دور المثقفين فى المجتمع

نقلاً عن موقع ليبيا وطننا
 

 
دور المثقفين فى المجتمع
بقلم: عبد المنصف البوري
 
 
لايمكن تصنيف المثقف على انه مثقف مالم يكن لديه موقف من الحياة، وعلى وجه الخصوص ان يكون صاحب موقف فى المجتمع الذى يعيش فيه ويحيط به، ويتفاعل معه، ويتأثر به ويؤثر فيه، بحيث يكون وفيا لرسالته فى التوجيه والتوعية، بأعتبار المثقف الملتزم هو الضمير ،الحى الذى يعبر عن الالام والاحاسيس والمشاعر والاحلام والطموحات لشعبه.
 
فى ليبيا هناك ظاهرة غريبة تبدو أكثر وضوحا عن غيرها في بقية الدول العربية، وهي ظاهرة إرغام غالبية المثقفين الليبين، للتخلى عن أدوارهم في المجتمع الذي ولدوا وتربوا وترعرعوا فيه، ومحاولة قطع صلتهم بالوطن بحيث لاتتجاوز هذه الصلة التواجد المكاني المجرد فقط، وجعل علاقتهم به وبالمجتمع ككل لاتعرف معنى الإنتماء الى الوطن، بكل ما يمثله هذا الإنتماء من حقوق وواجبات، ومايتطلبه من روابط وعطاء وبذل وتضحيات.
 
لقد فضل العديد من المثقفين فى ظل حكم القذافى التقوقع والإنعزال، دون ان يعنى ذلك الإنقطاع النهائى والكامل من التعاطي مع المجتمع، والبعض منهم فهم هذا التعاطي بالبحث عن مخرج، عبر الخوض في مجالات وكتابات ومناقشات ثانوية، لاتأثير لها على حياة وظروف ومعيشة وهموم المجتمع في الحاضر والمستقبل، كمحاولة للهروب من مواجهة الواقع القمعى المفروض.
 
وفي ظل هذا الظروف الغير عادية، سمح لبعض هؤلاء المثقفون ان يخوضوا في كل شيء، إلا الواقع البائس الذي يعيشون فيه، يخوضون في الأدب والشعر والفن، وفي التاريخ والجغرافيا،وفي الكثيرمن القضايا والموضوعات التنظيرية، ويتركون عن قصد أو يبتعدون بوعى عن أهم القضايا والمشكلات التي تنخر في جسم المجتمع، كل هذا يتم حتى لا يتجرأ هؤلاء المثقفون، أو حتى بعضهم بأن يبدي وجهة نظر أو إعتراض أو احتجاج،أو تنبيه وتحذير، أوتحريض بتغييرماهو قائم من ظلم و ممارسات خاطئة.
 
بالطبع لا أحد ينسى أنه في السبعينات، دفع عدد كبير من المثقفين من مختلف الاتجاهات السياسية والإنتماءات الفكرية، اليسارية والبعثية والقومية والإسلامية وغيرهم من الوطنيين المخلصين ثمنا باهضا، من حياتهم وأعمارهم في السجون والمعتقلات ، كما تعرضت اسرهم وذويهم لكثير من الصعاب والمضايقات والمشكلات والآلام.
 
لقد مضت اربعة عقود من الزمن والعالم من حولنا يتغير ويتبدل، ومع ذلك فان السلطة القائمة فى ليبيا لم تغير من سياساتها، حتى لا يتمكن المجتمع الليبي، من أن يفرز جيلا أخرمن المثقفين اكثر صلابة، واكثرتحدى، واكثر قدرةعلى مواجهة الواقع الظالم المفروض،واكثراصراراعلى انتزاع الحقوق المسلوبة واستردادها،وتصحيح المسارات الخاطئة.
 
وفي هذا السياق تبرز أسئلة تدور حول نوعية "المثقف" الذى تريد السلطة القائمة فى ليبيا تشكيله لكى يتطابق معها ؟ ولماذا استهداف المثقف بالذات ؟
 
لا أحد في ليبيا ينكر أنه منذ السنوات الاولى للانقلاب كان قمع السلطة وتعسفها، وغلق الأبواب أمام حرية الرأى والتعبير، والوصايه على مختلف أشكال الفكر والإعتقاد، قد أرغمت الكثير من المثقفين على اللجوء لإختيارات مريرة لدى بعضهم، مثل حالة السكون والتقوقع والإنعزال، في حين اختار آخرين من الخائفين والخانعين البحث عن لقمة العيش، عبردروب الإستسلام والقبول بالأمر الواقع، بكل مافيه من أخطاء ومظالم، والبعض الأخر اختار ان يحقق طموحه ويركض وراء المنافع الشخصية والمناصب عبر كتابة التقارير، أو النفاق والرياء او المتاجرة بالشعارات، أى ان بعض المثقفين أصبحوا في حالة من التدجين، حتى افرزت السلطة ما يسمى بالمثقف المرواغ، والمثقف الزئبقى،الذى يحاول اقناع المجتمع باختيارات السلطة، حتى لو غيرت هذه السلطة مواقفها واختيارتها من النقيض الى النقيض، هولاء "المثقفين" المدجنين اصبحت مهمتهم التبرير وليس التفكير،والدفاع عن السلطة وليس القضايا والهموم التى تهم المجتمع.
 
ولكن لماذا استهداف المثقف بالذات ؟ فهو أولا واخيرا مواطن عادي مثله مثل غيره من المواطنين، فلما يقع اللوم عليه فقط دون غيره من افراد المجتمع ؟
 
من الناحية الواقعية والفعلية لاخلاف على أن المثقف هو مواطن مثله مثل بقية المواطنين، ولكن هناك فوارق تميزه أو بمعنى أصح قد تفصله عن غيره، فهو يمتلك علما وثقافة وفكرا، ويفترض أن لديه وعيا وإدراكا أكثر من غيره لمحيطه وواقعه الذي يعيش فيه، ولديه رؤية شاملة أو جزئية أو على اقل تقدير لدية القـدرة على أداء دور تنويري عبر توضيح الحقائق وكشف الأخطاء وإبرازها، ولديه إمكانية طرح وجهة نظر شخصية لحلول وتصورات لقضايا ومشكلات المجتمع، وكيفية التعامل معها، ومواجهتها واقتراح الحلول لها، وعلى هذا الأساس فإن العديد من المثقفين يمتلكون رصيدا كبيرا من العلم والمعرفة والإطلاع التي يمكن توجيهها لخدمة المجتمع.
 
فى هذه المرحلة بالذات ان الشعب الليبى احوج مايكون لسماع اصوات المثقفين، ورؤية كتابتهم، التى توجه المجتمع نحو معانى وقيم الحرية، الحرية الشاملة التى لاتتجزأ ولاتنقسم، من اجل ايجاد المواطن الواعى المدرك لحقوقه وواجباته نحو المجتمع والوطن، والقادرعلى بذر وزرع قيم الخيروالعدل والمساواة والشهامة والكرامة والمروءة والعزة.
 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on October 21, 2008, in كتابات أعجبتني. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: