Hello world!

Welcome to WordPress.com. This is your first post. Edit or delete it and start blogging!

Advertisements

خداع الزوج لزوجته (حلال) مباح، كلما كان السبيل إليه متاح

خداع الزوج لزوجته (حلال) مباح، كلما كان السبيل إليه متاح

 

حكى لي أحد المقربين من شخصيات القصة ـ الواقعية ـ التالية، التى جرت أحداثها فى إحدى البلاد العربية، وتم إسدال الستار على نهاية آخر فصولها السنة قبل الماضية. والقصة لزوجين طبيبين، جمعتهما قصة حب توجت فى نهايتها بزواج ميمون.

 

وإذا تم إعتبار عقود الزواج مثل كافة العقود الأخرى التى تبرم بين الأطراف لتقنن واجبات وحقوق كل طرف، فإن الزوج ملزم ـ فى هذه الحالة ـ بإبلاغ زوجته (جاريته) صراحة، عندما تجرفه نزواته وغرائزه الحيوانية لتكبيل جارية أُخرى بعقد زواج شرعي آخر. فإن قبلت جاريته القديمة بزواجه من الجارية الجديدة، ورحبت بضرتها التى ستقاسمها ـ فى أحسن الحالات ـ العبودية لذلك البعل الشريد، فهذا أقصى ما يتمناه البعل الذى كانت أحلامه الوردية تمنيه ـ دوماً ـ بتقمص شخصية الحاج متولي (الشهير). وإذا رفضت الزوجة مشاركة البعل مع الجارية الأخرى، فليس لها بعد ذلك عليه لوم أو ملامة، فله ـ فى هذه الحالة ـ تسريحها بمعروف.

 

هكذا هى أخلاق الرجال، وهذا ما تفرضه الأصول وحقوق العشرة بينه وبين جاريته القديمة. ولكن، هذا مالم يفعله البعل (الطبيب) فى القصة المتناولة بين أيدينا، فبعد ثمانية عشر سنة من زواجه بجاريته المطيعة، التى أنجبت له فى أثنائها أربعة أطفال، وطبخت له على مدارها رقم فلكي من الأكلات المتنوعة الشهية، وساعدته مادياً فى بناء عش الزوجية ـ بأغصان أسمنتية متينة ـ وعاضدته فى مشوار بناء مستقبله المهني وإكمال دراسته فوق الجامعية. بعد كل ذلك أقام الطبيب (القدوة) علاقة عاطفية مع إحدى الممرضات فى محيط عمله، أستمرت لعام ونصف، شيد فى غضونها عشاً إسمنتي آخر لجارية المستقبل التى ستحقق له مناه فى تقمص شخصية الحاج متولي (قدوته ومثله الأعلى فى هذا الشأن).

 

صحيح أن الزوجة ـ وفى معظم الحالات الزوج ـ آخر من يعلم، فقد علمت تلك الزوجة بما كان يدبره بعلها من وراء ظهرها، بعد أن غطت شائعات قصته الغرامية مع الممرضة على سحاب سماء مدينتهما فى تكاثفها، وبعد أن طغت شهرة حكايته العاطفية على قصة حسن ونعيمة الذائعة الصيت فى الأرياف المصرية.

 

وهكذا، واجهت الزوجة بعلها، فإعترف بمخططه، وطلب منها الرضوخ لرغبته. وعندما رفضت، وطلبت الطلاق، سقط فى نفسه، لأنه لو طلقها سيفقد أهم أسس وركائز شخصية الحاج متولي التى يسعى لتقمصها !.

 

ولكن الطبيب (القدوة) لم يحر فى أمره كثيراً فما كان منه ـ وقوانين بلاده لا تسمح بزواجه الجديد بدون موافقة زوجته القديمة ـ إلاّ أن زور شهادة عن طريق أحد زملائه من الأطباء العاملين معه فى أحد مستشفيات مدينته، تُفيد حيثياتها بأن جاريته القديمة غير صالحة للإستعمال الآدمي، لأن تاريخ صلاحيتها قد أنتهى، ولم تعد ـ من ثمة ـ قادرة على أداء واجباتها الزوجية.

 

قدم الطبيب (القدوة) الشهادة للمحكمة ـ فى دعوى أقامها بسرية تامة ـ حتى يستطع الحصول على الأذن بالزواج من الجارية الثانية (الممرضة)، بدون الحاجة لموافقة الجارية الأولى (الطبيبة) على زواجه السعيد، الذى سيدخله من وأوسع أبوابه لعالم شخصية الحاج متولي (مثله الأعلى). غير أن القانون ولوائحه فى مثل هذه الحالة يستدعى إعلام الجارية الأولى بأمر عزم بعلها على الإقتران بالجارية الثانية، وذلك عن طريق محضر يحمل لها  رسالة من القاضي بهذا الشأن.

 

وهذه عقبة أُخرى برزت أمام الطبيب متولي ـ كان ـ يتطلب منه موقفها العمل على تذليلها بوسائل الغش والخداع المتاحة، والتى يملك ـ فى هذا الصدد ـ خبرة وباع فيها، أفلم يسبق له تزوير الشهادة الطبية التى شهدت ـ باطلاً ـ بعطب جاريته الأولى، مم يستدعى ضرورة إستبدالها بأُخرى سليمة ؟.

 

وهكذا كان، رشى البعل متولي محضر المحكمة ـ وربما القاضي أيضاً ـ بأمكانياته المادية وخدماته الطبية الواسعة، فتم تزوير إستلام الإعلان الموجه للزوجة بتوقيعها المزور، رغم أنها لم تستلمه ولم تر ذلك الإعلان قط ! فقد شهد المحضر (المرتشي) على أنها أستلمت الإعلان المنوه عنه.

 

وقبل أن يبث القاضي المكلف بالنظر فى ملف هذه القضية، وإصدار أذنه للبعل متولي بالزواج من جاريته الثانية، وقع ملف القضية ـ المنوه عنه ـ فى يد إحدى العاملات بإدارة المحكمة. وشاءت الأقدار أن تكون هذه الموظفة تربطها علاقة صداقة بالزوجة المخدوعة، فقامت بنسخ كافة أوراق الملف وسلمتها لصديقتها.

 

لم ترغب الزوجة فى إيداع بعلها الطبيب القدوة، وزميله المزور، والمحضر المرتشي فى السجن، حيال قضية التزوير الذى تم ممارسته فى حقها. حيث عفت عنه وعنهما، وهذا من حسن الذكاء، الذى يُحسب لها، وتتميز به فى هذا الإطار؛ فقد أشار عليها عقلها الراجح، بأنه ليست هناك فائدة ترجى من حبس زوجها المخادع. بل أن إقدامها على مثل هذه الخطوة، ستكون نتائجه الإجتماعية وخيمة على أبنائها فى داخل مجتمع مدينتهم الصغير.

 

وهنا، خر الطبيب (القدوة) راكعاً على ركبتيه أمام جاريته القديمة طلباً للصفح، وغنى لها أغنية التوبة، وطلب منها نسيان الماضي بكافة سيئاته. فرحت الزوجة بعودة البعل لمكانه المعتاد فى المقطورة الأمامية، وعاش الأثنان فى ثبات ونبات، لكنهما لم يرزقا  ـ حتى كتابة هذه السطور ـ بصبيان آخرين أو بنات.

 

وهكذا، غضت الزوجة الحكيمة طرفها عن طلب الطلاق، ولم تعر الأغنية الشهيرة (أيظن أنني لعبة بين يديه) أي إعتبار فى هذا الخصوص، فقد وضعت نصب أعينها، بأن الكرامة وعزة النفس التى تقود للطلاق سيدفع ثمنها الباهظ أبناؤها ـ بالدرجة الأولى ـ من خلال فقدانهم لعوامل الإستقرار الأسري فى مجتمع شرقي، لا يرحم أفراده المطلقات اللآتي يُعيلن ـ من بين أبنائهن ـ من تم وصمهن بشهادة علامات ماركتهن التجارية بالإناث.

 

ومن هنا، فقد رأت الزوجة المحنكة بأن الأمر يتطلب وجود بعلٍ ـ بدون تنقيط العين ـ ليس فى منزلها فحسب، بل فى منزل أية أسرة محترمة، وذلك حتى تستقيم الأمور، ويرضى العرسان التقدم لبناتها؛ وأيضاً حتى يتمكن أبنائها من الزواج من فتيات أحلامهم، لأن أبناء وبنات المطلقات فى بعض المجتمعات الشرقية والمتخلفة، يكون سوق زواجهم راكد، عندما يصطدم الأمر بالمظاهر الإجتماعية والحسب والنسب، وعائلة فلان وعائلة علتان.

 

ومن هذا المنطلق، فإن ظل رجل ـ كما يقول المثل الشهير ـ أفضل من ظل حائط، حتى لو كان حائط الصين العظيم. وهكذا فقد فضلت الزوجة (الطبيبة) أن تستظل بالحائط بعلها (الطبيب القدوة)، ضاربة بذلك عرض كافة الحوائط الآخرى.

 

*****

 

لمن يخضع العقل ؟ ..

عقل الطبيب القدوة ـ إذن ـ مسئول مسئولية كاملة عن غشه وخداعه الذى مارسه ليس فقط تجاه زوجته وأبناءه، بل تجاه تعاليم ربه الذى خلقه وسواه ! هذا على الرغم من تقمصه لشخصية الفرد المتدين (الورع) الذى لا يفوته فرض، ولا تنقطع عنه عادة ـ المواظبة اليومية ـ على قراءة القرآن الكريم !.

 

والعقل من هذا المنطلق، لا يتبع السلوك الذى يتظاهر به صاحبه، ولكنه يصنعه ليقوم صاحبه بتنفيذه، ولا تقيد العلوم والمعرفة العامة من قدرات العقل فى صناعة النهج السلوكي الذى يختاره لصاحبه، لكنها تمكن العقل من توسيع مداركه، فهى ـ فى واقع الأمر ـ لا تملك تحديد نوع سلوكه الذى يتعامل به مع الآخرين فى الحياة (فى معظم الأحيان).

 

والمعنى هنا، إن الطبيب (القدوة) فى القصة الواقعية السابقة، لا ينقصه، بكافة المعايير، الإلمام بالثقافة والعلم والمعرفة الدينية والأخلاقية والعامة. فهو نموذج متكامل للشخصية الإنسانية السوية، ومع ذلك إرتكب من الذنوب والأخطاء فى واقعة واحدة، ما لا يتجرأ الأدنى منه ـ فى نطاق المستوى التعليمي والفكري والديني ـ على إرتكابه.

 

وهذا الأمر قد يحير البعض، ويربك تفكيرهم فى تحقيق فهم منطقي لمثل هذه الحالة، التى ليست فريدة نوعها فى عالمنا الذى يحوى من أمثالها مئات الملايين، ولكنه لا يدهش البتة من يعرف ـ على وجه الدقة ـ حيثيات المعادلة التى تحكم السر الذى يعمل بموجبه الإنسان فى هذا المضمار.

 

والسر ـ فى هذا السياق ـ يمكن شرحه ببساطة لا تتعدى حدود كلمات قليلة، وهى أن الأمر كله يعتمد على الجانب الذى ينحاز إليه عقل الفرد عند الموازنة فى الإختيار بين نزعتي الخير والشر. فإذا إنحاز المرء للشر، فإنه لن يتورع عن إستخدام الوسائل الشريرة لتحقيق مأربه عندما يتطلب الأمر ذلك. وإذا إنحاز للخير، فسوف تردعه مقوماته الراسخة فى ركانز قواه الذهنية ـ التى جرت العادة على تسميتها بالضمير ـ عن الإنحراف لجادة الفحشاء والمنكر.

 

وقد يتساءل أحدهم، بأنه طالما ليس هناك فارق بين متعلم وجاهل، أو عالم وصعلوك، فى إختيار السلوك الذى ينتهجه صاحبه إزاء معاملاته مع الغير، فما هى ـ إذن ـ فائدة الحرص على التعليم وتحصيل المعرفة والتمسك بالدين، طالما أنها لا تعصم صاحبها من الوقوع فى مغبة الشر ؟.

 

والجواب ـ فى هذا الصدد ـ يبرىء العلم والمعرفة والدين، فهي لا تصنع للعقل قرارته وإختياراته، بقدر ما توسع مدارك رؤيته وفهمه لمختلف الأمور. ولكن اللائمة ـ فى هذا الخصوص ـ تقع على التنشئة والتربية، والتجارب الخاصة، والعادات والتقاليد (السائدة) المحيطة بالمرء، والتى تفرض عليه عند تكونها فى كيان عقله، طبيعة الإختيارات التى ينحى إليها عند الموازنة بين نزعتي الخير والشر.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

حنان الوالدين

 

حنان الوالدين

خالد القشطيني

 

خطر لي ونحن في هذا الشهر المبارك أن أفكر بهذا الإعجاز المتمثل بعلاقة الوالدين بأولادهما، تلك العلاقة التي شغلت حيزا كبيرا في سائر الأديان.

ذكرت مرارا أن الحب الحقيقي المجرد لا يوجد إلا في حب الأم لولدها. حب الزوجة حب أناني. مرض أعرابي فسألوا زوجته عنه فقالت: « لا هو حي فيرجى ولا بميت فينعى ». عادوا فسألوا أمه بعد يومين فقالت: « مازال في خير، ما زلنا نرى سواد عينيه بيننا ». شتان ما بين الموقفين. أوحى لي بالتأمل في كل ذلك توالي المكالمات من والدة أحد أصدقائي في بغداد. تحدثني باضطراب وقلق عن مرض صديقي وتبحث معي إمكانيات معالجته في لندن. تكررت المكالمات بما حركني لهذا السؤال: لماذا أمه هي التي تحدثني عنه وليس زوجته، وأعرف كلتيهما ؟.

هنا في الغرب كثيرا ما تهرب الزوجة من زوجها المقعد في الفراش وتتركه لعناية الدولة. تخرج لتبحث عن حياة جديدة. وهكذا كتبت امرأة أميركية على قبر زوجها: هنا يرقد هنري ماكس. توفي عن 40 سنة تاركا زوجته الشقراء العسلية العينين الرشيقة القوام.

وراحت امرأة تبكي وتنحب في جنازة زوجها: « ليه يا حبيبي، يا سبعي، تسيبني كده وحيدة وما ليش حد.. » تقرب رجل نحوها وهمس في أذنها، « أنت ساكنة فين؟ خليني أجي شوية أواسيك ». صرخت به: « امشي يا ابن الكلب، تعاكسني وأنا في جنازة زوجي، ما تخافش من ربك ؟ » ومضت تبكي وتنحب: « ليه يا سبعي يا حبيبي تفوت وتخليني لحالي وحيدة في نمرة 42 شارع قصر النيل.. ».

تذكرت وأنا أتأمل في كل ذلك كيف جلست بجانب ولدي آدم حين تمرضه. خطر لي أن اسأل نفسي هذا السؤال: «لو أن عزرائيل نزل علي وأعطاني هذا الخيار: آخذ روحك، أو روح ابنك؟» فكرت بالسؤال مليا وقلت، لا. لن أتردد في الجواب. خذ روحي واترك ولدي. فلو مت لأصبحت ترابا وانتهى الأمر. ولكن لو أن ولدي قد مات وأنا عشت، فكيف سأعيش وأنا أتذكره وأتذكر موته؟

رويت ذلك للبروفسور مثنى القصاب. ابتسم وثنى علي بروايته. قال عندما مرضت ابنتي هديل واشتد بها المرض بما اضطرنا لنقلها للمستشفى جاءتني الممرضة لتدون التفاصيل. اسمها، عمرها، عنوانها ثم وصلت هذا السؤال «أقرب شخص؟» قال ما أن نطقت بهذا السؤال حتى انفجرت ببكاء ونحيب هستيري فتركت الغرفة أتشبث بالجدران والأبواب لأقي نفسي من السقوط. لحقت به الممرضة لتواسيه وتشجعه وهو ذلك الأستاذ في كلية الطب ومدير المستشفى وقضى حياته بين المرضى والموتى.

لا أتصور شيئا أقسى على الرجل أو المرأة من فقدان ولد. وهو ما عبر عنه بسمارك وهو على فراش الموت. قال: «أحمد الله أن أموت دون أن أذوق موت أحد من أبنائي».

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

في بيتنا صينيون

في بيتنا صينيون

 

سوسن الأبطح

 

تعمل الصين وفق استراتيجية السلحفاة التي تعلم بأنها قادرة على أن تسبق الأرنب. وإذا كانت أميركا تقفز وتصرخ وتملأ الدنيا زعيقا كلما تململت، فإن الصينيين يتحركون كالنمل بصمت بالغ، وصبر لا ينفد. والقناة التلفزيونية الصينية الناطقة بالعربية التي افتتحت مؤخرا ليست سوى إشارة صغيرة على تحركات كبيرة لبلاد التنين التي تتمدد بين أهل الضاد، كأخطبوط في كل اتجاه. يتجاهل العرب أو يجهلون أن الصين تلفهم من رأسهم حتى أخمص الأقدام، وأنها غزتهم بألعابها وملابسها وصحونها وأدواتها الكهربائية وحتى الملاعق والسكاكين، وأنها دخلت اليوم بيوتهم بلسانها وأغانيها وتاريخها. فالذين التفتوا للمحطة التلفزيونية الوليدة، هم قلة قليلة، لكن البث لا يزال في أوله والخطة الصينية ماضية، حتى تحقيق الأهداف.

فقد افتتحت الصين منذ ثلاث سنوات إلى اليوم عشرات المعاهد لتعليم اللغة الصينية، في المنطقة، ودشنت مواقع إخبارية ناطقة بالعربية، وأرسلت عشرات الأساتذة والخبراء، بعضهم يجيد العربية، كما أوفدت طلابها لإتقان لغتنا في جامعاتنا وبيننا. كل هذا يحدث بروية عجيبة، وهدوء يستحق الإعجاب. فبلد المليار، يكبر اقتصاديا كمارد يصعب رده، وإدراك الصينيين أن نموا تجاريا وماليا قويا يبقى قاصرا من دون انتشار ثقافي، يجعلهم يستشرسون لردم الفجوة. وإن بدأت معرفتنا الحديثة بالصين عبر الكاراتيه والتداوي بالأعشاب والطب البديل، فقد صارت أبراج الحظ الصينية شائعة كما مطبخهم وبعض فنونهم. وهذا كله لا يحدث صدفة كما يتصور البعض، أو ينتشر تلقائيا بفعل العولمة المتعاظمة.

أحد أساتذة «معهد كونفوشيوس» في لبنان، أخبرني أنه تلقى تعليمات قبل إيفاده، مختصرها أنه موجود في بلاد الأرز لا لتعليم بضعة طلاب لغة «الماندران»، وإنما لنشر الثقافة الصينية بين أكبر عدد ممكن من اللبنانيين، عبر سلوكه، وأحاديثه، وتصرفاته في المجتمع. وهذا الأستاذ الذي قضى أكثر من عامين في لبنان، تتلمذ على يديه عدد محدود من الطلاب ـ قد يبدو بلا أهمية ـ لكن مهارة الرجل في بث ثقافته بين هؤلاء، جعلت كل واحد منهم رسولا صينيا صغيرا يبلغ الرسالة لمن يتحركون حوله.

ضع جانبا أن الصين أصبحت الشريك الاقتصادي الأول لبلد عربي في غاية الأهمية مثل السعودية، فإن رجال الأعمال العرب عموما، باتوا يرون في الصين وجهة طبيعية لتطوير أعمالهم، بسبب انخفاض أسعارها ولدانة التعامل مع مصانعها، في ما اعتبرت «الغارديان» نهاية السنة الماضية، أن لا خلاص للعالم من محنته المالية من دون إفراج الصين عن جزء من تريليوني دولار تنام عليهما كوسادة من حرير.

وبالتالي، فإن العالم العربي ليس سوى قطعة صغيرة من «بزل» الخطة التي تغزل بعناية، تحت ستار أن الصين دولة نامية من العالم الثالث، في ما السلوك يشي بأننا أمام قوة عظمى، تداري انتفاخ عضلاتها. وإن كانت أميركا تخوض حربا إعلامية لتلميع صورتها، فإن الصين تدرك بأن الفرصة سانحة، الآن تحديدا، لإظهار نفسها كدولة منتجة ذات ثقافة رفيعة لم تتسخ بالعدوانية الاستعمارية التي تلوثت بها أيدي الغرب. وبالمقابل، فإن تضخيم الكلام على ألعابها المؤذية للأطفال والحليب السام الذي تصدره، كما قمعها للمسلمين وأهل التبت، تعتبره الصين ضمن الحملة عليها لتشويه صورتها وكبح جماح فورتها المتصاعدة. والحنكة الصينية تقضي بعدم الرد بالثرثرة البغيضة، والبيانات العقيمة، وإنما بخطوات مدروسة، تباغت العدو على جبهات لم ينتظر الهجوم منها. فقد عقدت الصين من بين ما عقدت مع العرب اتفاقية مع لبنان لتبادل السياح بين الجانبين، اعتبرت أهم اتفاقية من نوعها مع لبنان. وكفاتحة أولى استقبل لبنان العام الماضي «أوبرا بكين» وهذه السنة فرقة «ماي دريم» الشهيرة، وحبل تصدير الفنون على الجرار.

وكي تعرف مدى النشاط الصيني المتمادي فإن عدد الدارسين للغة الصينية في العالم بلغ أربعين مليون شخص، ولعب «معهد كونفوشيوس» دورا أساسيا في تحقيق هذا الإنجاز، خلال بضع سنوات. فقد أنشأت الصين 294 معهدا في 78 دولة، استثمرت فيها خلال العام الماضي فقط أكثر من مائة مليون دولار، وأقامت ما يزيد على ستة آلاف دورة تدريبية في المدارس والجامعات والمؤسسات التجارية حول العالم. ولا يتوقف دور هذا المعهد على انتظار الطلاب الراغبين في التعلم، بل يقيم صلات مع الشركات التجارية الكبرى وينظم الأنشطة التي تعرف بخصائص الطب الصيني وملاكمة التايجي والشاولين وغيرها. وكي تعلم أمام أي نوع من الخطط الدعائية أنت، عليك أن تتابع الفضائية الصينية الناطقة بالعربية، حيث تكتشف أنك أمام نوع آخر من الحضارات لم تعتده من قبل، مع «بي. بي. سي» أو «الحرة» أو حتى «فرنسا 24». فرغم أن هذه المحطة توظف العديد من العرب إلا أن مقدمي البرامج والمذيعين هم جميعهم من الصينيين الذين يخاطبونك بالعربية، بلكنتهم الخاصة. وتحرص المحطة على عرض مسلسل بطله مسلم، هو أحد المناضلين الصينيين الذي قاوموا الهجمة اليابانية على البلاد، لتدرك أن المسلمين هم صينيون أصيلون ووطنيون أيضا.

وزيادة في التأكيد على التسامح، ثمة تركيز على تعايش 56 إثنية داخل الصين، بعرض فنونها، وتمايزها الثقافي واحدتها عن الأخرى، هذا إضافة إلى العروض الموسيقية، وبرنامج تعليم اللغة الصينية، ومقابلات مع العرب الذين يعيشون في تلك البلاد، ويعرضون تجاربهم، مع إلقاء الضوء على وجود اللغة العربية في الصين منذ القرن السادس عشر.

قد لا تبدو هذه المحطة التي لا تزال في مرحلة تجريبية، جذابة، في البدء، للمتفرج العربي، المتعود على الطقش والفقش، لكن متابعتها وتأمل برامجها يريك، على أي مرحلة نحن مقبلون، ومع من سنعقد شراكاتنا الجديدة، ووفق أي روح. لكن الأهم من ذلك، هو أن الصين تقول بأن هذه المحطة أنشئت وفق توصيات ندوة الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية التي أقيمت في الصين نهاية عام 2005 وأخرى عقدت عام 2007، وتخفي أن العمل يأتي وفق خطة دولية شاملة وقديمة. فقد افتتح الصينيون قبل ذلك محطات ناطقة بالإنجليزية والفرنسية والإسبانية وقريبا ستولد الروسية. لكن بما أن الصين اعتبرت الحوار العربي الصيني آتى أكله، على العرب أن يفعلوا الشيء نفسه. فالتوصيات قضت أيضا بفتح معاهد لتعليم اللغة العربية في الصين، وتنفيذ برامج وأنشطة ثقافية مشتركة، كما ترجمة الكتب وإقامة المكتبات. ومع ذلك لم يحرك العرب ساكنا بعد، علما بأن الفرنسيين باتوا يقولون إن «الغلبة لم تعد للأقوى، وإنما للأسرع». والصينيون باتوا يمتلكون الخاصيتين معا، ويدركون جيداً ان «طريق الحرير» يمر، اليوم، عبر الاُثير والقنوات الفضائية. فأين حرير محطاتنا العربية؟.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

شقيق الروح

 

شقيق الروح

فوزية سلامة

 

كل عام وانتم بخير. في احد ايام هذا الشهر الكريم من عام 560 الهجري ولد في الاندلس صبي قدر له ان يترك علامة واضحة علي صفحة الفكر العربي عبر الازمنة . حين يولد صبي يعتبر الحدث حدثا عاديا. ولكن ان التقي بهذا الصبي بعد الف عام وقد كبر في العلم والمكانة لهو حدث اعتبره كبيرا في حياتي. اما اللقاء فكان على صفحة كتاب فتحته مصادفة وانا اتجول مع زوجي في مكتبة لندنية تبيع الكتب العربية. فتحت الكتاب فطالعني هذا البيت من شعر ابن عربي:

ان الرجال الذين العرف عينهم

هم الاناث وهم نفسي وهم املي

عدت الي الغلاف فقرأت : الانوثة في فكر ابن عربي.

قد ينعتني البعض بالاندفاع او بتقديم العاطفة على العقل. ولن احتج لأنني في ذلك الموقف وفي ذلك اليوم اندفعت واشتريت الكتاب بدون ان اعرف من مضمونه سوى عنوانه وبيت شعر اثار فضولي واهتمامي. واحقاقا للحق اقول انني لم اندم على اندفاعي .

ما قرأت عن ابن عربي اقنعني بأن معرفته جمعت بين تحصيل العلم على يد اشهر علماء الاندلس من القرآن والحديث والفقه واللغة, الى جانب تجربة الخلوة والرؤية الروحية والمناظرات. ولعل اكثر ما حبب الي من اليسير الذي قرأت عنه ان المنظومة الفكرية التي تركها لم تقتصر على مبادئ الفكر التجريدي بل اكدت ان الحب منبع وسبيل للمعرفة وتقر بأن تجاذب الذكر للانثى والانثى للذكر قاعدة تفتح مجالا في الوجود لابراز الدور الخلاق لعلاقة الانا بالاخر. وعليه فان حضور الذكورة والانوثة شرط اساسي لكل موجود مجرد او حسي.

يمكن القول بأن ابن عربي اعتمد على الخطاب الالهي في القرآن الكريم, والحديث النبوي في بلورة الحضور المركزي للانوثة. وفي نظرته الى الفروق بين الجنسين ينفي ان يكون للاختلاف اي تأثير في انسانيتهما وينزع عن هذا الاختلاف الحق في التمييز بين المرأة والرجل لأن الجوهر الانساني يكمن في تجاوز العنصر الحيواني لا الخضوع لاحكامه.

ويقول ابن عربي لكل موجود جهة للذكورة وجهة للانوثة وبفضل هذا التزاوج تحصل وحدة الموجود. ويدلل علي ذلك بآيات قرآنية ترتكز علي حضور العنصر الذكري والعنصر الانثوي وتكاملهما كما في قوله تعالي في سورة يس «سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض». وقوله في سورة لقمان: «وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم».

ويستشف من ذلك المعنى ان مبدأ الزوجية لا ينطوي على تمييز او تفضيل بما ان ظهور الموجودات لا يستقيم الا بحضور زوجي . ورأي في كل زوج وجهين لنفس الموجود وهما وجها الذكورة والانوثة وهما صفتان تربط بينهما علاقة انجذاب من دون تفاضل .

تصور ابن عربي ان الانسان تكون من وحدة انشقت وظهر منها الرجل والمرأة كشقيقين متماثلين ومتكافئين ماديا وروحيا فقال:

ان النساء شقائق الذكران

في عالم الارواح والابدان

والحكم متحد الوجود عليهما

وهو المعبر عنه بالانسان

الشق هو النصف ويعرف الشقيق بالاخ والمثيل. ويعتمد ابن عربي علي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (النساء شقائق الرجال) ويعرضه كاساس يبين ان الاحكام التي تسري على النساء هي نفسها تسري على الرجال.

كل عام وانتم بخير.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

(I) في مسيرة اليد والقلم

 

في مسيرة اليد والقلم

منصف الوهايبي

 

الجزء الأول

 

ذهب المسلمون في أساطيرهم إلى أن القلم هو أول ما خلق الله، وأول ما بدأ بذكره في الكتاب، وأنه وصف نفسه بأنه علم بالقلم، وأبان أن صناعته أفضل الصنائع. وكان للكتاب والشعراء منادح واسعة في وصف هذه الأداة (القلم) شعرا ونثرا. فقال فيه ابن المقفع: " القلم من نعم الله الجليلة ومواهبه الجزيلة، فهو الكيل السابق والسكيت الناطق، به اتسعت الأفهام، وضبطت العلوم والأحكام، ولولا الأقلام لضاق الكلام، وقلت الحكام، ونسيت الأحكام ". وقال في موقع آخر: ‘ القلم بريد القلب، يخبر بالخبر، وينظر بلا نظر ‘. وقال عبد الحميد الكاتب: " القلم شجرة ثمرها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة ".

 

وأورد حمزة الأصفهاني نصا لمسلم بن الوليد، عده من ‘ الوصف الجامع لاستعمال القلم ‘. ومما جاء فيه أن القلم " يظهر ما سداه العقل، وألحمه اللسان، وبلته اللهوات، ولفظته الشفاه، ووعته الأسماع، وقبلته القلوب ". وينسب إلى أحمد بن يوسف الكاتب الوزير قوله : ‘القلم لسان البصر، يناجيه بما استتر عن الأسماع ‘. وقال محمد بن عبد الملك الزيات: ‘بالقلم تزف بنات العقول إلى خدور الكتب’.

 

فهذه الشذرات وغيرها مما جاء شعراً، وهو كثير، تبين عن الكتابة بوجهيها الفني الجمالي الراجع إلى علم الخط، واللغوي اللساني الراجع إلى علم الإملاء، أو ما يسمى قديما بالهجاء، وهو يعنى بالعلاقة بين الرمز المكتوب والصوت المنطوق، ومدى مطابقة هذا لذاك أو قصور الكتابة عن تمثيل المنطوق تمثيلا كاملا وكثيرا ما يلتبس الوجهان في هذه الأقوال.

 

ولعل من أظهر ما في هذه الشواهد وبخاصة ما اتصل منها بأحكام الكتابة من بري وقط واستمداد وتسوية وشكل ونقط، أن تصور الكتابة عند القدامى معقود على آصرة متينة بين الزماني والمكاني أو بين الصورة المنطوقة والصورة المكتوبة،حتى أنهم استعاروا للخط مصطلحات لغوية نحوية مثل اللـحن والضرورة في باب ما أسموه ‘ لحن الخط والتسوية وما يجوز وما لا يجوز في ذلك وما يستحسن في الضرورات وما يستقبح’. ومما جاء فيه ‘ فمن لحن الخط مد ما لا يجوز مده، وقصر ما لا يجوز قصره، وإفراد حرف من كلمة في غير سطره’. وذكر المؤلف أن المسلمين اختلفوا في قول عثمان: ‘إن في المصحف لحنا تقيمه العرب بألسنتها’، وذهبت طائفة منهم إلى أن المراد ـ إن صحت هذه المقالة ـ لحن الخط لا اللفظ. ذلك أن زيدا بن ثابت كاتب الوحي (ت45 هـ) كتب المصحف بقلم مبسوط، فكان يقطع في بعض الأماكن اللفظة، في آخر السطر، ويجعل باقيها في السطر الثاني؛ فنبه عثمان على أن هذا وإن كان لحنا في الخط لا يؤدي إلى لحن في اللفظ.

 

وجعلوا إيقاع الخط من إيقاع اليد الخاطة، وحركته من حركتها، ووصلوا ما بينها وبين الفكر كما نجد في وصف أبي تمام، حيث اليد الممسكة بالقلم، هي اليد ـ الفكر: إذا امتطى الخمس اللطاف وأفرغت عليه شعاب الفكر وهي حوافل.

 

إذا صرفنا النظر ـ عن صورة المسيل الحافل التي يتخذها الفكر، ولعل مصدرها الماء نفسه، فهو لا يحمل في ذاته لونا ولا شكلا، ولذلك تنعكس فيه صور شتـى الكائنات؛ إذ لو كان له لون أو شكل لما أمكن أن يعكس أي صورة ـ فإن حركة اليد في هذا الشعر هي حركة الفكر ومجلى الكتابة. وعليه لا غرابة أن يدقق الشاعر وصف الأصابع الممسكة بالقلم، على نحو ما نجد في المصنفات المخصوصة بالكتابة فصفة مسكه[القلم] بالإبهام والوسطى غير مقبوضة، لأن ببسط الأصابع يتمكن الكاتب من إدارة القلم، ولا يتكئ على القلم الاتكاء الشديد المضعف له، ولا يمسك الإمساك الضعيف فيضعف اقتداره في الخطô’ أو قولهم: ‘إذا أراد [الكاتب] يأخذ القلم فيتكئ على الخنصر، ويعتمد بسائر أصابعه على القلم، ويعتمد بالوسطى على البنصر، ويرفع السبابة على القلم، ويعمل بالإبهام في دوره وتحريكه ".


ولولا خشية أن نرمى بالتمحل على هذه النصوص، لحملناها على معنى الكتابة كما يراها بارط، فهو يذهب إلى أن حقيقة الكتابة ‘في اليد التي تضغط وتسطر وتنقاد، أي في الجسد الذي ينبض (الذي يستمتع)’. ويضيف في ذات الموضع: ‘إذا كنا نرفض’الايديوغرام’ رسم الفكرةLid’ogramme  فلأننا نسعى دون انقطاع، في غربنا، أن نحل سلطة الكلمة، محل سلطة الحركة، إن الحركة موجودة في عمق الإيديوغرام مثل نوع من الأثر التصوير، مبخر’. ويبين أن البشر زاولوا طويلا الكتابة اليدوية، ما عدا الطباعة. ولذلك ‘فإن مسيرة اليد، وليس إدراك أثرها المرئي، كان الفعل الأساسي الذي تحد بواسطته، الآداب وتتدارس، وترتب ".


هذا الفن المنظم، هو الذي نسميه ‘علم قراءة النصوص القديمة‘ Le ductus : Pal’ographie  وفي الكتابة الرمزية  Id’ographiqueطبعا، يكون لـ Ductus أهمية أكبر. على أن حركة اليد، في هذا الشعر الذي نحن به، ليست حركة الفكر ومجلى الكتابة فحسب؛ فاليد محفوفة بجملة من الرموز والمعاني مثل القوة والقدرة والسلطة.

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

(II) في مسيرة اليد والقلم

في مسيرة اليد والقلم

منصف الوهايبي

 

الجزء الثاني

 

أما إذا حصرنا هذه المعاني في اليد الخاطة أو الكاتبة، فلا نظن أننا نجانب الصواب ما تأولناها على أنها اليد ‘الأسطورية ‘ صانعة الأداة، ورمز القوة الخالقة قوة الكلمة أو اليد ـ الفكر المتحررة من سلطان المادة أي ‘اليد الإلهيةأو’ يد الله’ من حيث هي صورة استعارية تجسد’ اللامرئي’، ولكنها تخرق المقدس في ذات الآن. وقد نكون في الصميم من هذه الكتابة، ما أخذنا بالاعتبار كل هذه العناصر(القلم واليد والعقل) على أنها عناصر متواشجة تتضافر في حد الكتابة من حيث هي خلق بالعقل (وهو صفة من صفات القلم)، والنظر وهو سواء حملناه على البصر أو البصيرة تبصر وتأمل وتدبر أي صفة من صفات العقل.

 

كما يدل على ذلك المتواتر اللغوي ‘عين الصواب’ أو ‘عين العقل’ أو المأثور من الأقوال مثل ‘القلم لسان البصر’ أو ‘بنوء الأقلام يصوب غيث الحكمة’، واليد وهي ذات معان مجازية متشعبة مثل الجاه والقدرة والسلطان وأول الشيء والأمر النافذ والقهر والغلبة والحفظ والوقاية. وإذا أضفنا إلى ذلك عنصر الماء ـ وصلته في المتخيل الديني بعملية الخلق أجلى من أن نتبسط فيها ـ ساغ لنا أن نتأول كلمة’قلم’ دون تحميلها فوق ما تحتمل – على أنها رمز يجسم الكلمة المقدسة أو الكلمة من حيث هي جوهر خلاق.

 

ولكن دون أن يفضي بنا ذلك إلى ذات الاستنتاج الذي خلص إليه الباحث التونسي محمد عجينة في قوله إن القلم ‘ قرين اللوح والكتاب، وعنوان الانتقال من حضارة شفوية إلى أخرى مكتوبة تقدس الكلمة، كلمة الله، وتقدس الكتاب (ناهيك عن أن الناس صنفوا في صلب المملكة الإسلامية إلى أهل كتاب ومن سواهم) وإذن فهو حافظ اللغة والمعنى والتاريخ وحافظ القيم وضامن كل شيء، مانع له أن يذهب هباء منثورا في الدنيا والآخرة.


ومسوغات تحفظنا على هذا الاستنتاج ترجع إلى ضرورة التمييز بين’الكتاب’ و’المصحف’، أو بين النص الأم الشفهي (الوحي) والنص القرآني المكتوب. وقد كان الكتاب يعني من جملة ما يعني الكتابة المتحررة من كل جسمانية، لأنها الأقدر، في المعتقد الديني، على تعيين الأشياء الروحية المجردة، دون أن تجسمها أو تضفي صورة عليها، لسبب قد لا يخفى، وهو أن الكلام نفسه، في هذا المعتقد، من طبيعة إلهية.

 

ومن ثمة فهو الذي يناسب أكثر الموضوعات الإلهية والأشياء العقلية. والكتابة بهذا المعنى، تجنح إلى اللغة المنطوقة أكثر من جنوحها إلى شكلها التدويني. وربما نَمَّ ذلك على ذهنية كانت تنتسب إلى رسوخ مبدأ التسمية في المسمى، أو معنى الكلمة باعتبارها الجوهر الخلاق، حيث التـشديد على الوجود الذهني أو الروحي’ للشيء. وقد يتعذر أن نفهم الوحي، من حيث هو كتاب غير مكتوب، ما لم نأخذ بالحسبان أن الحقيقة اللغوية في المتخيل الديني، تحتكم إلى المسموع والمحفوظ في الذاكرة أو الحافظة أكثر من احتكامها إلى ما هو مكتوب. ولهذا المتخيل ما يسوغه لسانيا فـ’الكتابة تنسخ معالم اللغة، الحقيقية، وهي ليست رداء اللغة بل شيئاً تتنكر به.


ولعل هذا المبدأ أن يعلل سببا من أسباب خلو الكتابة العربية قبل الإسلام وفي طورها الأول، من الإعجام والشكل. وربما كان في ذلك أكثر من دلالة على الآصرة المتينة بين الزماني والمكاني في الكتابة العربية، أو بين المنطوق والمكتوب، حيث المرئي في الصورة المكتوبة ضرب من الحدس، يستدعي أبدا صورته المنطوقة. وهي آصرة لم تنقطع في تاريخ الكتابة العربية، حتى عند استحكام قواعدها وأصولها، وأخذها بالإعجام والشكل، فقد ظلت ‘تتجاهل قيمة الحرف الصوتي وتترك للقارئ استنتاجه ‘ على حين أن الإغريق مثلا أدخلوا الإشارة الصوتية إلى الأبجدية، منذ أول حدثانها.

 

ولا ينبغي أن نتعجل فنحمل الأمر على أنه مظهر من تخلف الكتابة العربية، فلعله كان دلالة على معنى من معاني الجمع بين المقروء والمسموع أو بين المرئي الحسي والغيبي الحدسي، حتى أن ظهور بعض الخطوط مثل الثلث والنسخ والمحقق، يبدو كأنه كان وقفا على القرآن.


وبسبب من هذا وغيره، يتعذر أن نرسم حدا فاصلا، في الثقافة العربية بين شفهي وكتابي أو أن نتخذ من أدوات الكتابة المطردة في الشعر والقرآن، أدلة على الانتقال من حضارة شفوية إلى أخرى مكتوبة. والقلم ‘القرآني’ نفسه محفوف بأكثر من أسطورة تقرنه بمعان شتى مثل الخط أو الكتابة والعقل والقدر وهو الأساس في نظرية التوقيف الإلهي في نشأة الخط حيث يجري القلم بقضاء من الله وقدر، كما يذهب إلى ذلك محيي الدين بن عربي.

 

هوامش:
من هذه الآيات في القلم:

·        ‘ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ‘ (96/3) العلق.

·        " ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون " (68/1) القلم.

·        " وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم " (3/44) آل عمران.

§        المورد (1986) ص197.

§        حمزة الأصفهاني: التنبيه على حدوث التصحيف ص 54.

§        R.Barthes، Lobvie et lobtus ، P.142 – 143

§        محمد عجينة: موسوعة أساطير العرب.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

روميو قاتلاً لا منتحراً

روميو قاتلاً لا منتحراً

سمير عطا الله

 

كان أول من بكى في محكمة الجنايات في القاهرة الضابط السابق محسن السكري، القاتل الذي استقل الطائرة إلى دبي، واستأجر غرفة في أحد فنادقها، ونام ملء عينيه، وفي اليوم التالي ذهب واشترى سكينا، ببطاقة ائتمان وليس نقدا، واتجه نحو شقة سوزان تميم، وأمعن في المرأة تقطيعا وتمزيقا.

عندما بكى، كان الأوان قد فات على أشياء كثيرة: على جمال سوزان تميم، على هشام طلعت مصطفى، على عائلة هشام طلعت، زوجته وأبنائه وأشقائه وثروته وشركته التى كانت مبانيها علامة من علامات مصر الحديثة.

ثمة حزن لن يزول، في عائلة السكري، وفي عائلة طلعت مصطفى، وفي عائلة سوزان تميم. وسوف تتحول القضية كلها إلى مسلسل يعد منذ الآن في مكان ما. وسوف تقوم بدور سوزان تميم، امرأة اطمأنت إلى الدنيا وظنتها غناء وفساتين وعلاقات مثل الأفلام، تدور تحت الأضواء وتنتهي تحت الأضواء، ويغني فيها البطل والبطلة في يوم الزفة، ويصمتان في لحظة الفراق.

هذا ما يجري غالب الأحيان في العالم، الذي لا يعود يعرف الفرق بين السينما والحياة. وحتى هشام طلعت مصطفى، عندما طلب من المسكين المأجور السفر إلى دبي، كان يظن أنه في فيلم سينمائي. لكن ثمة قاتلا سافر بدم بارد من القاهرة إلى دبي، ثم عاد وهو يعتقد أن الدماء لم تلتصق بيديه وعينيه إلى الأبد. كيف كان سيعيش محسن السكري، بالمليوني دولار ؟ في أية كوابيس ومع أية أشباح ؟ لقد أنقذه القبض عليه.

وأنقذ هشام طلعت مصطفى. ولكنه وضع عائلته في سجن مؤبد. والأرجح أن حكم الإعدام قد يخفض في محكمة النقض إلى المؤبد أو ما يشبهه. وسوف يكون عذاب السنوات القادمة باردا مثل برودة السكين، التي استخدمها الضابط السكري، الذي رفض والده أن يصدق أن ابنه يمكن أن يرتكب مثل هذا العمل.

كذلك رفضت عائلة هشام طلعت، أن تصدق. ورفض أصدقاؤه. ورفض رفاقه في الحزب أو في الحياة العامة. برغم كل ما قرأ هشام طلعت، وبرغم كل ما درس محسن السكري، من أن «الجريمة لا تفيد» كانا على قناعة بأن الجريمة لن تكشف هذه المرة. لا أغاثا كريستي، ولا شرلوك هولمز، سوف يتقفيان الأثر. لكن رجلا يدعى ضاحي خلفان، ضبط حتى الآن جميع الجرائم التي وقعت في دبي. اقتحام محلات المجوهرات بالسيارات، على طريقة الأفلام. والجريمة السياسية على طريقة الأفلام. وجريمة الانتقام «العاطفي» على طريقة الأفلام. لكن المنفذ هذه المرة لم يكن العشيق الغاضب نفسه، بل مأجور بارد تمكنه أعصابه من التوقيع على بطاقة الائتمان ثمن سكين التقطيع.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

هل يفكر العرب يا ترى ؟

 

هل يفكر العرب يا ترى ؟

هاشم صالح

 

هذا السؤال كثيرا ما يطرحه تيار اليمين المتطرف في الغرب على سبيل الاستهزاء والشماتة بالعرب. كلنا يعرف الشعار الذي طرحوه في فرنسا، إبان الأزمة أو الصدمة البترولية في السبعينات، أو بعدها بقليل: " نحن ليس عندنا بترول ولكن عندنا أفكار ! ". وقد لامهم كثيرا على ذلك الباحث المحترم ألان دو ليبيرا، صاحب الكتب الشهيرة التي تعترف بإسهام العرب في الحضارة الإنسانية، ككتاب «الإرث المنسي للعرب»؛ وقال لبني قومه بما معناه: لا يمكن اختزال العرب إلى مجرد مصدري بترول، أو رعاة نوق وجمال. فهم فلاسفة أيضا، وعلماء، وبناة حضارة، وقد أخذنا عنهم الكثير. فقليلا من التواضع إذن أيها الغرب المتبجح بذاته، والمغرور بحضارته وإمكانياته.

على نفس المنوال يمشي باحث آخر لمع نجمه في الآونة الأخيرة وبحق، هو: دومينيك اورفوا. وهو أستاذ الفكر والحضارة العربية في جامعة تولوز بفرنسا، وصاحب الكتب العديدة مثل: «المفكرون الأحرار في الإسلام الكلاسيكي». وقد تمت ترجمته مؤخرا إلى العربية على يد رابطة العقلانيين العرب. هذا بالإضافة إلى كتابه عن ابن رشد: طموحات مفكر مسلم. ثم كتابه البانورامي الضخم عن: تاريخ الفكر العربي والإسلامي.

ويمكن القول بأنه قسم فكرنا إلى ثلاثة تيارات أساسية، الأول هو: تيار الفكر الظاهري المتقيد بالقانون والشرع وتأدية الفرائض والطقوس وتطبيق الحدود. وهو تيار يتحكم بالحياة اليومية للمسلم، وهو الذي يظهر للآخرين مباشرة عندما يزورون البلدان العربية والإسلامية. وهو تيار يقدم صورة إيجابية عن العالم من حيث ترحيبه بالغنى والثروة، ودعوته إلى الاستمتاع بهما وبمباهج الحياة الدنيا. ولكن مشكلته هي أن كثرة الطقوس تبدو مرهقة وأحيانا تشل الطاقات عن العمل والإبداع والإنتاج. يضاف إلى ذلك اختزال الدين إلى مجرد شكلانيات خارجية قسرية وأحيانا استعراضية مفرغة من الروح والروحانيات الحقيقية.

أما التيار الثاني، فيمكن القول بأنه صوفي باطني، يميل إلى الزهد في العالم، ويركز على العلاقة الروحية بين الخالق والمخلوق أكثر مما يركز على الشعائر الخارجية والطقوس، دون أن يعني ذلك أنه يرفضها. ومن أكبر ممثليه في تاريخنا الغزالي وابن عربي والحلاج والجنيد وجلال الدين الرومي .. إلخ.

أما التيار الكبير الثالث للفكر العربي الإسلامي، فيتمثل في الإسلام العقلاني للفلاسفة: كالفارابي وابن سينا وابن رشد ومن مشى على هديهم. وهو تيار يركز على إمكانية التوفيق بين الدين والعقل، أو بين الإسلام والفلسفة. وهو الذي يمثل مجد العرب وإسهامهم في الحضارة الإنسانية. وهو الذي نقل الفلسفة اليونانية إلى أوروبا وساعد على انطلاقة نهضتها الحضارية كما هو معلوم. ولكن المشكلة هي أن هذا التيار الأخير انقرض عند العرب والمسلمين طيلة عصور الانحطاط، في حين أنه راح يزدهر في أوروبا. وهكذا مات في أرضه لكي ينتعش على أرض أخرى.

بعد هذه الصورة البانورامية السريعة عن تاريخ الفكر العربي والإسلامي، يجيء التقييم الأخير للمؤلف. وهو يبدو متشائما، على عكس ما كنا نتوقع. فهو لا يعتقد بإمكانية الإصلاح الداخلي للإسلام. ولا نعرف لماذا ؟ أو بالأحرى نعرف لأنه يقول مباشرة بعد ذلك ما معناه: على الرغم من غنى التراث الفكري للإسلام، إلا أنه قائم على مبدأ أساسي يلغي التطور، ألا وهو: الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة. فإذا كنت تمتلك الحقيقة المطلقة فما حاجتك إلى البحث والاستكشاف والتعلم والتساؤل ؟ ينتج عن ذلك شيء آخر خطير هو: إلغاء مشروعية الأديان الأخرى وبخاصة أديان الكتاب: أي اليهودية والمسيحية. فالمسلم يعتقد بأنه يمتلك الحقيقة الدينية النهائية لوحده، وأن بقية الأديان خاطئة، أو محرفة، أو مزورة. فكيف يمكن أن ينطلق الحوار الإسلامي المسيحي في مثل هذه الظروف ؟ مستحيل. بل وحتى المسلم التحديثي لا يستطيع القبول بالأديان الأخرى.

والآن ما هو رأينا نحن بمثل هذا التشخيص ؟ لا ريب في أنه صحيح في خطوطه العريضة، ولكنه غير كاف على الإطلاق. ولا يجوز التوقف عنده أبداً. فالمسيحيون في أوروبا كانوا أيضا يعتقدون بامتلاك الحقيقة المطلقة. وكانوا يطرحون الشعار التالي: خارج الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية المقدسة، لا مرضاة عند الله ولا نجاة في الدار الآخرة. ثم تطوروا بعدئذ، وغيروا موقفهم بعد المجمع التجديدي للفاتيكان الثاني، واعترفوا بالأديان الأخرى وفي طليعتها الإسلام.

فلماذا نستبعد إذن احتمالية أن يتطور المسلمون أيضا، ويجددوا في فقه القرون الوسطى ولاهوتها، وينفتحوا على العالم الحديث، وفلسفة التنوير، ويصالحوا أخيرا بين الإسلام والحداثة ؟ لا أعتقد بأن البروفيسور اورفوا يستبعد هذه الاحتمالية كليا، وهو المعجب بتاريخ العرب المسلمين، وغناهم الفكري. ولكنه يبدو متشائما أكثر من اللزوم. ربما لأن الوضع الحالي لا يدعو إلى التفاؤل بسبب هيمنة التيار المتطرف والظلامي على الساحة. ففي آخر مداخلة له الشهر الماضي في معهد العالم العربي يقول هذه الجملة المعبرة: إن هناك فرقا أساسيا بين المرحلة الكلاسيكية من تاريخ الإسلام، والمرحلة الحالية. وهو أن الإبداعية الفكرية كانت آنذاك أكبر بكثير مما هي عليه اليوم. فلم نعد نجد لدى مفكري الإسلام الحاليين نفس الجرأة والاتساع في الرؤيا والنظرة، كما كان عليه الحال أيام الفارابي وابن سينا وابن رشد.

وأخيراً، سأقول ما يلي: ينبغي العلم بأن العرب ختموا العلم قبل ألف سنة أو أكثر، عندما أغلقوا باب الاجتهاد وكفروا المعتزلة والفلاسفة، وحرقوا كتبهم ولاحقوهم في الأمصار. بهذا المعنى يمكن القول بأن العرب لا يفكرون. أو قل انقطعوا عن التفكير المبدع الحر طيلة ألف سنة على الأقل، وحتى مطلع النهضة الحديثة. واكتفوا بالتقليد والتكرار واجترار الاجترار.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

(I) الأعيب النسور فى أروقة القصور

الأعيب النسور فى أروقة القصور

الجزء الأول

 

v   " السلام عليكم أيتها الغربان " . قال أحد الرجال الثلاثة رافعاً يده محيياً غرابين كانا يقفان فوق غصن إحدى الأشجار المتناثرة تحت سفوح الجبال.

 

o       " وعليكم السلام " . قالت الغربان فى صوت واحد رداً على تحية الرجل.

 

v   " اننا نتساءل أن كان فى امكانكم ان تدلونا أين نجد مكان … ".

 

o       " مكان النسور، اليس كذلك ؟ ". قال أحد الغربان للرجل قبل ان يتم سؤاله.

 

قال الرجل مستعجباً:

v   " كيف عرفت اننا نبحث عن مكان النسور ؟ ".

 

أجاب الغراب:

o       " انكم لستم أول الاشخاص الذين يطرقون هذا المكان سعياً وراء النسور، فقد اعتدنا أن نرى من وقت لآخر بعض السائلين عن النسور من بنى جنسكم، لذا فان الأمر أصبح معتاداً بالنسبة لنا. لكنكم لم تحددوا أياً من النسور ترغبون فى رؤيتها، فكما تعلمون هناك العديد منها على قمم هذه الجبال، فكل نسرٍ له منهجه المختلف عن الآخر، ولذا فهم موزعون أنفسهم على الجبال، يستقبلون مريديهم كلاً بحسب رغبته فى اتباع النهج الذى اختاره ".

 

v   " نعم، اننا نبحث عن ذلك النسر الطيب الملقب بشيخ النسور، أتعرف بأي جبل يقيم ؟ ". قال أحد الرجال الثلاثة.

 

o       " بالتأكيد، فلا يوجد أحد هنا لا يعرف مكان شيخ النسور، أنه يعيش بمغارة فى أعلى الجبل الثالث على اليمين ". قال أحد الغرابين مجيباً على سؤال الرجل.

 

v   " أشكرك أيها الغراب الكريم ". قال الرجل.

 

o       " العفو أيها السادة، احترسوا عند تسلقكم الجبل فأنه يُعد من ضمن مجموعة الجبال الوعرة فى هذه المنطقة، حظاً سعيداً ورافقتكم السلامة ". قال الغراب للرجال وهو يودعهم.

 

ولم يكد الرجال يبتعدون قليلاً عن مكان الغربان، حتى لكز الغراب الواقف على الجانب الأيمن من غصن الشجرة كتف زميله الواقف على الناحية اليسرى وقال له:

 

o       " انه دورك هذه المرة لتُبلغ شيخ النسور عن زائريه، فأنا كان دورى ليلة البارحة عندما بلغت عن الخمسة رجال الذين قصدوا مقر النسر الأحمر رئيس رابطة الهضاب الشعبية ".

 

§       " لماذا لكزتني يا غراب البين ؟ كان يكفى ان تطلب مني ما تريد دون الحاجة لاستعمال جناحيك، متى تتعلم أيها الهمجي كيفية التعامل باسلوب حضاري ". قال الغراب الواقف على الناحية اليسرى من غصن الشجرة للغراب الواقف على الناحية اليمنى.

 

o       " آسف أيها الجنتل، اننى كثيراً ما أفعل ذلك حباً فيك وفى لونك الأسود .. ههههه ". قال الغراب الواقف على الناحية اليمنى من غصن الشجرة.

 

§       " حسناً لاتكرر ذلك مرة ثانية ان كُنت فعلاً مفتوناً بلوني الأسود. سأذهب لأُبلغ شيخ النسور بأمر الرجال الذين يريدون رؤيته وسأرجع لك فى الحال ". قال الغراب الواقف على الناحية اليسرى من الشجرة.

 

طار الغراب فى اتجاه الجبل الثالث على اليمين، وعندما وصل بمحاداته، حلق عالياً قرب قمته، وحام حولها حتى رأى فتحة المغارة التى يقطنها شيخ النسور، وأخذ ينعق بصوتٍ عالٍ حتى خرج عليه من فتحة المغارة الجرذ الذى اتخذه النسر مساعداً له، فقال الغراب للجرذ:

 

§       " أبلغ الشيخ ان هناك ثلاثة رجال فى طريقهم إليه "، ثم همس الغراب لنفسه بصوت غير مسموع وهو يطير عائداً فى اتجاه شجرته: " تباً لهذا الجرذ القذر ، كم أكره الجرذان، لم يجد هذا الشيخ من يتخذه مساعداً له سوى هذا الفأر الملعون ".

 

دخل الجرذ المغارة وقال للنسر الجالس على أريكة جلدية فاخرة طاوياً قدميه تحته ومستغرقاً فى مشاهدة التليفزيون الذى أمامه:

 

v   " لقد أتى الغراب القبيح ليبلغك بمقدم ثلاثة رجال أيها الشيخ الوقور ".

 

v   " انه فيلمُُ مشوق ورائع، انني لا أعرف كيف تمكن هؤلاء السينمائيون من تجسيد هذا الكم من الاحداث الخيالية فى صورة مجسدة تخالها انها حقيقة واقعة، لاشك أنهم على قدر كبير من التقدم يستطيعون معه عمل كل مايحلو لهم ومايرغبون فيه، الست معي فى ذلك أيها الجرذ الحكيم ". قال النسر كلامه هذا دون ان يرفع بصره من على شاشة التليفزيون الذى امامه.

 

v   " سيدى .. هناك ثلاثة رجال فى طريقهم إلى هنا، لقد أبلغني الغراب لتوه بقدومهم، الا تظن انه من الانسب أن نستعد لهم ". قال الجرذ للنسر المستغرق فى مشاهدة التليفزيون.

 

v   " أعلم أيها الجرذ فقد سمعت ماقلت من أول مرة، فلا تقلق، فهناك متسع من الوقت، ان تسلق الجبل يأخذ من البشر وقتاً طويلاً، ومع ذلك جهز لنا عدة الشغل، وأطفىء هذا التليفزيون، وأطلق البخور، ولاتُكثر من الجاوي كما هى عادتك، وأُحضر لي الجلباب الأخضر والعمة البيضاء، ولا تنسَ مسبحة العنبر، وناولنى المصحف، ستجده فوق المنضدة التى فى غرفة المكتب ".

 

قال النسر ذلك ثم قام نحو الخِزَانةُ التى تتوسط الحائط المقابل، وفتح أحد الأدراج السفلية، وأخرج منه زجاجة قطرة غسيل العيون، ثم عاد ليستلقى على الأريكة، وأمسك بالزجاجة ووضع بعضاً من القطرات فى عينيه.

 

دخل الجرذ حاملاً بين يديه مبخرة ومسبحة ومصحفاً، ناول المسبحة والمصحف للنسر، ووضع المبخرة فوق منضدة صغيرة قريبة من الأريكة التى يجلس عليها النسر، والقى بحفنة من البخور فى المبخرة، ثم اتجه إلى احدى غرف المغارة، وغاب فيها بعض لحظات، ليعود مرة أخرى حاملاً جلباباً أخضر اللون وعمة ناصعة البياض، ناولهما للنسر الجالس فوق الأريكة، فقام النسر من جلسته وارتدى الجلباب ووضع العمامة فوق رأسه، واتجه نحو غرفة نومه ووقف أمام المرآة التى تُزين دولاب ثيابه، وأخذ يصلح من هندامه، ويضبط موضع العمامة على رأسه، ثم أمسك باحدى زجاجات العطر المرصوصة فوق التَّسْرِيحَةُ المقابلة لسرير نومه، ورش  كمية من العطر العبق الجميل على ثيابه ووجهه ويديه، وخرج من غرفة نومه إلى غرفة الجلوس، ليجلس على أريكته المفضلة، وأمسك بالمصحف المسجى على جانب الأريكة ودس المسبحة بين أصابع يده اليسرى، ثم أخذ يُقلب فى صفحات المصحف سريعاً، حتى وصل لموضع معين كان قد ترك فيه ورقة صغيرة كى تحفظ له مكان الآيات التى يرغب فى العودة إليها. فتح النسر المصحف على الصفحة التى خلف فيها ورقته وقال للجرذ:

 

v   " انك تعلم مايجب عليك عمله الآن ".

 

v   " نعم يا سيدى، سأقف على باب المغارة لأُراقب وصول الرجال، وعند اقترابهم من باب المغارة، أُبلغك بمقدمهم لتشرع فى قراءة القرآن، اليس ذلك ماتعنيه ياسيدى ؟ ". قال الجرذ للنسر.

 

v   " نعم، نعم ". قال النسر ذلك ثم أمسك بالريموت كونترول الخاص بالتليفزيون وضغط على زر التشغيل.

 

وبعد مضى ثلاثين دقيقة دلف الجرذ إلى المغارة مسرعاً، ليبلغ النسر بوصول الرجال، فما كان من النسر إلا أن ضغط على زر اطفاء التليفزيون، وبسرعة أعاد الريموت كونترول إلى المنضدة التى أمامه، ثم أمسك بالمصحف المفتوح على الآيات التى يريد قراءتها، وماهى إلا لحظات حتى دخل إلى المغارة الرجال الثلاثة، وفى نفس اللحظة كان النسر قد غمس نظره فى المصحف وبدأ يرتل الآيات التى أمامه:

 

v   " الشيطانُ يَعِدُكُمُ الفَقرَ وَيَأمُرُكُم بِالفَحشَاءِ واللَّهُ يَعِدُكُم مَّغفِرَةً مِّنهُ وَفَضلاً وَاللَّهُ وَاسِع عَلِيمُُ، يُؤتِى الحِكمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِىَ خَيراً كَثِيراً وَمَايَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُواْ الأَلبَابِ .. " صدق الله العظيم، قالها النسر وهو يطوى المصحف الكريم قاطعاً قراءته رافعاً بصره نحو الرجال الثلاثة الذين بادروه بالتحية:

 

§       " السلام عليك أيها النسر الطيب ". قال أحد الرجال الذين دخلوا مغارة النسر ورددها الآخرون وراءه.

 

v   " وعليكم السلام والاكرام ". قال النسر رداً على تحية زائريه. " تفضلوا بالجلوس ، مرحبا بكم .. أهلاً وسهلاً ".

 

جلس الرجال على المقاعد الوثيرة الموزعة على جانبى الأريكة التى يتربع عليها النسر، وقال أحدهم موجهاً كلامه للنسر:

 

§       " نحن فى الحقيقة .. ".

 

v   " اننى أسف على مقاطعتك، ماذا تشربون ؟ ". قال النسر.

 

§       " لايهم، فلا تكلف نفسك .. " قال أحد الرجال.

 

v   " لا يمكن ، لابد ان تشربوا شيئاً، مارأيكم فى بورتيللو أو رانجاتا باردة،  فبعد المسافة الطويلة التى قطعتموها فى هذا الحر الشديد، ومعاناتكم فى تسلق الجبل ومشقته فأظن انكم فى أمس الحاجة إلى مشروبات باردة ". قال النسر ذلك وصاح مناديا على الجرذ، وماهى إلا لحظة حتى كان الجرذ حاضراً أمام النسر .

 

v   " نعم يا سيدى ". قال الجرذ للنسر.

 

v   " أحضر لنا أربعة زجاجات بورتيللو ورانجاتا من الثلاجة، ولا تنسَ أن تحضر بعضاً من البيتى فور والكعك والمقروض ". قال النسر للجرذ.

 

هز الجرذ رأسه بالايجاب وعاد ادراجه إلى المطبخ. التفت النسر إلى الرجل وقال له:

 

v   " تفضل ، لقد كُنت تريد ان تقول شيئاً، أكرر أسفى على مقاطعتك ".

 

§       " لاعليك، ساحاول ألا أُطيل عليك ياشيخ النسور، أنك كما تعلم، فإن الأوضاع فى الامبراطورية التى يحكمها التماسيح تردت إلى مستوى لايتصوره أو يتخيله عقلٌ، ولم يعد هناك أحدا من مواطني الامبراطورية بشقيهم البشر والأرانب، يطيق صبراً على هذه الحالة المزرية التى وصلت إليها البلاد. وكما تعلم، فإنه لم يعد لنا من أمل سوى ما تركه الأجداد من تراثهم التعليمي، والذى يرى ان خلاص المواطنين من التماسيح، والقضاء عليها يتبلور فى مدى قدرتهم على التحول إلى أسود، لأن التماسيح تخاف الأسود، وترتعد فرائِصُها منها. لهذا فقد أتينا إليك أيها النسر العظيم أملين فى الحصول على عونكم ومساعدتكم فى الخلاص من حكم التماسيح، فنحن نعلم بمقدار كرهكم لها وتمنيكم الخلاص منها مثلما نحن نتمنى ذلك ". قال الرجل للنسر .

 

وبينما كان النسر يهم بالكلام، دخل الجرذ يدفع أمامه عربة صغيرة على هيئة منضدة محملة بأطباق عليها أصناف الحلويات التى طلبها النسر وأربعة زجاجات من المشروبات الباردة، بجانبها أربعة أكواب من الكريستال الفاخر ومجموعة من مناديل الورق الفاخر.

 

v   " تفضلوا أيها السادة الكرام ". قال الجرذ للرجال، بعد ان وضع العربة بينهم واستدار فى طريقه إلى المطبخ.

 

v   " تفضلوا ". قال النسر مشيراً للحلويات والمشروبات التى أحضرها الجرذ.

 

§       " شكراً ". قال الرجل الذى كان يُحدث النسر، ومد يده إلى إحدى زجاجات البورتيللو وناولها للنسر ثم كرر ذلك مع زميليه.

 

v   " شكراً ". قال النسر للرجل بعد ان أخذ زجاجة البورتيللو منه، ثم أستطرد قائلاً: " اننا نحن معشر النسور، نحب الخير للجميع، ونعمل على مساعدة الجميع، نحن نعلم بمأساتكم، ونتألم من أجلكم، ونرغب فى مساعدتكم للخلاص من محنتكم. اننا نكره التماسيح، ونكره طيور الرخ، لكن حمداً لله ان الرخ قد انقرض وانضم لأجيال الحيوانات المندثرة مثل الديناصور والتنين .. ". توقف النسر هنيهة لبلع قطعة من المقروض.

 

أستطرد النسر قائلاً:

v   " لقد شاءت الأقدار أن تكون التماسيح ضمن الحيوانات التى كُتب لها البقاء. حيث حالفها الحظ ولم تنقرض، وساء بذلك حظ مخلوقات الأرض الأخرى، التى كُتب لها أن تعاني على مر العصور من جبروت ظلم التماسيح وإستبدادها، فهاهى تطرح بيضها وتُخلف صغارها، وتعيث فى الأرض فساداً. نحن لا نخاف التماسيح، فهى لا تستطيع ان تمسنا بسوء، فالله منحنا قدرة الطيران، نحن بمنأى عن شرها، لكننا معشر النسور نكره التماسيح ونتمنى زوالها، هل تعرفون لماذا أيها الرجال ؟ لأنها آذتكم، ونهبت أرضكم، واستحوذت على ثرواتكم، وهتكت أعراضكم، وتعدت على حرماتكم، فنحن نكرهها من أجلكم، ومن أجل مافعلته بكم ".

 

§       " لهذا السبب نحن هنا أيها النسر الطيب، نسأل مساعدتكم فى القضاء على التماسيح وتحرير البلاد من طغيان ظلمها ". قال الرجل للنسر.

 

v   " ليست هناك أية مشكلة، فنحن على اهبة الاستعداد لتقديم العون لكم. لكن عليك أولاً أن تشرح لي خطتكم التى تنوون القضاء بها على التماسيح، وما هو الدور المطلوب منا لمساعدتكم فى ذلك ؟ ". قال النسر هذا، ومد يده الطويلة نحو طبق المقروض وأخذ منه قطعة وضعها فى داخل فمه ثم بلعها دون ان يكلف نفسه مشقة مضغها.

 

§       " اننا نطمع منكم ان تهاجموا التماسيح عند خروجها للبر لحضور إحدى الاحتفالات التى تقيمها من آن لأخر فى أرض الامبراطورية، وهذا الهجوم سيحفز المواطنين ويشجعهم فيثورون بدورهم ويقضون على التماسيح التى ستفقد السيطرة والتحكم فى سير الأمور. فى ذات الوقت سنكون نحن جاهزين للسيطرة على زمام الموقف، وتولى مقاليد الحكم فى البلاد ". قال الرجل للنسر ذلك ومد يده إلى طبق الكعك، وأخذ واحدة دسها فى فمه وبدأ يمضغها.

 

 

أضغط هنا، للإطلاع على الجزء الثاني من هذه المقالة.

 

أضغط هنا للإطلاع الجزء التمهيدي لهذه المقالة: " دموع التماسيح وزئير الأسود فى مدينة الأرانب ".

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان