سرابيات وأوهام

نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط

كتابات أعجبتني

سرابيات وأوهام

محي الدين اللاذقاني

 

 

ذات حقبة قريبة قال نزار في واحدة من قصائده السياسية التي سادت ثم بادت لتغير الظروف والأحوال: مقتلنا يكمن في لساننا. فكم دفعنا غاليا ضريبة الكلام. وخلافا لهذا الاعتقاد الذي يسر إدارات الضرائب ويوحي بتضخم دخولها لا أظن أننا ندفع، ناهيك أن نعترف بضريبة الكلام، فالكلام ليس عليه عندنا ضرائب ولا رباط.

 

على العكس من هذا الزعم المتسرع لشاعر نحبه حيا وميتا كان الكلام عند فئة منا من أرخص البضائع فقد تعودت ثقافتنا منذ أيام شعراء المديح إلى أيام كتاب التمسيح على أن تبيعه بالثمن البخس، فبشار أكبر شعرائنا كان يمدح في سبيل بيضة وقدح زيت، فيما كان آخرون يكتفون بكمشة تمر وحفنة زبيب.

 

إن ابتذال اللسان من ابتذال العقل، فالعاقل يزن كلامه بميزان الذهب، والجاهل بميزان التبن والقش لذا ترى الثاني يعوم بلسانه يمينا وشمالا من دون أن تخرج منه بزبدة الكلام ولا عسله ويقول كلاما ضخما مهيبا أحيانا لكنه بلا طعم وغالبا بلا معنى.

 

المشكلة ليست هنا فحسب، فالهذر مقبول للتسلية والبحث عن المعاني العميقة المعبر عنها ببلاغة معجزة جزء من هموم النخبة لا العموم، لكن هؤلاء وأولئك يتفقون في شيء واحد فالطرفان أبناء مجتمعات تهتم باليقينيات وثقافة الأجوبة الجاهزة من دون أي عناية بثقافة أو فن السؤال، وهذا جزء لا يستهان به من معضلة الكلام الذي أجله بعضنا الى درجة تأسيس علم باسمه ونزل به آخرون، من شدة الاستهانة به، إلى أسفل سافلين.

 

وأظنها صارت قديمة حكاية الكومبيوتر العجيب الذي خزنوا فيه جميع الأجوبة عن كافة الاشكاليات وصار الناس يأتونه فيجيب عن كل قضية بدقة وإتقان، إلى أن جاءه عراقي وسأله: شاكو ماكو أغاتي؟ فتلخبط حال الكومبيوتر وتصاعد منه الدخان وأصيب بالسكتة القلبية من هكذا سؤال.


ودعك من الكومبيوترات وخلينا في الناس فنحن ـ أقصد أغلبيتنا ـ نزعم أننا نعرف جميع الأجوبة عن أية مسألة، لكننا نادرا ما نعرف كيف نطرح السؤال بصيغته الدقيقة التي توصلنا إلى نتيجة وغالبا ما نرد بأي كليشيه أو كلام على أي سؤال مهما كانت سطحيته أو عمقه حتى لا نعترف بأننا لا نعرف الجواب.

 

من جراء هكذا ظروف ولأنه ليس هناك من يحاسب ضريبيا وأخلاقيا على مسؤولية الكلام ضعنا وأضعنا فكاتبنا ولشكواه الدائمة من نقص هوامش الحريات أوغل في الغموض والرمزية، وشاعرنا ولأنه لا يبحث إلا عن التصفيق صارت القافية عنده أهم من الفن والإنسان، أما السياسي ـ وذاك ما كان ينتقده نزار قباني ـ فصار منتجاً للداء بدل المساعدة على إيجاد الدواء.

 

فالسياسة في الممارسة العربية المعاصرة تؤزم المعضلات لتستثمر جمودها بدلا من المساهمة في حلها مهما كانت بساطتها، في السياسة ولكثرة تكرار الخطب البليغة صار القائد أهم من القضية، والشعار أهم من الحقيقة لذا نادرا ما تعثر بعد السرابيات وحفنة الأوهام المعروضة بأشكال مختلفة في جميع الدكاكين والأشرطة النضالية على أي كلام مفهوم ومحدد في أي خطبة أو بيان سياسي عربي.

 

مقتلنا في لساننا نعم. وفي آذاننا أيضاً فلو صممناها عن سماع الوعود المعسولة ودربناها على عدم تصديق تجار الكلام في السياسة والأدب لما انتقلنا من مصيبة إلى أخرى ومن إحباط إلى قنوط ولما فقدنا الإيمان بالكلمة التي جاءت في البدء لتغير وتبدل عالم البشر باتجاه الأفضل فحولناها بعد تشويه صدقها وتفريغها من المعنى إلى هذر وهراء.

 

 

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on October 3, 2008, in كتابات أعجبتني. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: