Category Archives: كتابات في الحب

تعا ولا تجي .. وأكذب عليا

 

تعا ولا تجي .. وأكذب عليا

 

هذه قصة حب بريئة، تكاد تكون مثالية فى عاطفتها الجارفة (المتبادلة) بين طرفيها، والتى لا يُعكر صفو رومانسيتها الحالمة، سوى إحدى سمات طبع الحبيب الذى تهيم بطلة قصتنا بحبه؛ والمتمثلة في دقة موضوعيته بصورة مفرطة ـ في مبالغتها ـ عند حكمه على أمور الحياة المتفرقة؛ فلا يفرق في هذا الصدد، بين الخيال الذى ينسجه ويفرزه الخلق والإبداع الفني، وبين الواقع الذى يعايشه الناس في دنيا المتاع.

تقتني فتاتنا، بطلة هذه القصة الغرامية، مسحة من الجمال العادي، الذى لا يلوى الأعناق، لكنه يأسر القلوب ذات البصيرة النافذة والذوق الرفيع. وهى أصغر من أختين، وأكبر من أخ يصغرها بسنوات عديدة. تنادى الأخت الكبرى باسم بنفسج، والوسطى ياسمين، واسم فتاتنا ـ التى تدور أحداث هذه القصة حولها ـ نرجس، ويطلق على الشقيق الأصغر اسم قرنفل.

تعيش نرجس حياة سعيدة، في أسرة يجمع بين أفرادها الحب والوئام، تحت رعاية أب خلوق كريم، وفى ظل حنان أم طيبة ودودة، لا هم لكليهما ـ في الحياة ـ سوى إسعاد قرنفل وأخواته.

الأم ـ وأسمها ـ تهاني، سيدة بيت من الطراز الأول، تسهر على راحة أفراد أسرتها الصغيرة، وتلبى كافة متطلباتهم وإحتياجاتهم المنزلية. ويغدق الأب ـ من جانبه ـ بكافة ما تسعه نفسه من رعاية أبوية حانية على أبنائه دون تفرقة أو تمييز، ويتفانى في حبه لزوجته، ويوفر للجميع مستلزمات الحياة الضرورية (والكمالية) من دخل تجارته بالزهور.

وقد دفع هوس الأب وعشقه للزهور إلى تسمية أبنائه بأسماء ورود مختلفة؛ ولولا الحرج لغير اسمه ـ هو ذاته ـ من محمود لأحد أسماء الزهور التى يحبها، فقد دفعه حبه الغامر للزهور، أن يجعل من بيته روضة صغيرة مكتنزة بالورود والريحاين والأزهار المختلفة، فلا يكاد يخلو ركن في بيته من وجود باقة ورد جميلة، مما يبعث الحيرة في نفس الزائر لمنزله، فى مدى التفريق بينه وبين محله الذى يبيع فيه الورد لعشاقه ومحبيه.

*****

بنفسج مخطوبة لمهندس زراعي منذ سنتين، وسيتم زواجها منه بعد تخرجها من كلية الصيدلة، وهى قاب قوسين أو أدنى من تحقيق ذلك، فلا يفصلها عن يوم التخرج سوى شهور قليلة. وياسمين مخطوية ـ هى الأخرى منذ أقل من سنة ـ لمحامي ناشىء، وتنتظر زواج أختها الكبرى بفارغ الصبر، حتى يسمح أبويها بزواجها من خطيبها، على أن تكمل السنة الباقية من دراستها في كلية العلوم بعد إستقرارها في عش الزوجية.

إما نرجس التى تدرس بالسنة الأولى، في كلية الآداب، (فهى) على علاقة حب بزميل لها، اسمه نادر، يرغب في الزواج منها فور إنتهائهما من الدراسة. وسيتقدم لخطبتها خلال فترة الإجازة الصيفية القادمة.

ورغم الحب الجارف الذى تكنه نرجس لمهجة قلبها نادر، وتلهفها الجامح لذلك اليوم الذى تزف فيه إليه، ليعيشا معاً في سعادة سرمدية؛ إلا أنها كانت تعاني بشدة بالغة من دقته الموضوعية في كافة مناحى الحياة وأصعدتها المختلفة، حتى فى أشد الأمور بساطة، التى لا يحتمل معها التأويل، فتجده ـ رغم ذلك ـ ينبرى بتأويلات يعجز أذكى ثعالب الأرض أن يأتى بمثلها.

*****

في ضحى يوم من أيام الربيع، كانت نرجس تستعد لإستقبال عبير، أقرب الصديقات إلى قلبها. والتى أصبحت مع الوقت صديقة لأختيها بنفسج وياسمين، حيث لم تعد زياراتها لنرجس تأخذ صبغة الشكل الثنائي المقصور على أثنينتهن، بل أصبح اللقاء في كل زيارة يجمع أربعتهن سوياً.

ما أن شارفت عقارب الساعة الحائطية في غرفة جلوس بيت نرجس على إتمام الثواني الآخيرة من الساعة الرابعة لعصر ذلك اليوم، حتى رن جرس البيت مؤذناً بقدوم الزائرة المرتقبة. توجهت نرجس بخطى سريعة نحو باب البيت، وأدارت كوته، لتفتحه وتظهر عبير ـ من خلفه ـ بإبتسامتها الجميلة المشرقة.

وبعد تحيات السلام والترحيب والقبلات التى طبعتها نرجس على وجنات عبير، وبادلتها الصديقة الحميمة بمثلها؛ أتجهت نرجس، وصديقتها في أثرها، إلى غرفة الجلوس، حيث كان في الإنتظار بنفسج وياسمين؛ ليتكرر مشهد تبادل عبارات السلام والقبلات بين عبير من ناحية وبنفسج وياسمين من ناحية أُخرى. وما أن فرغن الشابات الصغيرات من مراسم اللقاء الحار، حتى أستقرن على مقاعد الصالون الوثيرة.

وقبل أن يطلقن العنان لأحاديثهن الخاصة، قامت ياسمين من جلستها متجهة إلى باب الصالون وأغلقته. وقالت وهى تجلس على مقعدها:

v   " هكذا يمكننا أن نتحدث بمطلق حريتنا، دون تصنت قرنفل علينا كعادته .. ههه هههه ".

 

بادرت بنفسج بفتح الحديث بمخاطبة عبير:

·       " كيف حالك يا عبير ؟ وكيف حال والدتك الآن ؟ لعل صحتها تحسنت بعد إستعمال الدواء الجديد !.

 

ردت عبير:

o       " الحمد لله .. والدتي بخير، وفي تحسن مستمر؛ فالدواء الآخير ـ بالفعل ـ أظهر فعالية في مقاومة مرضها الذى طالت فترة معاناتها منه؛ اشكركِ على إهتمامكِ ".

 

وهنا قالت الأخوات الثلاثة في صوت واحد:

v   " الحمد لله .. ".

 

سألت نرجس صديقتها بعجل ولهفة، تدل على تحفز صاحبته لمعرفة أخبار معينة، قبل أن تسبقها إحدى الآخريات بإدارة دفة الحديث لشأن آخر:

§       " حديثيني أيتها الشقية عن موضوع خطبتك لأبن عمك؛ هل قام أهله بزيارتكم لإتمام مشروع هذه الخطبة التى طال أمرها، والتى لا أظن أنها ستتم قبل حل مشكلة فلسطين .. ههه هه هاها ".

 

بعد أن ضحكت عبير، وضحك معها الجميع على المزحة التى أطلقتها نرجس، قالت مجيبة على سؤال صديقتها:

o       " للأسف، لم يقموا بالزيارة الموعودة؛ لأن والدته لديها وعكة صحية؛ أو لعلها تتظاهر بذلك ! فهى لا تريد لأبنها أن يتزوجني؛ وتُلح عليه بالزواج من أبنة أختها، ولهذا فهي تتعلل بالمرض أو بالإنشغال بأمر ما، في كل مرة يتم فيها العزم لزيارتنا من أجل إتمام خطبتي لأبنها، وذلك حتى تفوت الفرصة، أملاً في أن يُغير ابنها رأيه ويتزوج المحروسة أبنة خالته ! ".

فقالت ياسمين مستعجبة:

v   " ماهذا الهراء الأحمق ! كيف يمكن لها أن تقف أمام رغبة أبنها في الزواج من الإنسانة التى يحبها؛ أنا أعرف أن الأم تضحى بكل ما تملك من أجل سعادة أبنائها، وليس العكس ".

وعقبت بنفسج بالقول:

·       " كلامك في محله يا ياسمين، لا أعرف لماذا تتخذ أمه مثل هذا الموقف الغريب من رغبته في الزواج منك ؟ ".

فردت عبير قائلة:

o       " أنه الجهل والتخلف والأنانية والتحكم؛ فأبنة أختها فتاة متخلفة كخالتها، لا هم لها في الحياة سوى التفكير في الزواج من عادل .. حبيبي، فهى رغم علمها بأنه لا يحبها، ولا يكن لها أية مشاعر عاطفية، ويعتبرها مثل أخته، وقد صارحها عدة مرات بذلك؛ إلاّ أنها تصر بطريقة مميتة على أمر إرغامه للزواج منها، وتستعمل في ذلك سلاح أمه، التى تستخدم معها أسلوب الرشوة بكافة أنواعها؛ من التودد المبالغ فيه، وتقديم الهدايا النفيسة، إلى القيام بكافة أعمال المنزل في بيت عادل، الذى لا تبرحه وتكاد تصبح أحد أفراده الدائمين ".

وهنا قالت ياسمين:

v   " ما شكل هذه العقرب اللئيمة ؟ هل هى ذميمة ؟ أو تكسوها القباحة، مما قلل من فرصتها في إيجاد العريس المناسب ! وهذا بالتالي ما جعلها ترمى بشباكها حول عادل، بإعتباره أبن خالتها، ومن الممكن الدفع به للزواج منها بتأثير من والدته ".

ردت عبير قائلة:

o       " على العكس من ذلك تماماً، فهى مقبولة الشكل، ولم تفقد فرصتها في الزواج بعد ! فقد تقدم لها أكثر من عريس، لكنها رفضتهم لسوء حظي، حتى تنغص علي حياتي ".

فقالت نرجس:

§       " السبب واضح وجلي، مثل ضوء الشمس الساطعة، فهى مغرمة بهوى عادل، ولا تريد لنفسها عريس غيره ".

فقالت بنفسج:

·       " حتى ولو .. هذا لا يمنحها الحق في أن تخطفه من عبير بأساليب خبيثة؛ فهى لو كانت تملك ذرة من ضمير، أو حتى قليل من الكرامة وعزة النفس، لما أقدمت على ما تفعله إزاء عبير، وإزاء عادل ذاته، فهو لا يحبها، وصارحها بذلك، فلماذا تُريد أن تبنى سعادتها على شقاءه وشقاء وتعاسة حبيبته ؟ ".

وهنا قالت عبير ضاحكة:

o       " دعونا يا جماعة من حكاية خطبتي، التى لن تتم حتى تتحرر فلسطين، كما قالت نرجوسة؛ ولندع الحديث يفصح لنا عن موضوع آخر الأخبار العاطفية بين نرجس ودون جوان عصره نادر .. هههه ههاها ".

قالت ياسمين:

v   " صحيح .. ماهى آخر أخبار نادر زمانه يا نرجوسة .. ههه هههه ".

وتوقفت الشابات المتسامرات على صوت خبطات خفيفة على باب الصالون.

فقالت بنفسج بصوت عال:

·       " أدخل .. ".

وأنفتح الباب، ليطل محمود، حاملاً بين يديه صنية عليها أبريق شاي وأربعة أكواب وطبق مملوء بالحلويات المختلفة.

قال محمود وهو يتقدم نحو المائدة المنخفضة، التى تتوسط الغرفة أمام المقاعد التى تجلس عليها بناته وضيفتهن العزيزة:

§       " مرحباً يا عبير، كيف حالك وحال والديكِ ؟ ".

ردت عبير مبتسمة:

o       " هما بخير يا عمي، أشكرك ".

قال محمود وهو يتجه نحو الباب، بعد أن وضع الصنية على المائدة:

§       " أنتن الآن قد أكملتن الحلقة المفقودة، ليست في نظرية دارون بالطبع ! ولكن في عالم الزهور؛ فلدينا في بيتنا عبير، ولدينا بنفسج وياسمين ونرجس، لعل جيراننا ـ الآن ـ قد أخرجوا أنوفهم من نوافذهم ليشموا عبق عبير الورود الجميلة التى تزخر بها غرفة جلوسنا  .. هههه ".

ضحكن البنات جميعهن، وقطعت بنفسج ضحكتها وقالت لأبيها:

·       " يا سلام عليك يا بابا، خسارتك في بيع الزهور والورود، كان أحق بك أن تكون من ضمن الشعراء أو الفلاسفة الكبار .. هههه ".

وأزداد ضحك البنات، وضحك محمود معهن، وقال:

§       " لن أُبدل بيع الزهور بكل شعر وفلسفة الدنيا كلها؛ ثم أن الزهور هى روح الشعر والفلسفة والذوق الراقي الجميل ".

فقالت نرجس معلقة:

§       " صدقت يا أبي، فهاهي الزهور قد بهتت عليك بكرم كنوز روحها، فأصبحت تشعر وتتفلسف، فأين منك أيليا أبو ماضي، أو كامل الشناوي، وأين منك أفلاطون وسقراط والغزالي وغيرهم من الشعراء والفلاسفة .. ههه ".

فقال محمود ضاحكاً:

§       " أسعد الله أوقاتكن، فأنا ليس لي القدرة على مجاراتكن، فجيلكن قد حصد الشعر والفلسفة وكافة العلوم الأخرى ".

أوصد محمود الباب ورائه لينضم إلى زوجته تهاني في المطبخ ليساعدها ويتحدث معها، كما هي عادته في يوم إجازته الأسبوعية. وعادت الشابات المتسامرات إلى حديثهن السابق، بعد أن ملئت كل واحدة منهن كوبها بالشاي الذى ينضح بفيضه الأبريق.

قالت عبير:

o       " هه، حديثينا يا نرجس عن أخبارك العاطفية مع نادر، وما هي آخر تأويلاته اللولبية ".

قالت نرجس:

§       " هو صحيح لديه إفراط مزعج في حكاية دقته الموضوعية، ولكنني أحبه، وأذوب في هواه ".

فعقبت ياسمين قائلة:

v   " أنه مجنون ! لا أعرف ماذا ترين فيه حتى يشدك إليه لتحبيه. تصوري يا عبير في مرة قالت له بضعة أبيات من شعر عنترة بن شداد، التى كان يذكر فيها عبلة وهو في ساحة القتال، والتى تقول كلماتها:

لقد ذكرتك والرماح نواهل مني         وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها             لمعت كبارق ثغرك المتبسم

هل تعرفين ماذا فعل ؟ لقد عنفها على أنها تهدر وقتها في حفظ الشعر الخيالي، الذى لا يعكس صورة الواقع الملوس. وقال لها أن عنترة كاذب ومخادع، فمن المستحيل أن يذكر حبيبته وهو يقاتل الخصم، ويحاصره الموت من كل جانب، وجراحه تدمى من طعنات الرماح وضربات السيوف القاتلة؛ وأنه لا يعقل أن يعقد المرء مقارنة تشبيهية بين ثغر محبوبته وبين لمعان السيوف القاطعة في وسط ميدان القتال؛ وقال لها أن عنترة ـ هذا ـ قد ألف قصيدته بعد إنتهاء القتال، وفي داخل خيمته وهو يشرب لبن النياق البيض، وليس في ميدان القتال كما يدعي. أهذا كلام شخص عاقل يا عبير ؟ ".

 

ضحكت عبير، وقبل أن تبدى تعليقها على ما سمعت، سبقتها بنفسج بالقول:

·       " هل سمعتي يا عبير، ما قاله عندما غنت له ـ نرجس ـ في مرة أغنية فيروز (يا للا تنام ريما). أسمعي جيداً وحاولي أن تكتمي ضحككِ من هذا الأمر، إذا أستطعتي إلى ذلك سبيلاً. أنتِ تعرفين كلمات أغنية فيروز لأبنتها ريما، التى تقول فيها: ياللا تنام .. لأدبحلا طير الحمام .. روح يا حمام لا تصدق .. بضحك عا ريما تتنام .. ريما .. ريما .. الحندقه .. شعرك أشقر ومنقى … إلى آخر الأغنية. هل تعرفين ماذا قال نادر لنرجس بعد ترنمها بكلمات هذه الأغنية البسيطة ؟ ".

 

وقبل أن تكمل بنفسج كلامها، قالت لها عبير:

o       " نعم أعرف؛ لقد حدثتني نرجس عن تعليقاته في هذا الخصوص. ألم يقل لها بأن فيروز كاذبة؛ وأن كذبها في هذا المضمار، هو أقبح من ذنب الكذب الذى أرتكبته؛ فهي قد كذبت على أبنتها الصغيرة، حين وعدتها بذبح طائر الحمام (الغلبان). وقال لها بأنه ـ حتى ـ لو أوفت فيروز بوعدها الذى قطعته لأبنتها، وذبحت لها طائر الحمام المسكين، فهى من الناحية السيكولوجية قد أوقعت الرعب في قلب الصغيرة؛ فالأم في العادة توعد أبنتها بهدية لطيفة رقيقة تليق بطفولتها، كدمية، أو لعبة أو غيره، وليس بذبح الطيور وسفك الدماء البريئة؛ فهى لا تستحق أن تكون أم، الأجدر (بها) أن تكون الكونتيسة دراكولا ! ".

 

ضحكت الشابات المتسامرات من أعماق قلوبهن؛ وأسترسلت عبير موجهة كلامها لنرجس:

o       " ما الجديد يا نرجوسة في تأويلات نادر الزمان والمكان ؟ فالقديم نعرفه، فهل هناك من جديد يستحق الذكر ".

 

قالت نرجس مبتسمة:

§       " نعم، هناك ـ دائماً ـ الجديد، عندما يتعلق الأمر بنادر في هذا الشأن. وإليكن آخر صيحاته في عالم التأويل والتهويل. فقد غنيت له، عبر المسرة، في اليوم الذى سبق يوم أمس، أغنية فيروز (تعا ولا تجي .. وأكذب عليا .. الكذبة مش خطيه .. أوعدني أنو راح تيجي .. وتعا ولا تيجي). وكانت تلك هى القشة التى قصمت ظهر الحبيب نادر ! فقد أشتغلت الفهامة عنده بدرجة خمسمائة بالمائة، وأنطلقت كافة أجراس الإنذار في مخه بصفيرها المدوي، معلنة عن خطورة كلمات الأغنية التى غنيتها له. فصاح ـ يعنفني ـ غاضباً: كيف يتأتى لك أن تطلبي مني، بكلمات أغنيتك المخادعة، أن أنقض وعدي بالمجىء إليك ؟ وماذا تريدين على وجه الدقة ؟ أترغبين في أن أتى إليك، أم لا ؟ لابد أن تحددي موقفك بصراحة لا تقبل اللبس، فأنا لست لعبة بين يديك ! فأنتِ في لحظة تطلبي مني المجيء إليك، وفي ذات اللحظة تناقضي نفسك وتطلبين مني عدم المجيء ! ".

 

وهنا قالت عبير لصديقتها:

o       " مسكينة أنتِ يا نرجس ! كيف لم يعل صبرك من مثل هذا الهوس المستمر ؟ ألم يحن الوقت بعد لقطع علاقتك بهذا الأبله، وتصرفين النظر عن أمر الإرتباط به. فهو ـ حتماً ـ ليس الشخص المناسب لكِ ".

 

وعززت ياسمين من رأي عبير بقولها:

v   " أضم صوتي لصوت عبير في هذا الخصوص، فليس هناك ريب بأن هذا الشخص لا يناسبك،  وتأويلاته المهووسة لا تدل إلاّ على أنه من أصحاب الجنون، وزواجك منه سيجلب لك التعاسة، وربما الجنون أيضاً، وربما تنجبين منه أولاد مجانين مثله … هههه ههاها ".

 

فردت نرجس قائلة:

§       " مجنون أو غيره؛ أنا أحبه، ولا أتخيل حياتي بدونه .. ".

 

 

وقبل أن تتم نرجس كلامها، سمعت الشابات المتسامرات صوت عطسة أتية من خلف أحد المقاعد الشاغرة في أقصى الغرفة؛ فقامت بنفسج من جلستها لتتقصى الأمر؛ وقبل أن تصل إلى المكمن الذى أتى منه صوت العطسة، خرج قرنفل من مخبأه ـ الذى كان يتجسس منه على أخواته وصديقتهن عبير ـ مسرعاً نحو باب الغرفة، وفتحه على عجل وأنطلق يجرى إلى ردهة البيت. وكان يردد بأعلى صوته المقطع الأول من أغنية فيروز:

·       " تعا ولا تيجي .. وأكذب عليا … تعا ولا تيجي وأكذب عليا …. ".

 

وهنا وثبت نرجس من مقعدها راكضة نحو الردهة في أثر شقيقها، مهددة أياه بعقاب وخيم عندما تتمكن من الإمساك به. وأنفلتت ـ في هذه اللحظة ـ عبير وبنفسج وياسمين بالضحك العميق وهن يشاهدن منظر المطاردة المثيرة.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

حكاية صبية

 

حكاية صبية

 

  كان ياما كان في سالف العصر والآوان ..

 

كان هناك صبية .. بالجمال غنية .. وبالعقل ثرية ..

 

كانت تصغر سبعة من أخواتها الأناث ..

وكانت أجملهن، بل أنها أجمل من كل البنات ..

 

كانت تجمع فى نفسها أبهى الخصال، وأحلى الصفات ..

أحبها كل من رآها، ووله بعشق جمالها من سمع به في الحواديث المتناقلة والروايات ..

 

لكنها أعرضت عن محبيها من صغار الشبان، الذين (كانوا) يعشقونها لدرجة الممات ..

واطلقت لعقلها عنان إختيار شريك يكبرها بكثير من السنوات ..

 

وعندما حاصرتها أسئلة الناس، وضاقت ذرعاً بكثرة الإستفسارات ..

قالت: أنها إختارت فيه العقل والحكمة، فهى لا تبحث عن متعة الجسد والمسرات ..

فضحك الناس من أمرها، وقالوا لها: وهل يكون للحياة نكهة بدون هذا النوع من المتعات ..

 

وتزوجت العجوز الذى سكت قلبه فى يوم العرس، حين طبعت على خده بضعة من القبلات ..

وشمتوا الناس فيها، وعايروها لأنها لم تقبل منهم النصح الوفي والإرشادات ..

 

فضحكت مقهقهة، وقالت لهم: بأنها (الآن) قد نالت ما كانت تبتغيه، بعد أن أصبح زوجها فى عالم الأموات ..

فسألوا مستفسرين عما تقصده من هذه الألغاز والأحجيات ..

فقالت: بإن المرحوم (زوجي) كان يملك كم طائل من الثروات ..

وبموته ورثت (عنه)  من المال ما يجعلني أغنى الثريات ..

 

وعقبت قائلة لمعييريها: سوف أتزوج (الآن) من ترغبه نفسي، وأنعم معه بما لذ من طيبات ..

ورفعت (لهم) حواجبها، إمعاناً في قهرهم، وإيغالاً في إشعال قلوبهم بنار الغيظ والحسرات ..

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

حكاية صبي وصبية

 

حكاية صبي وصبية

 

كان يا ما كان فى سالف العصر والآوان ..

 

كان هناك صبية .. جميلة وذكية .. بالعز مكسية ..

 

وكانت هناك مدينة، بالهم حزينة .. وبالغم عليلة ..

يقطنها صبياً، أحزانه كثيرة وأفراحه قليلة ..

ضاقت نفسه بحزنه، وضاق صدره بأنين أوجاعه القريرة ..

فقد تألب الزمن عليه بعلقم مرارة سنينه الكثيرة ..

 

وكانت هناك بحيرة مبددة للحيرة ..

يتجمع الأحبة على ضفاف مياهها المثيرة ..

ويغسل  أصحاب " البؤس " بمائها أحزانهم المريرة ..

 

وكانت مدينة صبيتنا الجميلة، مدينة أصيلة ..

يسودها الحب والسرور، ويشح فيها الحزن، وتنعدم فى حناياها الرذيلة ..

وكان، سحر جمال صبيتنا، هو سر بهاء تلك المدينة ..

 

وكان حزن ذاك الصبى وراء حزن مدينته السقيمة ..

فنصحه ناسها، بعد أن عيل صبرهم، أن يذهب لتلك البحيرة السحرية ..

لعله يجد فيها الشفاء لأحزانهم ـ وأحزانه ـ المروية ..

ولعله تنقشع عنه ـ وعنهم ـ غمامة بؤس الأكدار المأسوية ..

 

فعقد الصبي ـ من ثمة ـ عزمه على تلبية رغبتهم السامية ..

فتوجه في ـ ذات ـ يومٍ  للبحيرة السحرية ..

 

وفى نفس ذلك اليوم، ذهبت " صبيتنا " بدورها للبحيرة المعنية ..

لتنعم بصفاء مائها العذب ونتراته النقية ..

فالتقت صبينا الحزين على ضفتها الساجية ..

 

أنبهر الصبي المكلوم بطلعتها البهية ..

ونسى برؤية حسنها أحزانه المزرية ..

 

أحبها، وهام بحبها، بنظرة وقتية ..

ولحسن حظه، أنها بادلته مشاعره العاطفية ..

 

فتبدد حزن قلبه فى لحظة فورية ..

وعم الفرح نفسه بسعادة أبدية ..

 

وسرت الفرحة ـ تباعاً ـ بين أهل مدينته المبلية ..

فتلاشى حزنهم فى ومضة ضوئية ..

لتغدو أحزانهم من توها " بالية " مطوية ..

 

وعرف صبينا فى حينه، ان سر فرحه لم يكن يكمن فى البحيرة الخيالية ..

بل كان ـ دائماً وأبداً ـ فى حبه (لتلك) الصبية الجميلة، صاحبة الروح الملائكية ..

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

البحث عن الحب

فرج الفاخري

مدخل لكتابات الحب

 

البحث عن الحب 

إننا جميعاً نتاج ظاهرة واحدة، نحن والأسماك والخنازير والقواقع والعشب والبيض أيضاً ..

والمرء يتوقع أن يجد فى ثقافات الشعوب كل ما يحتاج من الأدلة على هذه الحقيقة، يجد علماً

محدداً لدراستها، منهجاً خاصاً بها، شيئاً يستطيع أن يدعوه بكلمتين ثقافة الإخصاب أو ثقافة

الجنس. فالرجل البدائي لم يخلق هذه الثقافة، ولم يعتبر دراستها علماً حقيقياً إلاّ بعد سبعة

آلاف وثمانمائة سنة من اختراع الكتابة، ولم يكف عن محاولة إخفائها فى الظلام قط. بل إن

المرء فى بعض دول العالم يستطيع أن يذهب إلى السجن بسبب مقال صريح عن الجنس.

الصادق النيهوم

ـ من مقالة: الحياة ظاهرة إخصاب ـ

  

 

  إن السلوك النفسي يقوم فى أساسه على نزعات عدة، تتحكم فى مشاعر أفراد البشرية من جانب، وتسيطر ـ من الجانب الآخر ـ على تصرفاتهم تجاه الغير. ويُعد الحب أحد (هذه) النزعات التى تكتنف مشاعرها النفس البشرية، فتؤثر فى وجدانها، كما تتأثر بها كافة الأنفس التى تقع فى محيطها.

 

وفى هذا السياق، فإن الإنسان لا يستطع العيش دون وجود الحب بين نوازع مشاعر نفسه المتفرقة. ولهذا، فقد زرع الله الحب فى فؤاده، مثلما زرع ـ فى أغوار نفسه ـ نزعات مختلفة أخرى، يتراوح نطاقها بين دربي الخير والشر، لتكون الأدوات النفسية التى تقوده إلى واقع مصيره المقبل فى العالم الآخر، وذلك من خلال صراع الموازنة النفسية والعقلية التى يخوضها فى عالمه الأول.

 

ورغم أن نزعة الحب، تتراءى لناظرها، محدودة المعنى فى إطار مصطلحها اللغوي السطحي، إلاّ أنها ـ فى حقيقة نطاق معانيها الكامنة ـ تُعد شاملة لعدة مفاهيم مختلفة، حيث يمكن لنا أن نجد الحب فى أحد صوره، يتمثل فى الحب العاطفي (الغرام)، والذى ينقسم بدوره إلى حب عذري، وحب جسدي؛ أو أن يكون فى صورة حب أسري (كحب الأباء والأبناء، والأخوة والأخوات .. إلخ)؛ أو أن يكون فى صورة حب روحي (ديني)، كحب الله، وحب الأنبياء والرسل، وحب العقيدة؛ أو أن يكون حب عقلي وفكري، كحب العلم والمعرفة؛ وهلم جراً.

 

سوف أكتب للقارىء من خلال هذا الموقع الشخصي، عن بعض صور تقلبات الإنسان بين أصناف وأنواع الحب، فى أثناء بحثه الدءُوبُ عن النوع الذى يتلائم وسريرة نفسه. وسيكون ذلك من خلال إتباع النهج الروائي، عبر سلسلة من حكايات الحب وقصصه المتنوعة، التى تم إقتباس بعضها من واقع الحياة، وتم نسج بعضها الآخر من عالم الخيال؛ وسوف تتبنى بعض هذه القصص والحكايات الشكل الهزلي الساخر فى تارة، وتأخذ أُخرى الطابع الجاد فى تارة ثانية.

 

وستكون البداية مع القصص والحكايات التالية:

 

·       حكاية المدموزيل.

·      رابحة.

·     حكاية المعلم.

·       سهى والمهندس.

 

وستتبعها بعد ذلك قصص وحكايات أخرى، من كافة أنواع وأصناف الحب المختلفة، منها:

 

·        الحب فى زمن بوعقلين.

·        خيرية.

·        معلومة الاسم.

·        فطيمة.

·        مريم .. ومريم الأخرى.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

رابحة

 

 

فى زمن البراءة والصدق، زمن الطفولة والصبا،

وقعت أحداث هذه القصة لصبي صغير كان يتحسس طريقه للحب.

 

 

كانت ثقافة الحب لأطفال ذلك الزمان تأتى بالدرجة الأولى من أفلام السينما التى أزدهرت تجارتها بينهم وبين معظم أفراد مجتمع مدينة بنغازي، فقد كانت صناعة السينما بمثابة نافذة يُطل من خلالها أبناء جيل الستينات من القرن المنصرم على العالم بأسره.

 

حيث كانوا مبهورين بصخب الحياة الغربية المثالية، أو هكذا كان يخيل لهم من خلال رؤيتهم المتعطشة لمعرفة هذا الجديد الذى كانت تقدمه لهم شاشات عرض دور السينما، فعمت عقول الصغار ـ وربما الكبار أيضاً ـ فى ذلك الوقت، فكرة مفادها بأن المجتمعات الغربية قد تبؤت مكانة حضارية راقية ومثالية، وأنعكس ذلك فى سلوك الإقتداء بهذا الغرب فى بعض مظاهره السطحية، خاصة فى الملبس والسلوك الغرامي.

 

وقد أثرت رومانسية السينما الغربية وأيضاً المصرية ـ التى كانت هى الأخرى متأثرة إلى حد كبير بالسينما الغربية ـ فى كثير من أبناء ذلك الجيل الحالم. هذا بالإضافة إلى إنتشار الرغبة الجامحة بين الكثير منهم فى الإقبال على كنوز الأدب، سواء العربي منه أو المترجم عن الأدب العالمي، والذى كان له أثره البالغ فى تكوين ثقافتهم الفكرية والعاطفية.

 

فقد كانت المطالعة فى ذلك الزمان هى أحد جوانب بناء الشخصية الفكرية، وهى أيضاً إحدى وسائل الترفيه العقلي فى مجتمع أبتدأ لتوه أولى خطواته نحو بناء مجتمعه الإنساني. وهذه كانت فضيلة، حُرم منها لعدة عوامل ـ ليس هنا مجال الحديث عنها ـ أبناء الأجيال الحاضرة التى قاطعت غذاء الفكر والعقل، بنوئها عن الكتاب واتجاهها نحو بدائل ممسوخة الكيان وضحلة العطاء.

 

لم يكد صبينا هذا يبلغ من العمر اثنى عشر عاماً حتى ـ كان قد ـ أحب عشرات الممثلات فى الأفلام التى شاهدها، وتمنى كثيراً أن يكون هو (البطل) الحبيب لنجماته المفضلات. ويقول علماء النفس فى هذا الصدد بأن الإنسان يعرف حب الجنس الآخر منذ سن السادسة، ولكن بالطبع ليس بالمفهوم الكامل للحب بغرائزه الجسدية.

 

أحب صبينا ممثلات السينما فى ذلك الزمان ـ كما سلف الذكر ـ ليكتشف بعد برهة أن هذا الحب لا يتعدى أن يكون خيال حبيس فى داخل حدود عقله الصغير، وإن هذا الخيال ليس له صلة بالواقع البتة. ومن هنا كان لابد له من أن يبحث عن حب يربطه بالواقع المعاش، فوجد نفسه يحب رابحة التى تسكن فى أحد الشوارع القريبة من بيته، والتى حدثه عنها صديق له أستلم ـ لتوه ـ منها رسالة غرامية.

 

قرأ عليه صديقه فحوى الرسالة الغرامية الملتهبة التى أرسلتها له رابحة، فلم يصدق صبينا ماجاء فى هذه الرسالة حتى سمح له صديقه بقراءتها بنفسه.

 

·        " يا للهول ! ". قال صبينا لنفسه.

 

فقد بدأت رابحة رسالتها بكلمة حبيبي، إنه لم ير أو يسمع قط هذه الكلمة ـ التى كانت دائماً تهز وجدانه وتثير أشجانه ـ إلا فى الأفلام وروايات الحب والغرام، وهاهو يرآها بأم عينه مسطرة بخط رابحة لهذا الصديق المحظوظ ".

 

وأنغمس صبينا بكل حواسه فى قراءة الرسالة التى كتبتها رابحة لصديقه:

 

حبيبي منصور

أحبك مثل ما تحب عنزتنا تيسنا ..

وأحبك كما تحب عبلة عنترة ..

وكما يحب الرضيع ثدى أمه ..

وأحبك كما يحب غوار الطوشي فطوم حيص بيص ..

وكما تحب القنطشة الجبن ..

 

حبيبي أنصورة ..

إني مشتاقة لك كما يشتاق الزرع إلى الماء ..

والمريض للشفاء ..

وكما يشتاق الجيعان لسندويتشات الخبزة والتن متاع سيدي شرشر ..

وكما يحتاج العصبان للدوارة ..

وكما يحتاج العطشان لشيشة بيبسي مسقعة ..

لقد أشتقت إليك كما يشتاق النعسان للنوم ..

 

حبيبتك المخلصة حتى الموت

رابحة

 

 

·        " يالها من رسالة رائعة ". قال صبينا الذى أشتعلت فى قلبه الغيرة من صديقه.

 

فقال منصور بحبور:

o       " نعم، إنها رسالة جميلة ".

 

سأل صبينا صديقه:

·        " كيف تعرفت على رابحة هذه يا منصور ؟. أعنى كيف تحدثتم أول مرة، أعنى كيف تم هذا التعارف ".

 

فقال منصور:

o       " بسيطة، حدثني عنها جمعة وعلي وطارق ومحسن، فقد أرسلت لكل واحد منهم رسالة مثل هذه ".

 

فقال صبينا وقد أعترته الحيرة:

·        " كيف ؟ أليست هى حبيبتك أنت ؟ لماذا بعثت برسائل غرامية لكل هؤلاء ؟".

 

فقال منصور بعدم مبالاة:

o       " بسيطة، بدأت الحكاية مع طارق، الذى رآها وهى تسكب جردل من الماء فى الشارع، أبتسمت له، فبادلها الإبتسام، سألته عن أسمه، فأخبرها به، فسألته أن يعود إليها بعد نصف ساعة، ثم دخلت بيتها، وبعد نصف ساعة فتحت باب البيت وأشارت له بأن يقترب منها، وما أن فعل حتى سلمته ورقة مطوية، وأوصدت الباب. وعندما قرأها طارق وجدها رسالة حب مثل هذه التى بين يديك. والبقية متشابهة فى الأحداث، فقد تكرر ذلك مع علي ومحسن وجمعة وعمران ثم معي آخيراً ".

 

وأحس صبينا بالحنق الشديد، فقد خالف هذا النسق كل ما قرأه فى الروايات ورآه فى الأفلام عن الحب. فقال لصديقه بحزن:

·        " ولكن هذا ليس حب، إنه .. إنه، لا أعرف ؟ كيف يمكن لإمرء أن يحب أكثر من شخص، هذا هراء ".

 

ولم ينم صبينا فى الليلة التى أعقبت ذلك اليوم، ولم تغمض أجفانه فيها، فقد ظل ساهراً حتى شقشقت الطيور معلنة عن شروق صباح اليوم الجديد، فقام من سريره على عجل ولبس ثيابه، وغسل وجهه، ومشط شعره بعد أن أغرقه بالزيت، وهرع إلى حيث تسكن رابحة، وأخذ يذرع شارعها جيئة وذهاباً، حتى رآى باب بيتها يفتح، ورآها من ورائه بفستانها المزركش ووشائحها الأحمر الذى يغطى مؤخرة شعر رأسها.

 

أبتسمت رابحة لصبينا عندما رآته، وأشارت له بالتقدم منها، وما أن أبتدأ يخطو فى مشيه نحوها حتى بدأ قلبه يدق بصوت عال، ويزداد فى ضرباته بسرعة تدعو إلى القلق، وخُيل إليه فى لحظة أن جميع سكان ذلك الشارع يستمعون لدقات قلبه المتسارعة من وراء جدران بيوتهم.

 

بادرت رابحة صبينا بالقول:

§        " ما أسمك ؟ ".

 

فأجاب صبينا بنبرة مرتعشة:

·        " رجب ".

 

فقالت له مبتسمة:

§        " حسناً يا رجب، مر علي بعد نصف ساعة ".

 

ولم يصدق صبينا نفسه، ها هو قاب قوسين أو أدنى من إستلام أول رسالة غرامية فى حياته. فلن يطل إنتظاره حتى يكون قد حصل على ضالته المنشودة، فما هى إلا نصف ساعة من الزمان ويتحقق له مبتغاه الذى طالما حلم به.

 

لكنه لم يتوقع أن تكون تلك النصف ساعة من أطول الأوقات التى مرت به فى حياته قاطبة، فقد كانت الدقائق تمضى متثاقلة، بحيث خُيل له معها بأن عقارب الوقت لا تتحرك من موضعها، وأحس وكأن تلك النصف ساعة قد تحولت لدهر بأكمله.

 

وبعد فترة قلق رهيب، مضى الوقت المقرر، وأصبحت المسافة بينه وبين رسالة حبيبته مسألة ثواني أو بعضها. وفجأة، حانت اللحظة الحاسمة، وأنفتح باب بيت حبيبته، وأطلت رابحة من خلف الباب بإبتسامة تشبه إبتسامة سامية جمال التى أطلقتها لفريد الأطرش فى فيلم أنت حبيبي.

 

وما أن جاءت الإيماءة المنتظرة من رابحة لصبينا بالإقتراب منها، حتى سارع الآخير راكضاً نحوها، ليجد نفسه فى لمحة من البصر يمثل أمامها، فناولته الرسالة الموعودة، التى طال إنتظاره لها، فخطفها صبينا من يدها وهرول مسرعاً إلى بيته، وإلى حجرته، ليغلق الباب دونه، ويفتح الرسالة، ويهيم بما أحتوت من عذب الكلام، أو هذا ما كان يتصوره فى تلك اللحظات من ذلك الزمان المخملي.

 

ورغم أنه سبق له قراءة نسخة مطابقة لهذه الرسالة التى لم يتغير فى كلماتها المنقولة، سوى وجود أسمه عليها فى البداية بدل أسم صديقه منصور، لكنه مع ذلك أغتبط ولم تسعه الفرحة وهو يكرر عباراتها:

 

حبيبي رجب ..

أحبك كما تحب عنزتنا تيسنا ..

 

….. ….. ….. …

 

حبيبي أرجوبة ..

لقد أشتقت إليك كما يشتاق النعسان للنوم ..

 

حبيبتك المخلصة حتى الموت

رابحة

 

 

·        " آه ما أجملها رسالة ". قال صبينا بقلب غارق فى بحر الغرام.

 

*****

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

حكاية المعلم

 

حكاية المعلم

المشهد الأول ـ المعلم وسونيا

 

 

q       المعلم: يا خرابى ع الجمال اللى يلطش العقل، يا أرض أحفظى ما عليكى.

 

·        سونيا حلبسة: عيب يا معلم، ده أنا أد عيالك.

 

q       المعلم: يا بت يا هبلة عيال أيه وبتاع أيه، دي المسائل لما توصل للحب يبقى مافيهاش كبير وصغير، طب أيه رأيك أن الكبير بيبقى أحسن من الصوغيرين، ده يا بت زى ما بيقولو الدهن فى العتاقى، والراجل ما يعبهوش حاجة إلا جيبو، وأنا من الناحية دي ح أهننك ونزنزك عل الآخر، بس أنتى طوعينى وحتكسبى البريمو، قلتى أيه.

 

·        سونيا حلبسة: قلت لا إله إلا الله، يفتح الله يا معلم، ليه هو أنا أطسيت فى نظرى، والا يعنى قالولك أنى أطسيت فى نظرى.

 

q       المعلم : سلامة نظرك، وسلامة عينيكى القتالة دول، أموت أنا فى المهلبية.

 

·        سونيا حلبسة : أهيهههههههيي، ما كانش يتعز يا معلم، ما عندناش مهلبية، خولص .. خلاص .. بحه.

 

q       المعلم : طب عندكم رز بلبن، أهو حلو وطرى عل القلب، أصل حاكم أنا بموت فى الحاجات اللى تطرى القلب، آه يا قلبى.

 

·        سونيا حلبسة : سلامة قلبك يا معلم، عايز زقة .. أههههههههههههييي.

 

q       المعلم : يا وعدى على الضحكة اللى تودى اللومان. ما تكبرى عقلك وخلينا نتلم على بعض، وأنا ح نغنغك عل الآخر، وأبسطك أخر إنبساط، بس أنتِ وافقى وح تشوفى العز وأكل الوز.

 

·        سونيا حلبسة: بشرط.

 

q       المعلم : أُومرى وأنا أنفز، دهب .. الماز .. ياقوت .. اللى أنتى عايزه، أنا وما أملك تحت أمرك.

 

·        سونيا حلبسة : لا، يا خويا، فلوسك دي ح أخودها كده .. والا كده، بس شرطي اللى أنا عايزاك تنفزهولي هو انك تطلق الولية القرشانة مراتك.

 

q       المعلم : تقصدى بهانة، لا يا سونيا، دى أم العيال، وبعدين دى متحالة عالمعاش من زمان، ما عدتش طايل منها لا أبيض ولا أسود، وشها يقرف ويجيب الغم والهم، أعوز بالله، أهى خليها فى بيتها كافية خيرها شرها، وتربى العيال.

 

·        سونيا حلبسة : يا خراشي من الكلام اللي يعل القلب، تربى مين يا معلم ؟ دول العيال بسلامتهم رجالة، والبنات أتجوزو وشبعوا جواز.

 

q       المعلم : طيب، وأنتى أيه اللى مدايك منها، ماهى متلقحة فى بيتها لا بتهش ولا بتنش، عاملة زى أمبوبة البوتغاز الفاضية.

 

·       سونيا حلبسة : لا، يا معلم أنا ماتجوزش على دُرة، أنا زى الفريك، ما أحبش شريك، واللى أولو شرط أخرو نور، تطلق القرشانة نتجوز على سنة الله ورسولو، مش عايز يبقى يا دار ما دخلك شر، أهو أنا فى حالى وأنت فى حالك، قلت أيه يا معلم.

 

q       المعلم : قلت لا إله الا الله، طيب علشان لهطة القشطة دى أطلق أبوها كمان.

 

*****

 

المشهد الثاني ـ المعلم وبهانة

 

q       المعلم: مساء الخير يا ست الكل.

 

·        بهانة (زوجة المعلم): يسعد مساك يا سيد الرجالة، حمد الله على السلامة ياخويا، ده أنا جهزتلك المية السخنة بالملح عشان تحط رجليك فيها، تلاقيك يا عنيه تعبان، ما أنت يا عينى بتشقى طول اليوم، يا عيني عليك يا كبدي من الصبح لحد آخر النهار فى الوكالة، ربنا يسترها معاك يا سيد المعلمين كلهم.

 

q       المعلم: ربنا يخليكى ويسعدك يا بهانة، شوفى أنا جبتلك أيه، هدية حلوة تستاهل جمالك اللى ما وردش على حد.

[يخرج المعلم من جيب جلبابه علبة مصوغات من القطيفة الحمراء، ويقدمها إلى بهانة]

 

·        بهانة: هديه أيه يا سيد المعلمين، ده خيرك مغرقنى، أنا مش محتاجه أيتوها حاجه، أنت كثر خيرك مش منقصنى حاجة ولا مخلينى أعوز حاجه، ده أنا مش عايزه من الدنيا دي إلاّ دخلتك عليا يا سيد المعلمين.

 

q       المعلم : لا يا بهانه، ده أنتِ تستاهلى كل الخير يا وش الخير، فاكرة ده أنا من أول ما أتجوزتك وطاقة القدر أتفتحتلي، والدنيا أدتنى بوشها الحلو، وأدينى بقيت أكبر معلمين النحاس فى شبرا البلد بحالها.

 

·        بهانة : يوه يا معلم، أنت لسة فاكر، دى أيام ما خلاص أحنا دفنها، وماعادش تعود بإذن ربنا المعبود، دعوة ولية فى ساعة مغربية.

 

q       المعلم : طلعي الغوايش من العلبة يا وش السعد وحطيهم على درعاتك المربربة دى خليها تلعلط بنور الدهب.

 

·        بهانة : والله مالو لازمة، بس كلفت نفسك يا معلم، ده الدهب عندى بالكوم ح البسو فين يا حسرة، ما هو أيام الشبرقة راحت يامعلم.

 

q       المعلم : فشر، مين اللى قال كده، ده أنتى بهانة مالكة الجمال كولهو، ده أجدعها ست فى مصر ما تتقلش بظرفك.

 

·        بهانة : الله يا معلم، ما بلاش، ما تكسفنيش بقه، روح ربنا يكرمك ويجبر بخاطرك، خلاص ربنا يحسن الخاتمة، هو أحنا حا ناخد زمنا وزمن غيرنا، البركة بقه فى العيال، ربنا يفرحك بيهم، إلا حقه يا سيد المعلمين أنت مش ناوى تجوزهم زى ما جوزت أخواتهم البنات والا أيه.

 

q       المعلم : مش لما أتجوز أنا الأول.

 

·        بهانة : يقطعك يا معلم، الله يجازى أشطانك، ده أنت دايماً كده بتحب الهزار حتى فى ساعة الجد، ياخويا دول عيالك كبروا وحقهم يتأهلو بقه، لأحسن يمشو فى الغلط والسكة البطالة، والا تغويهم واحدة من أياهم.

 

q       المعلم: أنا باتكلم جد ياست الكل، أنا ناوي أتجوز.

 

·        بهانة: ما تبطل هزار يا معلم، لأحسن الفار أبتدأ يلعب فى عبي.

 

q       المعلم: هزار أيه، أنا بجد ناويت على الجواز، ما أنتى عارفة الراجل مننا ليه متطلباتو فى الذى منو، وأنتى ربنا يديلك طولة العمر بقه ما عدتيش زى زمان، الرومازيزم عمال بينهش فى جثتك، والبتاع اللى بيدوس على دمك ده ..

 

·        بهانة: اسمو ضغط الدم يا خويا.

 

q       المعلم: وأنا والحمد لله، واسم النبى حارسنى، زى ما أنتى شايفة لسه بعافيتى، أتقولش هو شوية الفتق والزمكة اللى بتنقح عليا مرة مرة، وده كلو مقدور عليه، لكن فى المسائل التانيه لسه صاغ سليم وحياتك، ولازمنى واحدة تراعيني، مش كده والا آيه.

 

·        بهانة: ده باينك بتتكلم جد يا معلم، الحكاية يعنى مش هزار.

 

q       المعلم: جد الجد كمان.

 

·        بهانة: ومين بنت أبوها دى اللى ناوى تتجوزها يا معلم.

 

q       المعلم: البت سونيا حلبسة، بنت حلال وغلبانة وأهو أكسب فيها وفى أهلها ثواب، أنشلهم من الغلب اللى همه فيه.

 

·        بهانة: لا والله فيك الخير يا معلم، بقه ياراجل يا دون، يا واطى، يا عرة الرجالة، يا شايب ياعايب، بعد العشرة دى كلها وبعد ما بقالك أحفاد، جاي تقول عايز تتجوز، بطلو ده وأسمعو ده. ده أنا من الصبح قاعدة بسمعك وفاكرة انك بتهزر، أتريك بتتكلم بجد وعايز تتجوز مفعوصة الرقبة اللى ما تتسماش، بنت زيزى هشك بشك، ما هو على رأي المثل أقلب الجرة على فمها تطلع البنت لأمها، طبعاً ماهى أمها طول عمرها خطافة رجالة، مش أتجوزت سعيد السروجى من على مراتو الست الطيبة خدوجه الهنتوش، ولما ربنا افتكروا وغار فى ستين داهية، خطفت خليل أبو شامه من على مراتو زينب المدب، ما هى متعودة، مش كانت تشتغل فى الكرخانات وترقص للرجالة وتعمل البطال قبل ما تيجى لحارتنا وتعيش فيها وادور على رجالتها، وأهى بنتها ماشية فى نفس سكة أمها، بس آيه، ده بعدهم .. وألف بعدهم، ده أنا لا زى خدوجه الهنتوش ولا زى زينب المدب، ده أنا بهانه والآجل على الله، مش أنا اللى أتاخد لحم واترمى عظم، ده أنا حا أوريك شغلك يا أبن هنونة الغسالة، والا أنت نسيت أصلك يا دون يا أبن الحيزبون، ده لولا أبويا اللى نطقك وأدالك من مالو، ونشلك من بيع الروبابكيا  كان زمانك مرمى جنب حيطة بتشخ عليك الكلاب  يا واطى.

 

q       المعلم: الله ، الله ، أيه ده يا بهانه، عيب كده، ده ما يصحش الكلام الشلق ده، ده أنا المعلم زينهم أكبر معلمين النحاس ..

 

·        بهانة: معلم أيه يا كروديا، أتكونش صدقت أنك معلم بحق وحقيق، الكلام ده تروح تقولو على القهوة للناس اللى ما يعرفوكش على حقيقتك ويعرفو أصلك الواطى، ده أنا خابزاك على أيديا دول من أيام ما كُنت تسرح فى الشوارع وتزق عربية الروبابيكيا وتجعر بأعلى صوتك "روبابيكييييييييا"، والا أنت ناسى يا سي شيء لله معلم، لكن أنا حا أوريك يا أبن بسلامتها هنونة الغسالة، ولا أنت ناسى أن أمك كانت بتسرح على البيوت عشان تغسل الهدوم بشلن وتعريفة.

 

q       المعلم: ما بلاش سيرة أمى بقه، عيب كده يا بهانه، هو أنا غلطت والا يعنى غلطت، أنا كل اللى قولتو أنى عايز أتجوز بالحلال، يعنى غلطت فى البخارى يا خي، ماهو كل الناس بتتجوز على سنة الله ورسولو، وبعدين الشرع محلل أربعة، يعنى أنا ما جبتش حاجة من عندي، إذا كان ربنا بنفسو بيقول مثنى وثلاثة وأربعة، يعنى أنا ح أفهم أحسن من ربنا، لا حول الله يا رب على ده ظُلم، ليه لازمة الغلط والكلام اللى يسم البدن ده.

 

·        بهانة: سم لما يهرى مصارينك يا أبن الغسالة، وربنا المعبود لو جبت الكلام ده على لسانك مرة تانية لأنا مرجعاك زى ما كنت، تسرح فى الشوارع بالروبابيكيا يا بتاع الروبابيكيا، أنت ناسى أن أنا برضو كنت عارفة أن صاحب الأصل الواطى بيرجع لأصلو وزى المثل ما بيقول " كسكسكلو يرجع لأصلو "، وعشان كده عملت حسابى وكتبت كل حاجة بأسمى حتى البيت اللى أنت قاعد فيه ده مكتوب باسمى، وأنت ماليكش إلا الهدوم اللى على جثتك المنحسة دي.

 

q       المعلم: خلاص يا بهانة فُضيها سيرة، ويا دار ما دخلك شر، يلعن أبو الجواز، ويلعن سلسافيل سونيا حلبيسه، هو فيه فى الدنيا أحلى منك يا جميل، ما تيجيبي بوسة.

 

·        بهانة (ضاحكة): لما تشوف حلمة ودنك يا بعيد، أما صحيح صنف يخاف ما يختشيش.

 

*****

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

سهى والمهندس

 

 

سهى والمهندس

    

فى بيروت، تلك المدينة الغارقة فى المتناقضات، كانت تعيش سهى، وهى إمرأة يرغمك جمالها على الإعجاب بها، وإذا أطلت النظر إليها، يرغمك هذا الجمال على الوقوع فى براثن حبها.

 

كانت سهى متزوجة من مهندس يكبرها بتسع وثلاثون سنة، وهى التى لم يتجاوز عمرها ثلاث وعشرون عاماً بعد.

 

لم يخلق فارق السن الشاسع بين سهى وزوجها هوة عاطفية وفكرية فحسب، بل أنه خلق هوة جنسية سحيقة الغور، وقد زاد من حدتها وعمقها إصابة زوجها بعد سنة من زواجهما بعنة لم يكن بقادر معها على إداء وظيفته الجنسية، أي انه لم يكن فى إستطاعته تلبية متطلبات زوجته الجسدية.

 

وكان الحل الأمثل فى مثل هذه الحالة من الزواج غير المتكافء والشاذ عن المألوف، هو الإنفصال الذى كانت تعاليم كنيستهما الأرثوذكسية تحرمه من ناحية، وكانت ظروف فقر سهى وأسرتها تنبذه من ناحية أُخرى.

 

فلقد كان السبب فى قبول سهى ـ منذ البداية ـ بالزواج من مهندسها البالغ الثراء رغم عمره غير المتناسب مع سنها، هو الفقر الذى كانت تعانى وأسرتها الكبيرة من ويلاته، فقد كان هذا الزواج ـ بالنسبة لها ـ بمثابة مشروع إستثماري تسعى من ورائه إلى الخروج من شرنقة الفقر الذى ترزح وأسرتها تحت نير رحى طاحونته الضارية.

 

طمئنت سهى زوجها ـ بعد توقف فعاليته الجنسية ـ بإنها راضية بالعيش معه بدون ممارسة للجنس أو سواه، فهى متنازلة عن هذا الجانب الغريزي فى سياق حياتهما معاً، وقالت له بأنه يمكن لهما تعويض الجانب الجنسي بمتع أخرى تكتنفها أوجه الحياة المختلفة، ويكون للمال قدرة على تطويعها لهما.

 

وكانت هذه مغالطة لم يكن للزوج المحنك أن يقبلها، فقد كان يعرف بأنه عاجلاً أو آجلاً سوف تتغلب الغريزة الجنسية فى كيان زوجته الشابة على عزيمة صبرها. ولكنه فى نفس الوقت لم يكن يريد أن ينفصل عن هذه القطعة السحرية الباهرة الجمال، والتى كان يكفيه منها أن يتطلع إلى جمال سحرها الباهر فى كل وقت يريد.

 

ولم تأخذ هذه المعضلة من هذا المهندس وقت طويل للوصول فيها إلى قرار أحال به نفسه إلى ديوث، لا يبالى بأن تنام زوجته مع الرجال الآخرين، شريطة أن يكون ذلك بعلمه.

 

فدار بينهما ـ فى هذا الإطار ـ الحوار التالي:

 

·        سهى: حبيبي .. بدي طمنك، مافى لزمه للقلق اللي امسيطر عليك. أنا حبيبي ما يهمنى الجنس بالمرة. بناقص جنس .. بلاه، فى أشياء كثير حلوة بهالحياة ممكن نستمتع بيها، بنشكر الله أنو أعطانا مصاري كثيره تساعدنا على هيك شغلهِ.

 

o       المهندس: حبيبتي .. ما بيصير، هيدا الحكى ممكن نقراه بروايات ونشوفو بالسينما، بس بالواقع ما بيصير، ومو محرز بالمرة. هلا ما فى قدامنا إلا حلين، الأول ننفصل عن بعض ..

 

·        سهى: أعوز بالله، تف من تمك، شر بره وبعيد، شو ها الحكى حبيبي، أنا والله ما بفرط فيك بالدنيا كُلها.

 

o       المهندس: وأنا كمان حبيبتي ما بقدر على بعدك ولو ثانيه، خلاص دشرينا من حكاية الإنفصال هيدي. وهيك ما بقى معنا غير الحل الثانى، لو فيكى تقبلى بيه ؟.

 

 

·        سهى: حبيبي .. أنا بقبل بأي شىء يخليني أعيش معك طول العمر.

 

o       المهندس: شو رايك لو تتصرفى منك إلك ؟!.

 

·        سهى: شو بتقصد ؟.

 

o       المهندس: قصدي تناميلك مع غيري، بس هونيك شرط واحد.

 

·        سهى (مبتسمة): أُومر حبيبي، أطلب عيوني.

 

o       المهندس: لا تنامى مع حدا إلا بعلمي .. هه، وحياة ربى فى سماه بزعل كثير حبيبتي لو نمتى مع حدا من غير ما تعطيني خبر.

 

·        سهى: ولو .. تكرم عينك حبيبي، اللي بدك ياه راح أيصير، أتكل عا الله، ما فى جنس أزعر من هأرجال ينام معي إلا ما يكون عندك خبر.

 

o       المهندس: والنسوان كمان .. هه.

 

·        سهى (ضاحكة): تكرم عينك.

 

وياله من زواج !.

 

*****

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

حكاية المدموزيل

فرج الفاخري

كتابات في الحب

 

حكاية المدموزيل

 

q       يا مدموزيل .. لو سمحتى يا مدموزيل، من فضلك.

 

·        حضرتك بتكلمنى ؟.

 

q       أيوه.

 

·        حضرتك عايز أيه.

 

q      هو أصل .. عندى سؤال محيرني.

 

·       يخصنى !.

 

q       أيوه.

 

·        أتفضل أسأل.

 

q       هو حضرتك حلوة أوي كده ليه ؟.

 

·        أيه ده يا أفندي، حاسب على كلامك، هو أنت بتعاكسنى والا أيه، أنا بنت محترمة، مش من أياهم، روح من هنا وإلا حافرج عليك الناس.

 

q    لا يا أفندم، ماتفهمينيش غلط، ده أنا مش بعاكس ولا حاجة، كل ما فى الأمر أنو لفت نظري جمالك الباهر، أصل أنتى ما شاء الله عليكِ، ويجعل عيني عليكِ باردة، زي فلقة القمر.

 

·       مرسي. بس برضو حافظ على ملافظك، هو أنا أعرفك منين عشان تقولي الكلام ده.

 

q       أنا أسف يا أفندم، ده أنا ـ والله ـ قصدى شريف. أنا بس كُنت عايز أقول هو المدموزيل متجوزة والا .. لا.

 

·       أزاي أكون مدموزيل ومتجوزة يا لوح.

 

q       الله كلمة لوح طالعة من بُقك زي الشهد.

 

·        طيب يا أسمك أيه، عايز حاجة تانية.

 

q       محسوبك عطوة .. عطوة عطية أبو المعاطي.

 

·        طيب يا أستاذ عطوة، عندك أي أسئلة تانية. (وهى تبتسم)

 

q       يا دهوتي على الإبتسامة اللى أتفوق المسطول من أجدعها صنف.

 

·        آيه يا أفندي، ده أنت سُقت فيها خالص. (وهى تضحك)

 

q       يالهوي ، يامثبت العقول ، أيه الجمال ده كله، ضحكتك تجنن والله.

 

·        يا ريتك تتجنن يا بعيد وياخدوك على العباسية عدل.

 

q       يا ريت أبقى المجنون بتاعك، زي المجنون بتاع ليلى، تقبليني أبقى المجنون بتاعك.

 

·        هو حضرتك ناوي توقفني طول اليوم هنا والا أيه. (وهى لازالت على ضحكتها)

 

q       لا يا مدموزيل .. بالحقه .. هو أسمك أيه ؟.

 

·        نجوى.

 

q       الله أنا آسير نجوى .. وجمال نجوى .. وأحب نجوى وأموت فى ..

 

·      حيلك .. حيلك، أيه ده، هو على رأي المثل ضحكنالو دخل بحمارو، ما تفوق لنفسك يا جدع أنت، عمال نازل فيا حب وغرام وهيام، أيه هو أحنا ح نمثل روميو وجولييت والا أيه.

 

q       لا أحنا ح نمثل عريس وعروسة.

 

·        قصدك أيه يا واد يا جعر أنت، أنا أبتديت أتنرفز خلاص، والنبي ومن نبا النبي لو ما أتعدلتش لأنا لامة عليك الخلق وأخلى اللي ما يشترى يتفرج.

 

q       على مهلك يا مدموزيل نجوى، خودينى بالهداوة، وعلى أقل من مهلك، أنا والله قصدي شريف، وطالب القرب.

 

 

 وهنا أنفرجت أسارير نجوى، وقالت متهللة:

 

·        من مين ؟.

 

q       من الحلوين طبعاً.

 

·        ومين الحلوين ؟

 

q       هو فيه غيرك يا جميل .. يا أبو خصر نحيل.

 

·        طيب بيتنا على الناصية اللي هناك، الدور الرابع، شقة ثمانية، روح كلم بابا بقه.

 

q       وأكلم ماما كمان، هو أنا فى ديك الساعة.

 

·        ياللا قوام سهل قبل ما حد تاني يسبقك.

 

q       فوريرة.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.