيا فقال:

ان النساء شقائق الذكران

في عالم الارواح والابدان

والحكم متحد الوجود عليهما

وهو المعبر عنه بالانسان

الشق هو النصف ويعرف الشقيق بالاخ والمثيل. ويعتمد ابن عربي علي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (النساء شقائق الرجال) ويعرضه كاساس يبين ان الاحكام التي تسري على النساء هي نفسها تسري على الرجال.

كل عام وانتم بخير.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

خواطر حول أثرهما الجميل .. عربيان بهيان من أفريقيا

خواطر حول أثرهما الجميل

عربيان بهيان من أفريقيا

سمير عطا الله

 

لا أدري ما هي وجوه المقارنة الأدبية، لكنهما كانا، بالنسبة إليَّ، متشابهين على نحو لا أستطيع تحديده إلا من رؤية شخصية، أو بالأحرى رؤية شخصانية حميمة، مشاعرية، وليس فيها شيء من الموضوعية المفترضة، أو المزعومة في النقد. كان كلاهما من بلد هو أبعد البلدان عن بلدي. واحد، وُلد في سوق الحشيش في بنغازي.

وواحد ولد في إحدى قرى النيل. كلاهما هاجر إلى أوروبا ليكمل دراسته. وكلاهما مات مريضا فيها. واحد في جنيف، على ضفاف البحيرة التي أحبها. وواحد في لندن، على ضفاف التيمس الذي أحب. كلاهما تزوج أوروبية. الأول، فنلندية، رُزق منها بأولاد، لكنها بقيت في هلسنكي فيما عاد هو إلى بلده ليهاجر منه. وبقي أولاده في هلسنكي أيضا. وكل ما كانوا يعرفونه عن والدهم، أنه رجل عظيم وجميل وباهر وأن الناس في بلاده تهوى كتاباته.

الثاني، تطبعت زوجته بطباعه وطباع بلده وتعلمت كيف ترمي قرنا إضافيا من الشطة على صحن الفول. وأدرك أولاده أن الأب ليس رجلا شهيرا فحسب، بل هو أيضا رجل منخرط، ملتزم، يحب جلدته وبشرته ولا يضايقه شعره الأجعد الذي يبدو مثل عمامة سرية تحت عمامته البيضاء.

الأول سألته صاحبة الغرفة التي استأجرها في ألمانيا: «ما هذا الذي على رأسك؟». وقال في أدب جم: «هذا الذي على رأسي يا سيدتي هو شعري». فاعترضت الألمانية البدينة بكل جدية: «لا. لا. هذه مكنسة». فقال ضاحكا في وداعته: «كيف لم أنتبه إلى ذلك كل هذا العمر؟».

كان كلاهما وديعا، على نحو غير مألوف. وكان كلاهما واسع الصدر بلا حدود، ووسيع الآفاق، والثقافة، بلا أي حد. وكان كلاهما ساحر الحضور، آسر الحديث، تعابيره في الكلام في ثراء تعابيره في الكتابة، حماسي وطيب ومحب ومتسامح وقلبه في عينيه الإفريقيتين وفي ضحكته الملازمة، كأنما هو مغنٍّ. وضحكته جوقته.

لم أكن أعرف كم أحب الصادق النيهوم إلى أن أدركت أنني بعد ذلك اليوم سوف أذهب إلى جنيف ولن أجلس لأصغي إليه يتحدث في الفلسفة وأريك فروم وسقوط العالم العربي والأدب الألماني المقارن. ولم أكن أعرف كم كنت أحب وأقدر الطيب صالح، إلى أن غاب.

ومنذ سنوات وأنا أعيد قراءة كتب الصادق، وأحملها معي بديلا للأدوية وبديلا للأغاني وكشيء من صور العائلة. وقد زادت حمولة حقيبتي بعد غياب الطيب صالح. بلح من بنغازي ومسك من كردفان. العطر الأنبل في ليبيا والسودان.

لم ينتم الصادق النيهوم في ليبيا إلى أحد، وإنما أثار حول نفسه إعصاراً لطيفاً من الشغف الثقافي. غاص في الأعماق في عالم عربي مسطح. أحب مغنية أميركية تدعى جوان باييز لأنها غنت للعدالة. وأحب ستيفن بيكو ونيلسون مانديللا. وأحب الكتب وجعلها حياته ومثواه.

ومثله ظل الطيب صالح خارج كل الأطر والمربعات والمثلثات والمستطيلات الضيقة والخانقة. وفوق هودج من الكتب ترحل في الروح وفي الجسد. وحاول، ليس أن يصلح السودان، بل أن يكون إصلاحياً فيه. في كتابه «وطني السودان» نقرأ رحلة الطيب صالح الطويلة مع الخيبة الكبرى.

اقرأ ما كتب قبل ربع قرن وكأنه يرسم صورة اليوم: «إن العلاقات بين الأمم ليست لعباً وشطارة، ولكنها بشر يتعامل مع بشر، وعقول تحاور عقولا، ومصالح تعطي وتأخذ، وحضارة تلاقي حضارة». يتساءل أين ذهب السودان الذي مضى، الذي كان فيه «خدمة مدنية يضرب بها المثل في الكفاءة والنزاهة، ونظام تعليمي بني على أسس متينة، ومعهد للتربية في بخت الرضا، ليس له نظير في أفريقيا باستثناء مصر».

لا يطيق الطيب صالح أن يأتي سوداني عملا لا يليق بصورته وسمعته. وعندما يتحدث عن سقوط جعفر محمد نميري يقول: «كان يظن أنه يحسن صنعاً. كان سودانياً كسائر السودانيين. الذين يعرفونه يقولون إنه رجل دمث وديع خجول. وهو أمر يبدو غريباً في إنسان ضرب جزيرة أبا بالقنابل وشنق عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ، وقتل صديقة الحميم الذي مكن له في الحكم، فاروق حمدنا الله، وقتل الرجل الشيخ محمود محمد طه. إنه حتماً لم يرد شيئاً من هذا أن يحدث. ولكن هذه الأمور تبدأ صغيرة ثم تكبر، وشيء يقود إلى شيء، فإذا بالرجل الوديع الخجول يتحول إلى سفاح».

ثم يستدرك قليلا، واضعاً كل اللوم على شهوات العسكر: «لو أن أخانا جعفر محمد نميري لم يذعن لذلك الإغراء الفتاك، إغراء المجد والخلود، ولم يستيقظ مبكراً ذلك اليوم بالذات ولم ينتزع الحكم من أهله، لعله كان ينتهي به الأمر قائداً للجيش ثم يتقاعد قرير العين».

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

مخافة الله

بقلم: خالد القشطيني

 

من اللوحات الشائعة في معظم الحواضر العربية لوحة تقول «رأس الحكمة مخافة الله». طالما شاهدت هذه اللوحة في الدكاكين والمطاعم والمساجد والبيوت والمحلات العامة في بغداد. بالطبع لا يلتزم بها الكثيرون ممن علقوها. يكفينا أن نتذكر كل هؤلاء الذين أداروا ظهورهم لما جرى للمسلمين في غزة.

ولكن اللوحة كانت هناك وما زالت. وأعتقد أن لها مثيلها في معظم اللغات الأخرى. بيد أنني رأيت في هذه الأيام لوحة مغايرة تحملها بحروف كبيرة باصات لندن، وهي تقول: «لا تخش شيئا واستمتع بالحياة». لهذا القول جانب سلبي، هو أنه طالما لا وجود للعقاب، فافعل ما تشاء. وهذا بالضبط ما فعله أحد الشبان الإنجليز في نفس هذه الأيام. يظهر أنه قرأ اللوحة في طريقه إلى البيت.

هجم هذا الشاب في منطقة بينر بلندن على امرأة عجوز في الواحدة والثمانين من عمرها، وأرداها طريحة على الأرض وقد ارتطم رأسها بحجر الرصيف، ثم خطف محفظتها وهرب. نقلوها للمستشفى ولكنها ماتت في الطريق. كان هذا الشاب في حاجة لبعض الفلوس ليشتري بها بعض المخدرات ليستمتع بها على نحو ما قالت له تلك اللوحة التي تحملها باصات لندن بفخر واعتزاز. لا تخش شيئا وتمتع بالحياة ! لا عجب أن يرفض أحد السائقين قيادة أحد هذه الباصات التي تحمل هذا الشعار. قال كيف أقود هذا الباص وبين الركاب من تجاوزت سنه التسعين عاما ؟.

كل ما في المجتمع الغربي من متع الحياة الدنيا يقوم على التبضع والاستهلاك ولكل شيء ثمنه. ما الذي يفعله من لا يملك في جيبه ثمن استمتاعه بالحياة ؟ أقول ذلك وأتساءل في الوقت الذي تجاوز فيه عدد العاطلين في بريطانيا مليوني نسمة، ونحن ما زلنا في بداية الطريق، بداية هذه الأزمة المالية الخانقة.

الكثير من اللادينيين، أو من يسمونهم بالإنسانيين (هيومنست)، تحولوا من الإيمان بالله إلى الإيمان بالإنسان، ونقلوا محبة الله إلى محبة الإنسان وخدمة الإنسان. بيد أننا نواجه الآن ضربا من المخلوقات لا تؤمن بالله ولا بالإنسان. إلهها الوحيد الذي تقدسه هو الدولار، أو الباوند أو اليورو، الذي تشتري به متع الحياة، أو بالأحرى ما تتصور أنه متع الحياة. الخدمة الوحيدة التي تعرفها هي ليست خدمة الإنسان أو خدمة الخالق، وإنما خدمة أنفسها في جشعها وجريها وراء ملذاتها. المخافة الوحيدة التي تخشاها هي ليست مخافة الله وإنما مخافة مفتش الضريبة والوقوع في مرض الإيدز.

راحت عولمة الاقتصاد العالمي تسير جنباً إلى جنب مع عولمة الفساد، فساد المرأة، فساد الساسة، فساد المفكرين والكتاب ورجال الدين، وفساد البنوك والأسواق.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

قطار اسطنبول ـ لغراهام غرين: سياسة .. خيانة .. وترفيه

«قطار اسطنبول» لغراهام غرين: سياسة .. خيانة .. وترفيه

إبراهيم العريس

 

منذ كان دون العشرين من عمره، رغب غراهام غرين في أن يكتب رواية تكون باكورة حياة أدبية يتمناها لنفسه. ومن هنا، حتى حين اشتغل باكراً في الصحافة، ظل باله مشغولاً بالرواية التي سيكتبها. بل انه قام بمحاولات عدة، كان يشعر في كل مرة أنها لا تستجيب ما يتوقعه من قلمه.

 

وهكذا انصرف الى الشعر ونشر عام 1925 مجموعة. غير أن هذه المجموعة لم تلق أي نجاح. فما كان منه إلا أن عاد الى القصة ليكتب هذه المرة عملاً حقيقياً ينشر، هو روايته الأولى «الرجل الجوّانيّ»، التى حققت، إذ نشرت عام 1929 نجاحاً لا بأس به، حضّ الكاتب على أن ينشر روايتين تاليتين: «اسم الفعل» (1930)، و «ضجيج عند الغسق» (1931).

 

وهاتان الروايتان حققتا أيضاً نجاحاً لا بأس به. غير أن غراهام غرين سيعود بعد سنوات وينكرهما، في الوقت الذي ضأّل فيه من شأن روايته الأولى. وهو بالتالي راح يعتبر أن «روايته الأولى» الحقيقية التى تستحق اسم رواية هي «قطار اسطنبول» (التي تعرف أيضاً بـ «قطار الشرق السريع») وهي الرواية التي نشرها عام 1932، لتحقق من فورها، من النجاح، ما يضاهي كل ما حققته كتبه السابقة أضعافاً مضاعفة.

 

سيقول غرين لاحقاً إنه ككاتب روائي انما ولد مع «قطار اسطنبول»، حتى وإن كان سيفيدنا بأن هذه الرواية تنتمي الى أعماله «الترفيهية»، هو الذي كان، في معرض الحديث عن أدبه يقول دائماً إنه يقسم إلى أعمال ترفيهية مسلية، وأخرى درامية جادة.

 

ولعل في امكاننا اليوم أن نقول إن غرين كان مخطئاً في هذا التصنيف، إذ حسبنا أن نقرأ أياً من رواياته «الترفيهية» لنجد فيها قسطاً كبيراً من الجدية والدراما، كما حسبنا أن نقرأ أي رواية «جادة» له، لنجدها ترفّه عنا كل الترفيه. ذلك أن غرين كان من الكتّاب الذين يعرفون كيف يضعون الرسائل والأفكار، في أي نص يكتبونه، حتى وإن كان رسائل يبعث بها الى بريد القراء في الصحف (ونعرف أن ثمة كتاباً لغرين يضم فتات الرسائل التي كان يبعث بها الى بريد القراء).


مهما يكن من أمر، سواء اعتبر غرين «قطار اسطنبول» رواية ترفيهية أو جادة، تبقى هذه الرواية رواية كبيرة. ونكاد نقول هنا انها تحوي، في جوهرها، عدداً كبيراً من «التيمات» التي ظل الكاتب يعالجها من معظم أدبه حتى أيامه الأخيرة. من الحب إلى التفاوت الطبقي، ومن معضلة الايديولوجي الى دور المال في حياة الناس، مروراً بمسائل مثل الهوية والاشتراكية و… الخيانة، الموضوعة التى ألحّت عليه طوال حياته اكثر من أي موضوعة أخرى.


كما يشير العنوان «قطار اسطنبول»، تدور أحداث الرواية خلال رحلة في القطار (كانت في ذلك الحين، أي أوائل حقبة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، تستغرق أياماً) من أوستاند (في بلجيكا) إلى اسطنبول.

 

أما الشخصيات المحورية التي تدور الأحداث من حولها، فهي قليلة العدد، حيث اختار غرين هنا أن يقدم لنا نماذج معينة ليربطها في علاقات وأحداث في ما بينها، تبدو للوهلة الأولى سائرة على نمط ما يحدث في رواية مشابهة لأغاثا كريستي، تدور أحداثها هي الأخرى في القطار نفسه، ولكن من حول جريمة، لدى سيدة الرواية البوليسية.

 

لدى غرين تحل السياسة ـ بين أمور أخرى ـ محل الجريمة، ويصبح المجال الأول مخصصاً للعلاقات الإنسانية. وللوصول الى هذا، كان من الطبيعي لغرين أن يجمع في القطار أفراداً، ليس ثمة بين معظمهم أي تعارف أول الأمر، ولكن مع انقضاء أيام الرحلة، يختلط كل فرد بالآخر، بطريقة مدهشة.

 

وفي مقدم هؤلاء الأفراد رجل الأعمال ميات، الذي يقدم إلينا منذ البداية شخصاً عملياً، ومن هنا لا نستغرب حين يدفعه كرمه وحسه العملي إلى أن يقدم للحسناء كورال ماسكر، المريضة جزئياً، بطاقة سفر كانت تحتاج اليها وهي القاصدة فيينا حيث ستعمل راقصة. وماسكر هذه، على سبيل الامتنان تتسلل ذات لحظة الى قمرة ميات قصد مشاطرته الهوى.

 

وفي مقابل هاتين الشخصيتين، هناك الدكتور تشينر، وهو مناضل سياسي كان في المنفى، يقدم الينا أحياناً بصفته اشتراكياً وأحياناً بصفته شيوعياً، لكنه في الأحوال كافة مناضل يساري يخوض صراع الطبقات، وها هو الآن عاد من منفاه إلى بلغراد، حيث كان يتوقع أن تكون في انتظاره ثورة عمالية ناجحة. بيد أنه، وقبل موعد وصوله بثلاثة أيام، يعلم أن الثورة قد فشلت وأن السلطات قبضت على معظم زعمائها وتريد تقديمه إلى المحاكمة.

 

والحقيقة أن هذا الواقع الجديد، لم يحبط الدكتور تشينر، حيث قرر الآن أن يعود فعلاً إلى بلغراد، ليس لتزعم الثورة، ولكن كي يحاكم أمام الشعب مع رفاقه الآخرين. وهو يفعل هذا تحت رقابة الصحافية مابل وورن، التي تسافر برفقة صديقتها جانت باردو، لكنها لم تعد مبالية بها منذ اكتشفت وجود تشينر وقررت مطاردته كي تظفر بـ «سكوب» صحافي.

 

وإذ يدرك تشينر ان وورن تلاحقه، يقرر تضليلها، فيتزعم أنه نازل في فيينا، لتنزل خلفه … وفيما هي تهاتف صحيفتها من محطة القطار، يعود هو ليصعد بسرعة الى القطار. وبالفعل ما إن يصل القطار إلى العاصمة النمسوية، وتنطلق وورن لمهاتفة الصحيفة، حتى تلاحظ أن المدعو جوزف غرونلش، قد سرق حقيبتها، بعدما كان قتل شخصاً قبل فترة في محاولة سطو فاشلة.

 

ويتمكن غرونلش من الحصول على مال وورن ويصعد الى القطار فيما تعجز هي عن ذلك، ولا تجد أمامها للوصول الى حكاية تشينر إلاّ أن تلجأ الى طريقة أخرى: إنها تتصل بالسلطات العسكرية لتخبرهم عن وجود تشينر في القطار.

 

وهكذا ما إن يصل هذا الأخير الى محطة القطار في سوبوتيتسا حتى يقبض عليه، كما يقبض في الوقت نفسه على ماسكر التي كانت واقفة معه حين القبض عليه، وأيضاً على غرونلش الذي يُفاجأ وهو حامل مسدسه. وعلى الفور تُعقد محكمة عسكرية تتحلق من حول تشينر الذي ينتهز الفرصة لإلقاء خطاب سياسي حماسي ولكن في حال تخلو من الحضور!,


القسم التالي من الرواية تبدأ أحداثه في غرفة انتظار في القيادة العسكرية حيث أُودع المعتقلون الثلاثة في انتظار مجيء صباح اليوم التالي. وهم سرعان ما يلاحظون ان ميات قد عاد في سيارة خاصة كي يعمل على إطلاق سراح ماسكر وأخذها معه.

 

وهنا يتمكن غرونلش من فتح الباب والهرب ومعه الاثنان الآخران، تشينر وماسكر. لكن غرونلش يكون وحده الذي يتمكن من الوصول الى السيارة، ذلك أن رجال الأمن يكتشفون هربهم ويطلقون النار عليهم، فيصاب تشينر وتضطر ماسكر الى تخبئته. لكنه سرعان ما يقضي نحبه، فيما تكون وورن قد وصلت الى المكان وهي لا تزال تسعى للحصول على الـ «سكوب» الصحافي. وإذ تدرك ما حدث، تأخذ ماسكر معها مصطحبة إياها في طريق العودة الى فيينا، وقد قررت أن تحلّها في حياتها مكان صديقتها باردو التي يتبين لنا ان العلاقة معها كانت قد ساءت منذ زمن.

 

وفي نهاية الأمر يصل القطار الى اسطنبول ولم يكن قد تبقى من الجماعة التي تعرفنا إليها في البداية، سوى ميات والآنسة باردو، إضافة الى السيد سافوري (وهو كاتب كما نعرف). وخلال نزولهم يفهم ميات ان باردو ليست في حقيقة الأمر سوى ابنة أخت الصناعي المنافس له شتين، والذي قد يصبح الآن شريكاً له، أي لميات، إذ بدأ هذا ـ جدياً ـ في التفكير بالاقتران بها.


في نهاية الأمر، إذاً، تبدو رواية «قطار اسطنبول» حكاية مغامرات شيقة، من النوع الذي يجوز تحويله الى فيلم سينمائي. والحقيقة أن غراهام غرين كتب في مجال حديثه عن هذه الرواية، أنه حين كان يكتبها كان يتطلع بقوة الى أن تُحوَّل الى فيلم. فهو كان في ذلك الحين مولعاً بالفن السابع، كان ـ حتى ـ يكتب نقداً سينمائياً لصحفية «تايمز».

 

وبالفعل حولت الرواية فيلماً، بعد صدورها بعامين، لكن الفيلم لم يحقق نجاحاً كبيراً. وكان أول فيلم يحقق عن رواية لغرين، الذي ستشق معظم رواياته التالية، طريقها الى الشاشة الكبيرة، ومن «صخرة برايتون» الى «الأميركي الهادئ» ومن «السلطة والمجد» الى «جوهر المسألة» و «العامل البشري» مروراً بـ «نهاية علاقة» و «الرجل العاشر» و «الرجل الثالث» (علماً أن هاتين الأخيرتين كتبتا للسينما أولاً ثم حوّلتا روايتين).

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

من أجل عيني مهنّد

نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط

كتابات أعجبتي

من أجل عيني مهنّد !

 

سوسن الأبطح

 

تشبه الفضيحة كل تلك الأخبار المتعلقة بالمسلسلات التركية، والتي نقرأها وكأنما هي آتية من عالم الأعاجيب والأخيلة. فهذا يطلّق زوجته لأنها أعجبت ببطل مسلسل «نور» المدعو مهند، صاحب العينين الزرقاوين والشعر الأشقر، وتلك تريد لحاجبيها ان يكونا منسابين كحاجبي لميس، وأخرى تسعى لأن تلبس تنورة دانا، وغيرها ترغب بشعر أحمر كشريفة، ونساء عربيات بالجملة بتن يعترفن بعطشهن لنسج قصص غرامية رومانسية يكون فيها الحبيب رقيقاً وحالماً دافئ العينين، على الطريقة التلفزيونية التركية.

وبمتابعة مسلسل «نور» يتأكد لك، للأسف، أن أحداثه قد تكون أدعى للتصديق من حلقات الفضائح والعورات الاجتماعية العربية التي كشفها وعرّاها. ولو كنّا على درجة كافية من الوعي، لتقدمنا من الأتراك بالشكر والامتنان لأنهم تمكنوا، ولو من غير قصد، أن يبينوا لنا هشاشة حالتنا وخطورتها.

ولو لم تأتنا المسلسلات التركية لجاءتنا البوسنية، وإن تأخرت علينا الدنماركية، ستسبقها السويسرية، والعالم يضيق ويصغر، في ما نظن بأننا نستطيع ان نعيش وراء الأبواب الموصدة دون ان يقتحمها أحد، فيما الاقتحام حاصل وغرفنا مليئة بالزوار والشركاء الذين يطلون من شاشات التلفزيونات والانترنت والهواتف، ويشاركوننا أعمارنا، ويبدلون مجرى تربيتنا لأولادنا.

لم اصدق تلك الفتاة الصغيرة التي لم تبلغ الثامنة وهي تصرّ على انها تشبه «نور» بطلة المسلسل التركي الشهير، وانها الآن تبحث عن «مهند». وصبي آخر لم يبلغ العاشرة يخبرني انه يتابع المسلسل بمتعة، لأنه مركب بطريقة ترضي كل المزاجات، ففيه رومانسية و«أكشن» وحكايات أطفال ودموع وأفراح، ومافيات وإطلاق نار، ومشاهد مضحكة أيضاً.

ويبدو ان كل مشاهد يرى في مسلسل «نور» ما يبحث عنه، لكن بالنظر إلى كل تلك المسلسلات التى لاقت رواجاً لغاية الآن، نجد العائلة هي المحور، والعلاقات الإنسانية والأسرية هي الأساس. فمسلسل «الحاج متولي» ومثله «باب الحارة» وهما المسلسلان اللذان حصدا الشهرة الأكبر في السنوات الأخيرة، قاما أساساً على حكايات أسرية ونزاعات بينية، ولا تشذ المسلسلات التركية عن هذا المنحى.

ولعل ميزة «نور» تحديداً، هي تقديمه لنموذج حياة عصرية، لكنها تبقى متمحورة حول العائلة المترابطة حيث يلتف الأولاد والأحفاد حول الجد، كما تلتف الأغصان على شجرة. فالمجتمع التركي يعيش أزمة هوية والمجتمع العربي أيضاً، وان يقدم «نور» قصص حب وزيجات ومغامرات، فيها من الحرية والغرام والدلال ما يغري بتقليدها، وتبقى جميعها تحت سقف بيت واحد، لهو أمر كان يبدو للمشاهد عصياً حتى الآن.

فالعصرية هي قرين الفردية في الذهن عموماً، وهذا ما نراه في المسلسلات المصرية الجديدة، حيث الأسرة الصغيرة هي النواة، ولا مجال لبناء أي حكاية يحضر فيها الأخوة والأخوات وأبناء وبنات العم كشركاء حقيقيين، فما بالك بأزواج هؤلاء، هذا عدا زوجة الجد الجديدة التي تأتي بابنتها من الزواج الأول وأحفادها أيضاًَ.

ونرى في المسلسل ان كل هذا عادي وضروري. وحين تعلم الأسرة ان الطلاق قد وقع بين مهند ونور نشعر وكأن زلزالاً مروعاً هزّ العائلة كلها، وتبكي والدة مهند وهي تقول ان ابنتهما (حفيدتها الوليدة الجديدة) باتت في «خطر».

صحيح أن ثمة خلافات حادة تعصف أحياناً بأفراد العائلة، ومكائد وحبائل خبيثة، لكن الروح العائلية تنتصر دائماً، وهذا يرضي المتفرج العربي الذي بات يعاني من أمراض الطلاق والعنوسة والتفكك ضمن البيت الواحد، وحتى انشطارات داخل الأسر الصغيرة.

وليس أدلّ على ذلك من أنباء عن بيوت تهدم في بلدان عربية عدة، نتيجة اكتشاف الزوجات لنموذج الرجل الرقيق المحب «مهند»، الذي يطارد زوجته الغاضبة حتى آخر الدنيا لينال رضاها، فيما المقارنة بين ما يحدث في المسلسل وازواج الواقع تصيب بالصدمة.

وهذا ذنب لا يمكن تحميله لعمل تلفزيوني بعينه بقدر ما يجب ان يتسبب في مراجعات رجالية حقيقية، مفادها ان الخشونة الزائدة، شكلاً ومضموناً، لم تعد مطمحاً أنثوياً، وأن مطالب النساء تغيرت، قبل النجم مهند، وستبقى كذلك بعده، كما تغيرت قبل ذلك مطالب الرجال وهم يكتشفون هيفا ونانسي وأليسا، ولكل من لوثة الموضات التلفزيونية حصة.

وكل هذا ليس سخيفاً أو خفيفاً، كي تعاقب وزيرة الثقافة الأردنية، نانسي باكير بأقذع الألفاظ، لأنها قبلت بصورة تذكارية مع النجم مهند الذي التقته صدفة أثناء زيارة له لعمّان. فلم تفعل السيدة الوزيرة سوى الوقوف إلى جانب ممثل يعشقه نصف مواطنيها، وهي كوزيرة ثقافة من المفترض ان ترحب بضيفها، وتحترم مزاج شعبها.

وتزور القصر الجمهوري اللبناني ملكات جمال وفنانات ومغنيات، ويلتقطن الصور مع الرئيس، وهذا حصل وسيحصل. وليس السياسيون غير ممثلين لشعوبهم كيفما كانت رغباتهم وخياراتهم. أما من لا تعجبه ميول شعبه ويرى فيها ما يؤرّقه فليس عليه سوى ان يسعى ويكدح ليفهم ويتمعّن ويحلل ويعالج بخطط طويلة الأمد. وبدل ان ننشغل كلنا بالخطط الاستراتيجية الإقليمية التي لم نعد ندرك لها معنى ولا مبنى، لينصرف بعضنا إلى رسم خطط استراتيجية اجتماعية، علها تكون للبشر أجدى وأنفع.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

مِئَوِيَّتا رجل طيب

مِئَوِيَّتا رجل طيب

سمير عطا الله

 

هناك تاريخيون تُحفر أسماؤهم في ذاكرتنا طوعا. البعض في خانة الإعجاب، والبعض في خانة (العياذ بالله). وقد نختلف أحيانا، قليلا أو كثيرا.. فالمسألة الجماعية تصبح غالبا اجتهادا، أو ميلا، فرديا. وأنا أعرف أناسا يحبون هولاكو، وهتلر، وموسوليني، وأفلام الرعب، ويعلقون على جدران مكاتبهم أو مخادعهم صورة فانسنت برايس، الذي اشتهر ببطولة أفلام دراكولا.

أبراهام لنكولن اسم أحبته شعوب العالم، ساعة تحب أميركا، وساعة تكرهها، لا فرق. وتحتفل الولايات المتحدة بمائتي عام على مولده هذا الأسبوع، وكأنها تحتفل بيتيم لا تملك سواه عندما تطرح السؤال الوجداني: «لماذا لا يحبوننا؟». لقد كان لنكولن شهيد الحرية والمساواة. قتله مجنون ـ أو مؤسسة مجانين ـ كما قُتل غاندي من بعده، وكما قُتل مارتن لوثر كنغ من بعدهما، لكن وجود باراك أوباما في البيت الأبيض، يُعِدّ ابنتيه للذهاب إلى المدرسة، ولا يصل إلى المكتب قبل التاسعة، هو حياة لأبراهام لنكولن، وتاج لمارتن لوثر كنغ.

نسمي بعض الرجال تاريخيين، لأنهم يصمدون في وجه كل موجات الغبار والنسيان. عرض لنكولن على جنرال إيطالي يدعى غاريبالدي أن يعمل معه قائدا للقوات الاتحادية؛ فاعتذر. وانصرف بذلك إلى توحيد إيطاليا. وكما لا يُذكر اسم أميركا من دون لنكولن، لا يُذكر اسم إيطاليا من دون غاريبالدي. لولاه، لكانت لا تزال دوقيات متقاتلة تتخاطفها إسبانيا وفرنسا، وتحلم ألمانيا بالعودة إليها.

تحتفظ ذاكرتنا بأسماء ذوي الأعمال الحسنة. نتذكر الطبيب ألبرت شفايتزر، لأنه ذهب إلى الأدغال يحارب المرض مع فقرائها وعراتها. ونتذكر فلمنغ لأنه اخترع البنسلين؛ ولم يعد الإنسان يموت بالالتهاب. ونتذكر ديزني، لأنه حوّل «كليلة ودمنة» إلى كرتون ملوّن ضاحك يعلم الأطفال، دون مشقة، ودون عقاب.

ونتذكر غاندي، لأنه هزم أساطيل الإمبراطورية وهو يقف بقامة عطباء ويخطب بصوت ركيك. نتذكر الذين تركوا لنا إرث العدالة والمساواة والحرية.. حرية البشر، وحرية الأوطان، وحرية الإنسان. والذين بشروا بالعبودية، سقطوا من تلقاء أنفسهم. أراد لينين للطبقة الكادحة أن تستعبد الطبقات الأخرى، وليس أن تحرّر نفسها. أما ستالين، فقد غنّوا له: «أبونا وسيدنا .. فليحيا الزعيم العبقري وسيد عمال العالم أجمع».

ولما اطمأنوا إلى وفاته، خرجوا عليه وعلى ذكراه وعلى أناشيده. باحترام، سوف نظل نتذكر أبراهام لنكولن، ولو حلَّ بالعالم خَلَف له يُدعى جورج بوش.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

رجل وامرأتان

ثريا الشهري

  

وُلد مُحرر العبيد «ابراهام لنكولن» والرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأميركية عام 1809، لأب يعمل نجاراً وأم بسيطة تتصف بالطيبة، فنشأ وحيداً لأسرة فقيرة تقطن كوخاً في إحدى مزارع ولاية كنتاكي، فكان طفلاً هادئاً لا يميل إلى اللعب والمزاح، وإنما إلى القراءة والاطلاع.

 

فلما ماتت أمه في التاسعة من عمره، تزوج والده من أرملة شابة لها ولد وابنتان، ومكتبة صغيرة تزخر بالكتب الثمينة، فلاحظت زوجة الأب أن ابن زوجها يقضي معظم وقته في قراءة كل ما تقع عليه عيناه، فكانت معينه الذي شجعه بتخصيص الساعات للقراءة معه ومناقشة ما جاء في كتب الأدب والشعر.

ولأنها كانت امرأة متدينة فقد غرست في الصغير تقوى الله، وأرست في عقله الناشىء معاني المساواة وحب الخير بغض النظر عن أجناس وألوان البشر، ولولا تلك المفاهيم لشب ابراهام وفيه ميل للطيش والعنصرية كمثل أرباب وقته آنذاك، خصوصاً أن جده كان قد قتل على أيدي الهنود الحمر، الشعب الملون الذي ينظر إليه الأميركيون بمنظور مغلف بالدونية.

 

لنتعرف على نموذج حنون ومختلف لزوجة الأب، فيكفي أنها من أقنعت والد ابراهام بضرورة تعليم الصبي حين أصر أبوه على تركه للدراسة ليعمل معه في النجارة، ليكون ابراهام بذلك من ضمن المحظوظين القلائل الذين حظوا ليس فقط بزوجة أب صالحة، ولكن بزوجة ناضجة متفهّمة تعين ولا تعوق. إنها «ماري تود» الفتاة الارستقراطية التي لم ترفض الاقتران بالريفي الفقير لاعتقادها بمستقبله المشرف، ولإيمانها القوي بقدراته التي كانت وراء ترشيحه لعضوية الكونغرس الأميركي، والمحفز الأول لإصرارها العنيد على ترشيح زوجها لرئاسة بلاده وفوزه بها.

كلمة أخيرة: قدر الإنسان عادة ما يهيىء له حياة يعيشها تسوقه إلى مصيره، فلا شيء يحدث اعتباطياً، ولكننا لم نتعوّد على تحليل مشاهدنا في مشوار الدنيا، فلم نحفل بمحاولات الربط أو الاستنتاج الذاتي مع أنفسنا، فزوجة أب ابراهام لنكولن ثم زوجته لاحقاً ليستا من باب الصدفة في حياته، وإنما هما من قبيل الحكمة التي تقف وراء الأسباب.

 

وكم من أبناء يعيشون في بيت واحد وظروف واحدة، وتشاء الأقدار أن تنزع أحدهم من وسط محيطه لتزرعه في بيئة أخرى مع أناس آخرين قد يصبحوا الأدوات التي تشكل ملامح شخصيته لأيامه المقبلة! فإن كان لنكولن قد قتل برصاصة أحد المتعصبين، إلا أن بلاده لا تزال تحتفل بمولده حتى بعد مضي 200 عام على وفاته، ذلك أن أجدر نهاية للإنسان هي حين يتوحّد مع قناعاته في لوحة واحدة حتى لو دفع حياته ثمناً لها.


وقالوا: «القدر هو أعظم الفنانين» بلزاك.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

من الريحاني إلى النيهوم

 

محيي الدين اللاذقاني

 

 

«يا أخي المسيحي تعال معي الى الجامع».

 

ما أجمل وأنبل أمين الريحاني المتربي على بخور الكنائس ورنين الصلبان، وهو يصرخ بهذا النداء الذي يتوج فصلاً جميلاً في كتابه المترجم حديثاً، والصادر عن دار الساقي قبل اسبوعين تحت عنوان «جادة الرؤيا».

والفصل بعنوان في الكنيسة والجامع وهو يستهله بالقول:

«في كل أماكن العبادة التي أعرفها ـ وقد جررت نفسي غير المحلولة من خطاياها كما أوصالي المرهقة إلى أكثر من هيكل غريب ـ أثر في الجامع دائما لكونه إلى حد بعيد الأكثر ديمقراطية وبعداً من التقيد في ضيافاته المتنوعة، فلا شيء فيه أو في تدبيره يشبع غرور الغني أو يهين الفقير، ينفر الضعيف أو يلهي المتعبد… الجامع هو ملاذ راحة للشحاد. والأمير، وهيكل ديمقراطية للمؤمن..».

الله الله يا شيخ أمين فلم يقل مثل هذا الكلام بعدك إلا كاتب من ليبيا طواه الموت قبل سنتين اسمه الصادق النيهوم، وهو أحد المتهمين ـ وما أكثرهم ـ بكتابة الكتاب الأخضر للقذافي.

المهم ان هذا الرجل يا شيخ أمين ـ ولعلك تلقاه هناك ـ كتب كتابا جميلاً مؤثرا بعنوان «صوت الناسمحنة ثقافة مزورة» زعم فيه ـ ولعله على حق ـ انه جرت مع سبق التصميم والترصد مصادرة دور الجامع، وتم خلال قرون مديدة التحايل على الدور التنويري والتقويمي لخطبة الجمعة، وكان الذين قاموا بذلك على مراحل يرومون القضاء على المؤسسة الديمقراطية الاسلامية الأولى لتفريغها من معناها، ومحتواها.

لقد كان الجامع بالفعل والقول واحة شورى وكانت تناقش فيه صراحة وجهراً شؤون الأمة وينطلق منه نفير الدفاع عن الأرض وتصهل فيه الأصوات الشجاعة في وجه الجور والظلم واستبداد الولاة.

وما كان المواطن يراه كذلك بل الخليفة أيضاً، فمنذ خطبة «وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أصبت فأعينوني وان أخطأت فقوموني…»، ومنذ السيف الذي أشهر يومها صار الناس يحتمون بالمساجد في كل الأوقات، ويهرعون اليها كلما أصابهم عسف أو جاء من يصادر حرياتهم وحقوقهم تحت مسميات شتى.

لقد كان الجامع بالفعل واحة الشورى الرشيدة ومؤسسة الأمة» وكانت له غير العبادات أدوار جليلة أخرى. فمن سرق ذلك الدور من مساجدنا … ؟ من .. ؟ من … ؟ من …. ؟.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

ماذا حدث بالضبط ؟

 

 

ماذا يحدث حولنا ؟ وإلى أي منزلق نأخذ وجهتنا ؟.

إن كثيراً من الرعاع والغوغاء .. وكثيراً من المتسلقين والإنتهازيين، وكثيراً من أصحاب المصلحة في الإضرار بهذا البلد .. وكثيراً من الطائشين، وكثيراً من المنساقين وضعاف النفوس، وكثيراً من الجهلة وأنصاف المتعلمين، وغير هؤلاء من الذين لا يعرفون سوى صوت الصراخ، ولا يمدون أبصارهم إلي أبعد من مواقع أقدامهم.

كل هؤلاء .. خرجوا إلي السطح في أصعب فترة حرجة تواجه بلادنا .. وتناثرت كلماتهم في كل مكان .. وانطلقت إشاعاتهم الخبيثة في الأزقة والشوارع .. وقادوا المواطنين البسطاء إلي منزلق خطر .. لم يعد يهدد أحد إلا نحن .. ولم تعد خطورته تقترب من بلد إلا بلادنا.

وحتى يمكن أن يفهم الناس حقيقة الواقع .. وحقيقة الخطورة التي تواجهنا .. كان لابد من أن نناقش الموضوع بوضوح وبصراحة .. ثم بصرامة إذا أستدعى الأمر.

فعندما يصل الغدر إلي مصلحة بلادنا .. ومستقبلها .. ينبغي أن نقيد الأعصاب الطائشة .. الجاهلة .. وينبغي أن تسود المصلحة وتتهشم كل مصالح الأفراد، وتزول من كل وجودنا .. كل دواعي الخيال ..

فالواقع وحده هو الوسيلة الوحيدة للفهم .. والانطلاق الجاهل خلف الكلمات البراقة الزائفة، لا يخدم أحداً سوى العدو.

وبصراحة .. يجب أن يعرفها كل مواطن، ويجب أن يعيها تماماً.  تقف ليبيا هذه الأيام[1] موقفاً لا تحسد عليه .. ويتآمر عليها الأعداء والأصدقاء على السواء .. لتكون ضحية " موقف " إستغله أصحاب المصلحة بلؤم وخبث، خلف شعارات كاذبة .. وعلى كل مواطن أن يفتح عينية جيداً على حقائق واقعة، وعليه أن يتحسس مواقع قدميه بوعي .. قبل أن نسقط جميعاً ضحية عواطفنا المريضة .. وضحية انسياقنا المتهور خلف المتسقطين خسائرنا لتحويلها إلي مكاسب لهم. مستغلين عاطفتنا الوطنية، ومنتهزين فرصة انهماكنا في متابعة القضية.

 

والسؤال الآن هو: ماذا حدث بالضبط ؟.

ولكي نأخذ الموضوع من خيوطه الأولى يجب أن نقرر الآتي:

v    بمجرد بداية مشكلة مضيق تيران[2] .. إنتشرت عاطفتنا الوطنية كالنار في الهشيم، وتجمع الناس في ليبيا حاملين أعناقهم على أكفهم .. ولم يكن ذلك نتيجة لتعبئة كلامية، ولكنه كان وليد طبيعة أصلية متجاوبة مع وجودنا العربي، ومع قضايانا المصيرية.

v    وبمجرد أن بدأت الحرب[3] .. تحولت بلادنا إلي قطعة من اللهب .. وقام المواطنون بترجمة مشاعرهم عن طريق الصواب والخطأ .. وأمام أبصار المسئولين عن أمن البلاد، دون حركة قمع واحدة .. ثم أعلنت حالة الطوارىء، وتحركت مجاميع الشعب نحو مكاتب التطوع.

v    تبع ذلك تبرع من الدولة، لتدعم المجهود الحربي، وإعلان حالة الحرب الدفاعية، وتوحيد المجهود العربي في استعمال سلاح البترول.

v    وبمجرد وقف إطلاق النار تحركت الهيئات الحكومية والشعبية لتضميد جراح الضحايا، وتوالت النتائج الطبية، ووصلت إلي أصحابها والمنتفعين بها.

v    ورغم عودة الحياة الطبيعية إلي كل البلدان العربية التي تضررت والتي لم تتضرر، إلا أن حياتنا الطبيعية لم تعرف طريقها إلينا حتى الآن، ورغم عودة الابتسامة إلي وجوه كثير من الشعوب العربية إلا أن شعب ليبيا لا يزال غارقاً في الألم، ولا يزال الناس يتناقشون ويتعاركون ويحترقون داخلياً دون توقف.

وليس هذا سرداً محصوراً لكل ما حدث .. ولكنه سرد سريع للوجه الذي استقلت بلادنا به .. نكبة العرب. ولكن الواقع المؤلم … خرج كثيراً عن نطاق خدمة القضية .. وتحول إلى وسيلة للإضرار بنا، نحن وحدنا فقط.

v    فعمال الموانئ الليبية البسطاء الطيبون، الذين تزدحم نفوسهم وحدهم بالمشاعر الطيبة، خدعتهم كلمات المستقلين، ومرضى الشهرة وسواقط القيد في الوطنية، وخدعتهم تحريضات الإذاعات الأخرى التى أنشئت خصيصاً للتلاعب بمشاعرهم وأحاسيسهم.

وفي الوقت الذي رفضوا فيه تفريغ البواخر الأمريكية والانجليزية وبقية البواخر الأخرى التي تحمل إلينا مستوردات حياتنا، وأعمالنا ومستقبلنا، فتحت بقية المواني العربية أبوابها على سعتها، متلهفة على ذلك، ومنتهزة الفرصة السانحة، ومواصلة تحريض الإذاعات للبسطاء، حتى تستمر المهزلة خلف شعارات القضية وشعارات المعركة.

v    وتوقفت عمليات حفر البترول في بلادنا لعدم وصولv المعدات.

v    وتوقفت الحركة التجارية لدخول عنصري عدم الثقة وعدم الأمان في المعاملات التجارية.

v    ورفضت شركات التأمين في الخارج تحمل مسؤولية بضائعv مرسلة إلي ليبيا.

v    واستغلت شركات البيع الفرصة فرفعت أسعارها لندرة البضائع في البلاد.

v    وطلبت المؤسسات الموردة غطاء كاملاً من النقد لكل المستوردات وأوقعت تجارنا في مأزق الحاجة.

v    وارتفعت ساعات العمل في موانىء تونس ومصر وبيروت لتستقبل ما رفضته المواني الليبية.


وبقي ـ بعد ذلك كله ـ سؤال حائر يتقاذفه الناس ؟.

v    لماذا نرفض ما يرضى به أشقاؤنا ؟ وهل تتطلب القضية أن يموت الناس في ليبيا وحدهم .. وأن يكونوا ضحية القضية دون أية دواع معروفة ؟؟.

 

والإجابة .. واضحة وليست بحاجة إلي كثير من التفسير .. فعملية الاستغلال الرخيص للقضية .. لم تسلم منها النكسة العربية الآخيرة هي الأخرى .


وعملية إستغلال البسطاء الطيبين من مواطنينا .. إمتدت إليها أجهزة الإعلام العربية لتنشيط التجارة في بلد عربي على حساب بلد عربي آخر. والنتيجة .. هي أن كل مشاعرنا الوطنية، تحولت في نظر الغير إلي بله .. وعبط .. وسذاجة .. يجب أن تستثمر على أوسع نطاق !.

 
هذا جانب مؤسف واحد .. يجب أن يعيه المواطن ويجب أن يصححه .. وإذا لم يستطع المواطن تصحيحه بنفسه، فعلينا أن نقرر بان الدولة لا يمكن أن تقودها المشاعر الطائشة .. وعليه فإن الإجراء الحازم يجب أن يتخذ صيانة لكرامة هذا الشعب من جهة، وحفظاً لاستقراره من جهة أخرى ..


ويبقى بعد ذلك جانب آخر مؤسف .. وهو قضية المقاطعة البترولية .. والموقف الليبي من هذه المقاطعة .. لم يأخذ طريقاً شجاعاً .. حتى الآن، فإذا كانت المقاطعة عربية وجامعة .. فنحن معها على طول الخط .. وما قرره الإجماع العربي علينا نافذ ولا مفر منه ..


قالوا أمريكا وبريطانيا .. وحددوا هاتين الدولتين بالذات .. وانفرادنا نحن بموقف مخالف .. بأن حددنا الدول التي سنتعامل معها. وهذا في رأيي موقف غير صريح .. ويمكن أن يضر بمصلحتنا الوطنية ضرراً لا حد له ..

 
لأن الدول العربية والدول الصديقة المنتجة للبترول، أسرعت فأخذت بناصية هذا القرار، أخذ مستغل، بشع الوجه. وتسابقت الدول التي يعنيها الأمر، نحو أسواقنا الليبية التي تركناها وبدأت تحاول إحتلال مكاننا في جرأة وصلت إلي حد الوقاحة .. وكأن القضية العربية والنكسة الآخيرة كانت وسيلتهم الوحيدة لتحقيق المكاسب على حساب إنهيار اقتصادنا، وسلب ثروتنا.

 
والموقف من جانبنا .. موقف جبان وضعيف وطائش، والموقف من جانبهم .. موقف جرىء .. نهاز للفرص، مستغل من جميع الوجوه ..

 

ليت الدول الشقيقة والدول الصديقة إستولت على أسواقنا لظرف مؤقت حتى نتمكن من أن نستعيد رجولتنا ونحدد موقفنا دون خوف. بل إنها ـ بعميق الأسف والألم ـ أصبحت تملي الشروط على أسواقنا لتوقيع عقود طويلة الأجل، مقابل الحلول مكاننا في هذه الظروف الحرجة !.


والظروف الحرجة ليست من صنع أحد .. ولكنها من صنع أيدينا، فهم يعطوننا حبلاً لنشنق به أنفسنا .. وبدلاً من أن يتم تقدير موقفنا على أساس من العبط والسذاجة المتطرفين.

ودخلت القضية أساليب القرصنة والسرقة من جانب دول عربية، ودول صديقة في منظمة الأوبيك. وجميع هذه الدول تتناحر على السوق الليبي في ألمانيا هذه الأيام. لا لمدها بالبترول هذه الفترة حتى يعود الليبيون إلي عقولهم .. بل بإملاء شروط طويلة الأجل أقصره لمدة عامين.


وهنا يصبح من اللازم والضروري، أن نحمّل الحكومة مسؤولية إنهيار دخلنا القومي دون سبب. فالقضية العربية لم تطلب من ليبيا أن تتنازل عن مستقبلها مطلقاً لصالح دول عربية أخرى، والقضية العربية لم تطلب من ليبيا أن تمتهن نفسها، وأن تكون سلعة تجارية في أيدي التجار، على حساب الشعارات الوطنية الملفقة.


فإذا أقرت مصر وسوريا والأردن والكويت والعراق والسعودية وبقية الدول العربية مقاطعة ألمانيا أو غيرها، فإن على ليبيا واجب تحقيق المقاطعة.


أما أن تقاطع ليبيا سوقها الكبير في ألمانيا، لتتم عليه المساومة من قبل الدول العربية .. فهذا جهل .. وهذا جبن .. وهذا إضرار بمصلحة المواطن والوطن .. تظهر آثاره علينا بمجرد أن تضيع أسواقنا من بين أيدينا. ويصبح أملنا فيها مفقوداً.


ولذلك يجب أن نطبق المقاطعة حرفياً .. دون أي تطرف لا تلتزم به الدول العربية الأخرى .. فالدولة لا يمكن أن تتبع صرخات المهووسين والمرضى والمراهقين. الدولة يجب أن تحمي المواطن من نفسه .. ويجب أن تتحمل مسؤوليتها بسرعة.


فأمامنا الآن .. صراع خبيث مرير .. ينتظر السرعة وحدها .. وينتظر الشجاعة الوطنية التي لا تلتفت إلي الرعاع أو المتسلقين.

 

1967

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] عقب نكسة حرب 1967.

[2] بسبب إغلاقها أواخر شهر مايو 1967 أمام الملاحة الإسرائلية في البحر الأحمر قبيل حرب الأيام الستة.

[3] في 5 ينيو 1967.

 
 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.