حكاية الآنسة مي في ذكراها

مقالة للكاتبة: صافي ناز كاظم
مولدها: 11 فبراير 1886 .. وفاتها: غروب 19 أكتوبر 1941

 

في 19 أكتوبر تمر الذكرى 67 على رحيل الآنسة مي، واحدة من أهم الأديبات العربيات في القرن العشرين، إن لم تكن أهمهن على الإطلاق.

هي ماري إلياس زيادة، الأديبة والمفكرة والشاعرة والخطيبة والموسيقية التي اشتهرت بدورها الريادي في الحركة الأدبية والثقافية في مصر منذ وصولها إليها في الثانية والعشرين من عمرها مع والدها ووالدتها، قادمين من مدينة ميلادها الناصرة بفلسطين. كان والدها قد رحل من بلدته «شحتول» بلبنان الى فلسطين، حيث تزوج من والدتها «نزهة معمر» الفلسطينية، وتمت ولادة ابنتهما ماري في 11 فبراير 1886.

كانت مصر في تلك الفترة تستقطب مثقفي الوطن العربي الذين جاؤوا بمشاريعهم الثقافية والأدبية والصحافية يلوذون بطقس الحرية والسماحة الذي كانت تمثله مصر للجميع، ويساهمون في حركة نهضتها.

جاءت الابنة النابغة مصر مشروع أديبة تكتب بالفرنسية، بتوقيع «إيزيس كوبيا»، فحولتها مصر الى أديبة تكتب بالعربية، بتوقيع الآنسة مي، الذي اقترحته أمها مأخوذا من الحرف الأول والأخير من اسمها «ماري». تعرفت «مي» على أستاذها أحمد لطفي السيد، الذي قادها الى برنامج مكثف لدراسة اللغة العربية والخط العربي، والتحقت بالجامعة المصرية، ودرست الفلسفة الإسلامية واللغة على يد أساتذة من الشيوخ. كان والدها مارونيا وأمها أرثوذكسية، فنشأت مسيحية متدينة التدين الخالي من التعصب المذهبي وغيره: متسامحة، عطوفة، متفهمة للاختلاف، محترمة لكل العقائد، تذكر في كل حين وفي كتاباتها إجلالها للقرآن الكريم، الذي وهبها الفصاحة وأخرجها من العجمة.

ألفت 15 كتابا غير الأشياء التي لم يتم تجميعها. قدمت لأول مرة في التأليف العربي الحديث ثلاث دراسات مهمة ورائدة عن الأديبات «باحثة البادية ملك حفني ناصف» و«عائشة التيمورية» و«وردة اليازجي»، وهي من المراجع المهمة لكل باحث في تاريخ تلك الأديبات. الى جانب نشاطها في الكتابة والخطابة، أقامت «الآنسة مي» صالونها الأدبي الذي غطت شهرته على جوانبها الإبداعية الأكثر أهمية، واستمر هذا الصالون الثلاثائي من سنة 1911 حتى 1931، تقريبا، قبلة كل أدباء ووجهاء الثقافة في ذلك العصر، كما اشتهرت مراسلاتها الأدبية مع الكثيرين من أصدقائها الأدباء والشعراء، ومن أشهرهم جبران خليل جبران ـ وهي حالة إيحاء بالحب خاض فيها الجميع رغم أنهما لم يلتقيا أبدا، وكان لجبران حكاياته البايخة مع نساء أخريات ـ وكذلك مراسلاتها مع عباس محمود العقاد، وعلى الرغم من أهمية هذه المراسلات، إلا أنها بدت وكأنها كانت النشاط الأدبي والحياتي للآنسة مي، حتى ظن البعض أنها لم تكن سوى العاشقة أو المعشوقة، وهذا يرجع الى الأقلام التي تجاوزت في تحليلها المراسلات من الحدود الواقعية الى خيالات الظن المؤدية إلى دروب الكذب والزور والبهتان.

تعرضت الآنسة مي بعد وفاة والدها 1930، ثم وفاة أمها 1932 الى حالة من الحزن المنطقي، ووجدت نفسها وحيدة ببيتها من دون حماية وحدب والديها، فقررت إلغاء ندوة صالونها الأسبوعية كل ثلاثاء، لكنها لم تنقطع عن التأليف والكتابة والتواصل الثقافي، حتى يذكر لها قيامها بعقد مصالحة بين طه حسين والزيات في بيتها عام 1935، إلى أن يأتي اليها ابن عمها جوزيف من لبنان، يسألها عن أملاكها وأموالها ويرشح نفسه مديرا لأعمالها، فلما أكدت له أنها لا تملك إلا حسابات بسيطة دس عليها جواسيسه ليستطلعوا خبايا أموالها، ومنهم قريبة أحضرها لتقيم معها بزعم أنها خادمة لترعى شؤونها! وكان لوالد مي قطعة أرض ببلدته شحتول استولت عليها عائلته، مما جعله يحذر ابنته من الثقة بأقاربه أو أقارب أمها، ومع ذلك لم تجد مي مانعا من فتح بابها لابن العم الذي استطاع بالخديعة أن يلتف حولها لتوقع له على توكيل يخول له التصرف باسمها وبدعوى الترفيه عنها استدرجها الى لبنان لتجد نفسها في قبضته يدخلها مستشفى العصفورية بقميص المجانين.

لم تتوقع الآنسة مي هذا التطور المفاجئ في مسار حياتها الكريمة الهادئة الموشاة بالأمانة والنظافة والرقي ورفاق الثقافة وتدليل الوالدين وتبجيل الأصدقاء، لتصبح في سن الـ49 مسجونة مع المجانين بلا حول أو قوة ومحجور عليها بحكم قضائي نافذ في لبنان ومصر، فأضربت عن الطعام عسى أن تتنبه الأوساط الثقافية في مصر ولبنان لمأزق السجن الرهيب الذي ألقاها أهلها فيه ظلما وكذبا وبهتانا طمعا فيما تملك، ولم يتحرك أحد! اندهشت مي لسرعة تصديق أصدقائها لتهمة الجنون التي ألصقت بها مما جعلها تقاطعهم جميعا حين فرج الله كربها بواسطة التاجر الفلسطيني مارون غانم الذي دبر بإحكام ما سمته «مؤامرة إنقاذها» من محنتها التي استمرت ثلاث سنوات رأت فيها، كما قالت: «أكثر جوانب النفس البشرية إظلاما وقسوة وشرا»!

مراجع هذا الكلام المختصر جدا عن الآنسة مي: «مي زيادة أو مأساة النبوغ»، سلمى الحفار الكزبري، مؤسسة نوفل، 1987، و«مي زيادة في حياتها وآثارها»، وداد سكاكيني دار المعارف، 1969، «صنعة لطافة»، صافي ناز كاظم، دار العين، 2007، الصفحات من 157 الى 194.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on October 31, 2008, in كتابات أعجبتني. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: