الأديان بين الإيمان بها والإنتماء إليها

فرج الفاخري

كتابات دينية

 

الأديان بين الإيمان بها والإنتماء إليها

 

فى هذا السياق أجد نفسي أستعين بقصة صغيرة حدثت على أرض الواقع، لما فيها

من دلالة تعكس هذا الجانب فى أذهان البشر، وفى نفس الوقت تفرز حكمة صدرت

عن بطلة هذه القصة وهى سيدة طاعنة فى السن كانت تعيش فى أحد شوارع مدينة

بنغازي فى زمن بعيد تفصلنا عنه عقود طويلة.

 

 

لم تكن رسالة الإسلام هى البداية لتعريف البشر بخالقهم، لكنها كانت خاتمة الرسالات، وكان نبيها خاتم المرسلين، فقد كان هناك أنبياء عديدين قد سبقوا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فى تبليغ أقوامهم برسالة الله لهم، ولعلنا نعرف منهم ـ فقط ـ مع ما يتواكب مع معرفتنا المحدودة لتاريخنا الطويل، أو بما جادت به علينا الكتب السماوية الثلاث (القرآن والأنجيل والتوراة)، والتى أقتصرت فى ذكرها لهم على: آدم ونوح وهود وصالح، وإبراهيم ولوط وإسماعيل واسحاق ويعقوب ويوسف، وشعيب والياس وإدريس واليسع وذا الكفل، وأنبياء قوم ياسين الثلاثة، وأيوب ويونس وموسى وهارون، والخضر وداود وسليمان وعزيز وزكريا ويحى، وعيسى ثم محمد، عليهم جميعاً افضل السلام.

 

وتعد الرسالات السماوية الثلاث المعروفة لنا ـ الإسلام والمسيحية واليهودية ـ مكملة لمنهاجية بعضها البعض، ومتواصلة ببعضها من أجل إنجاز مهمتها فى تبليغ أبناء البشر برسالة خالقهم. ومن هنا فإن الإسلام لم يلغ الأديان التى سبقته، بل عززها وبنى عليها، وهذا واضحُ فى قول الله تعالى: « الم، اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ».

 

ورغم ذلك، فإننا نجد كثيراً من أتباع كل دين من هذه الأديان الثلاثة يرون فى أنفسهم أصحاب الحق الإلهي فى دخول الجنة الموعودة دون سواهم، وهذا يخرج مفهوم فكرة الإيمان، ومفهوم فكرة العقيدة، ومفهوم فكرة الأديان من معانيها التى أرادها الله لعباده؛ فالله ـ فى واقع الأمر ـ لم يميز بين خلقه، أو رسالاته، أو رسله. فقد أنزل رسالاته من أجل خلقه جميعاً، وأرسل أنبيائه لمهمة واحدة وهدف واحد، هو تبليغ هؤلاء الخلق بتلك الرسالات.

 

إن الله تعالى قد ختم رسالاته لخلقه بالإسلام، وجعل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء. وهذا بالتالي يجعل من الدين الإسلامي ـ كخاتم للرسالات الإلهية، وكعقيدة محفوظة البيان ـ الحلقة الآخيرة، فى خطاب الله لعباده، ويجعله التكملة النهائية فى الإرشادات السماوية، التى نزلت من أجل تصحيح التحريفات التى طرأت على ما سبق من رسالات. ولكن من ناحية أُخرى، لا يعنى ذلك، بأي حال من الأحوال إلغاء إيمان أتباع الديانتين السابقتين بما فطرت عليه أنفسهم من تعاليم، وردت لهم فى ديانتيهما، كما أن ذلك لا يلغى نقاء توجهاتهم إلى الله من خلال ما ورثوه من عقائد ولدوا بها، وفطروا على تعاليمها وإرشاداتها.

 

ومن السذاجة بمكان أن يظن المرء بأنه لا توجد بعض الإختلافات الفارقة بين الدين الإسلامي والديانتين اليهودية والنصرانية. ولكن ذلك لا يعنى أن هناك إختلاف فى القيم الأساسية التى تقوم على تنظيم حياة الإنسان ودفعه إلى التعامل بالحسنى مع سائر المخلوقات البشرية فى جميع الأديان الإبراهيمية، بل وفى معظم الأديان الأخرى، وهذا هو الأساس الذى تقوم عليه رسالة الأديان كما أرادها الله أن تكون.

 

غير أن الإنسان ـ كما هى عادته ـ منذ أن خُلق، وعبر مراحل مسيرته الطويلة، لم يألو جهداً فى الإعراض عن هذه القوانين السماوية التى أنزلت عليه من أجل أن تنظم له مسار حياته على الأرض، والتى تشتمل عليها الأديان السماوية. كما أنه لم يدع الفرصة تفلت من يده فى تغيير تعاليمها وإرشادتها السامية بما يخدم أغراضه وأطماعه وأنانيته المحصورة فى خدمة نزعته العنصرية تجاه الأجناس البشرية الأخرى، التى تشاركه العيش على الأرض، لكنها تختلف عنه فى العرق أو اللون أو الثقافة أو غيره.

 

وبإستثناء الإسلام الذى حُفظ بيانه (القرآن) ليسلم من التحريف والتغيير، حيث لم يطل التحريف نصوصه، لكنه رغم ذلك وجد طريقه وضالته فى جانبي التفسير والتأويل والأحاديث النبوية. وقد كان لذلك نتائجه الصدئة على أتباعه، والتى أفرزت شيع وفرق مختلفة ومتنازعة تحاول كل منها ـ على حدة ـ إثبات صحة توجهاتها وتفسيراتها لنصوص هذا البيان وما يلحقه من أحاديث يرتقى الشك إلى صحة الكثير منها.

 

نجد من ناحية أخرى إن التحريف الذى أصاب الديانتين الآخريتين ( اليهودية والمسيحية) يرقى إلى صلب النصوص المقدسة ذاتها، مما كان له أثره فى تشكيل العلاقات الإنسانية بين أتباع هاتين الديانتين وأتباع الدين الإسلامي على وجه الخصوص، وبقية البشرية على وجه العموم. ولعل أوضح أوجه العنصرية وأقبحها هى تلك التى علقت بالدين اليهودي بسبب عبث أتباعه عبر العصور فى تحريف نصوص التوراة، لتشمل بعض الأبعاد العنصرية تجاه الآخرين من أتباع الأديان الأخرى وعلى الأخص أبناء العمومة فى حركة صراع الأجيال على الحضارة المنشودة.

 

ومهما يكن من أمر هذه التحريفات، فإن المسلم لا يستطع أن يؤمن بالقرآن دون أن يؤمن بالإنجيل والتوراة، ويؤمن ـ فوق ذلك ـ بأنها جميعها قد نزلت من عند الله « شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ».

لكن الذى يبعث على الآسف فى هذا المضمار هو إختلاف بعض أتباع هذه الفئات الثلاث مع بعضهم البعض الآخر فى منافسة شديدة يراد بها إعلاء شأن دين كل مجموعة منهم على حدة على حساب أديان الآخرين، لإعتقادهم بصحة دينهم وبطلان صحة عقائد الآخرين.

 

وفى هذا السياق أجد نفسي أستعين بقصة صغيرة حدثت على أرض الواقع، لما فيها من دلالة تعكس هذا الجانب فى أذهان البشر، وفى نفس الوقت تفرز حكمة صدرت عن بطلة هذه القصة وهى سيدة طاعنة فى السن كانت تعيش فى أحد شوارع مدينة بنغازي فى زمن بعيد تفصلنا عنه عقود طويلة.

 

وكانت هذه السيدة لها أبنة توفى عنها زوجها وهى حامل بإبنه الوحيد، وترعرع حفيد هذه السيدة فى ظل عنايتها وعناية ورعاية أبنتها، ولم يكن مستغرباً أن يكون هذا الطفل مدللاً إلى حد مفرط. وكانت جدته هى التى تتولى رقابته إذا خرج للعب فى الشارع مع أقرانه، وقد كانت لا تسمح له بالأبتعاد عن عتبة البيت إلا بمقدار أمتارٍ قليلة من فرط خوفها عليه.

 

وإذا حدث فى ذات مرة وأصابته لكمة أو ركلة أو مس بكلمة نابية من قبل أحد الأطفال الآخرين ـ كما هى عادتهم فى تلك الآونة ـ تطلق هذه الجدة كلماتها الثلاث، لا تغيرهن ولا تحيد عنهن، فتقول صادحة بأعلى صوتها لذاك المعتدى على حفيدها: "يا يهودي، يا نصراني، يا مجوسي". ثم تهرع نحو حفيدها تطيب خاطره وتمسح دموعه بكم ثوبها العربي الفضفاض.

وقد يتبادر إلى الذهن على الفور بأن هذه السيدة فى غمرة دفاعها عن حفيدها كانت تطلق ألفاظ يفوح منها رائحة العنصرية والمعاداة للأديان الأخرى، حيث جعلت من كلماتها الثلاث، التى من بينها ديانتين سماويتين (اليهودية والمسيحية بعد إستثناء المجوسية)، موازية لألفاظ التحقير التى تريد أن تصف بها المعتدين على حفيدها.

 

على الرغم من أن ذلك هو ما يتبادر لذهن المرء، عندما يسمعها تطلق تلك الكلمات فى حق من يعتدى على حفيدها. فهذا ما يوحي به الموقف فى ظاهره، إلا أن الحقيقة غير ذلك تماماً، حيث تجلت بدون مواربة، عندما سأل أحد الفتية الكبارـ فى مرة ـ تلك السيدة، عما تقصده من وراء إطلاق تلك النعوت كلما أرادت أن تسب أحد الأطفال المشاكسين، وهل اليهودي أو النصراني يعنيان لها الحقارة، ولذلك تصف بهما من تُريد أن تسبه أو تشتمه.

 

إبتسمت تلك السيدة ـ فى حينه ـ لذاك الفتى ثم قالت: " الإسلام دين رحمة وعطف ومحبة ومودة، والمسلم الحق يعطف ويرحم ويحب ويود أخاه. وبعض هؤلاء الأطفال لم يتعلموا أو يلقنون من أهاليهم معنى هذه القيم التى يكتنزها ويحتويها الإسلام فى رحاب تعاليمه السمحة، فتراهم يقسون على بعضهم البعض، ويتنابزون بالألفاظ البذيئة التى حرمها الإسلام ونبذها. وأنا لا أستطع ضرب أو شتم المعتدى، فهو طفل صغير مثل حفيدي، ولكن أدعو الله أن يهديه إلى مكارم الأخلاق الحميدة التى يحث عليها ديننا الحنيف. إذن ليس أمامي سوى أن أنبهه إلى أنه بتصرفاته البذيئة تلك كأنه يعلن للآخرين بأنه ليس مسلم، ولا يحمل فى نفسه تعاليم الإسلام وقيمه الكريمة ".

 

وتلتقط السيدة المسنة أنفاسها اللاهثة ثم تواصل قائلة: " والطريقة المثلى، التى وجدتها نافعة وذات مردود إيجابي، هى إستعمال أسلوب المواربة، أي أن لا أواجه الطفل من هؤلاء بالوعظ الرتيب الذى أعتاد معظم الأطفال على سماعه من ذويهم ومدرسيهم، بل أتبع معهم أسلوب مبتكر أقول فيه لمن يشاكس حفيدي بأنه يهودي أو نصراني أو مجوسي أو الثلاثة معاً، لكنه ليس على البتة مسلم، مراهنة فى ذلك على ردة فعله الرافضة لمثل هذا الوصف ".

 

فقال لها الفتى متسائلاً: " لكنكِ يا خالة كأنكِ بذلك قد وصفتى الأديان الآخرى بأنها أقل إلتزام بمكارم الأخلاق من الدين الإسلامي، وهى أديان سماوية مثلها فى ذلك مثل الإسلام، وتعاليمها تدعو إلى الفضيلة والتمسك بالقيم الأخلاقية مثل الإسلام، أوليس كذلك ؟ ".

 

فإبتسمت السيدة المسنة وقالت: " نعم يا بني. لقد صدقت فكلها أديان من عند الله، وأنا ليس لي أي أعتراض على الديانة اليهودية أو النصرانية، ولا أحمل تجاههما بغض أو كراهية، ثم أن ديننا يجبرنا على الإعتقاد بها كجزء من إيماننا بالله، وأنما نعتي لهؤلاء الأطفال بأنهم يهود أو نصارى هو نابع من محاولة خلق ردة فعل فى أنفسهم من خلال رفضهم لصفة النعت التى لا تنطبق فى الأصل عليهم، وأنا هنا لا أحاول أن أقلل أو أنقص من شأن هاتين الديانتين أو أسعى لتحقيرهما، ولكن لدى مغزى ومأرب من وراء هذا التصرف الذى أتبعه مع هؤلاء الأطفال المشاكسين، وهو يتلخص فى محاولتي مناوشة تلك الفطرة الكامنة فى الإنسان والتى تدفع به للتمسك بمعتقده الديني وتوقيره وإجلاله والدفاع عنه بإستماتة، والتى تشبه إلى حد بعيد طبيعة إعتزاز الأطفال بأمهاتهم وأبائهم، الذين يروهم كأحسن الأمهات وأفضل الأباء فى كل شيء، ويرفضون ولا يقبلوا ـ تحت أي ظرف ـ من الغير أن يقوموا بتحقيرهم أو التقليل من شأنهم ".

 

وتلتقط السيدة المسنة أنفاسها مرة أُخرى ثم تتابع حديثها قائلة: " وهذا ما أقصده من وراء نعت الأطفال المشاكسين بأنهم من أديان أخرى، حتى يثوروا ويرفضون بدافع من غريزة العقيدة الإسلامية المفطورين عليها مثل ذلك الوصف الذى يحولهم إلى معتنقي أديان أخرى غير دينهم الذى ولدوا به، فينفون بشدة إنطباق ذلك الوصف عليهم، ويفصحون أنهم مسلمين وليسوا يهود أو نصارى. ولعلمك يا بني، إن هذا الأمر لا يقتصر على أطفال المسلمين وينطبق عليهم وحدهم، بل يصدق بحذافيره على أطفال اليهود أو النصارى، ويفرز لنا نفس النتائج إذا ما حاولنا تطبيقه عليهم. أي أنه إذا قمنا ـ على سبيل المثال ـ بنعت طفل يهودي وآخر نصراني بأنهما مسلمين لأحتدا كلاهما وأستهجنا هذا النعت الذى يلبسهما دين غير دينيهما المولودان بهما، وسيقول لك الأول بحدة قاطعة بأنه يهودي، ويعقبه الثاني بالمثل قائلاً بأنه نصراني، ويعلنان لك ذلك بكل فخر وإعتزاز الفرد المؤمن بعقيدته ودينه ".

 

فقال الفتى للسيدة المسنة متسائلاً: " ولكن، ماذا تجنين يا خالة من وراء ذلك ؟ ".

 

ابتسمت تلك السيدة المسنة التى كان يكتسى وجهها ـ إلى جانب مسحة الطيبة ـ تجاعيد مزدحمة ومتلاصقة فى خطوط منتظمة رسمها الزمن على بشرتها بإتقان محترف، وقالت لسائلها: " أجني الكثير، فعندما أنعت الطفل من هؤلاء بأنه من أحد الأديان الأخرى غير الإسلام، يرد علي هذا الطفل بدافع من غريزته الثائرة لإنتمائه الديني، ويقول لي بإعتداد أنه ليس يهودي أو نصراني، وأنما هو مسلم، وهنا أتلقف الفرصة المواتية أمامي لألقنه درساً ربما يكون هو فى أمس الحاجة إليه، فأقول له لو أنك ترى نفسك مسلم لما قمت بتلك الفعلة، لأن المسلم يحب لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه، والمسلم يحترم مشاعر كافة البشر، والمسلم يعطف على أخوانه ويودهم ويتمنى لهم الخير، وهكذا أسترسل فى سرد المواعظ التى تشير إلى القيم الإسلامية النبيلة، والتى تُشعر هذا الطفل بعقدة الذنب على ما أقترف، وتؤدى به فى أغلب الأحيان إلى نبذ تلك الأفعال غير المستحبة ليثبت أنه مسلمُُ حقًُ ".

 

هكذا لخصت تلك السيدة المسنة فكرة قد يعجز بعض الفلاسفة والباحثين فى علم اللاهوت والأديان بلورتها بمثل تلك البساطة.

 

ولعل القارىء يستطيع أن يتلمس الفرق الذى يفصل بين فكر التوجه العنصري لكل ما هو مختلف عن ذواتنا أو عن معتقداتنا، وبين روح التسامح وقبول الآخر بثقافته ومعتقداته ولغته المختلفة عنا.

 

هذا الفارق الذى يفصل بين غلو المرء فى التعصب والتطرف بشطط جاهلي يدفع به إلى معاداة أديان نزلها الله على من سبقنا من البشر، وبين التصديق بتلك الأديان والإيمان بسماويتها كما أقرها الله لنا فى كتابه الكريم.

 

وإذا كان فى التصديق بهذه الديانات يكمن أحد أركان الإيمان الأساسية بالله وبرسالته التى أنزلها علينا، فأن المنطق يقتضى إحترام من يعتنقونها والقبول بهم كعباد لله الذى لا يختص به أصحاب دين بذاته أو قوم دون سواهم، فهو رب كل الأديان والعباد.

 

بمعنى آخر، إنه لا يمكن لنا العيش فى إطار فكرة عقيدية تشكل إحدى أسس الإيمان بالله وبرسالته، ثم نقوم بمناقضة روحها من خلال معاداة من يدين بها فى أرض الواقع. أي أنه لا يمكن لنا أن نؤمن بالرسالات السماوية ثم نعادي ـ على أساس ديني ـ من يؤمن بإحداها ويتخذها ديناً يرى فى أتباع تعاليمه تكمن الجادة التى توصله إلى الله.

 

والأهم من كل ذلك هو أنه يجب علينا التفريق بين تصرفات فئتين من الأفراد الذين يعتنقون تلك الأديان، فهناك فئة لا تتعدى عقيدتها الدينية ما هو مدون فى بيانات ووقائع سجلاتها المدنية، كشهادات الميلاد، وبطاقات إثبات الشخصية أو الهوية، وهناك فئة ثانية تحمل عقيدتها فى قلوب أفرادها وعقولهم؛ وفى هذه النقطة بالذات لا يختلف البشر جميعهم حتى وأن أختلفت أديانهم ومشاربهم العقائدية والفكرية.

 

ولتوضيح هذه النقطة وتقريبها إلى الذهن، علينا أن نتجاوز عالم الأديان الأخرى المختلفة عن ديننا، ونأخذ عالمنا الإسلامي كمثال تصدق عليه هذه المقاربة التى تصدق فى نفس الوقت ـ برمتها ـ على غيره من بقية الأديان الأخرى.

 

بمعنى أنه لو ألقينا نظرة على العالم الإسلامي المترامي الأطراف، فسنجده يعج بمثل هؤلاء الذين ينطقون الشهادة، ويؤدون مناسك العبادة، ويرددون تعاليم الله لهم بوجوب تبنيهم لسمات مكارم الأخلاق وحسن المعاملة كمنهج أساسي لا حياد عنه فى الحياة، لأنه شرط جوهري فى شخصية الفرد المؤمن. لكنهم ـ رغم ذلك ـ لا يعملوا بحرف واحد من هذه التعليمات الربانية، ويتجاهلونها كلية، ويتبعون نسق مغاير ومخالف ومناقض لكافة الإرشادات والأوامر الإلهية.

 

فتراهم يمارسون الغش فى المعاملة مع الغير، ويكرسون الكذب والزيف والتلاعب بالحقائق فى كل منحى من مناحى الحياة، وينافقون ويداهنون لأجل مصالح دونية وضيعة، ويسرقون الأموال الخاصة، وينهبون الثروات العامة، ويستولون على ممتلكات الغير، ويسيطرون على مقدرات مجتمعاتهم بجشع وطمع مقزز، ويقتلون أقرانهم بسبب أو بدونه، ويرتكبون الكثير الآخر من الفواحش والرذائل المنهى عنها فى تعاليم الله ووصاياه، دون أن يرمش لهم جفن أو تقشعر لهم أبدان أو يردعهم ضمير. وهذا كله يُعد تناقض كريه بين الإنتماء لعقيدة ثم العمل ـ فى نفس الوقت ـ على مخالفة تعاليمها الأساسية.

 

وهذا نجده بحذافيره منتشراً بين فئات مشابهة فى عالم الديانتين المسيحية واليهودية، فهناك ملايين من البشر يعتنقون الديانتين المسيحية واليهودية اللتين تنهى تعاليمهن عن إرتكاب الفواحش، ورغم ذلك نرى كثيرين من أتباعهن يمارسون مختلف الفواحش والرذائل المحرمة عليهم دون وازع أو رادع أو وخزة من ضمير.

 

والخلاصة من كل ما سبق ذكره تكمن فى أمرين:

 

أولهما: أن الدين فى أساسه قائم على هدف تنظيم حياة البشر فى ظل مجموعة من القواعد والإرشادات. وتُعد مناسك العبادة الجانب الروحي الذى يهيىء النفس ويطهرها من إمارتها بالسوء، وذلك من خلال إحساس المؤمن بتلك الصلة التى تربطه بالله، والتى يخلقها أدائه المنتظم لمناسك العبادة التى تقع الصلاة على رأس قائمتها. لكن الجانب العملي والذى تقوم فكرة الدين على أساسه، وهو المتمثل فى تنظيم المعاملة بين أفراد البشر، يفترض له أن يكون إفراز ونتيجة لإتباع القواعد والارشادات التى حث الله عليها فى مجمل تعاليمه التى نزلها على البشر، وفى ذات الوقت يُعد ربيب لتلك الصلة ـ بين المرء وخالقه ـ التى تكونت فى الأصل من إنتظام المرء فى أداء مناسك العبادة الروحية.

 

ومن هنا فأن نقاء وصفاء صلة الإنسان اليومية بربه، تخلق فى نفسه الرادع الوجداني الذى يمنعه من إرتكاب الشرور، ويدفع به إلى ممارسة أعمال الخير التى تدعو لها التعاليم الإلهية فى مضمون الرسالة الدينية المعنية.

 

وهذه الصلة ـ من ناحية أُخرى ـ لا يحس بها إلا المؤمن الحقيقي الذى ترتبط تصرفاته السوية بعبادته لله، وهى التى لخصها الله فى كتابه بالقول: « إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ »، بمعنى أن عبادة الله تجعل المؤمن على إتصال دائم بالله، يحرص معه على عدم إرتكاب المعاصى المنهى عنها، كما يحرص على إتباع مناحي الخير وسبله الحسنة.

 

بينما صلاة وعبادة أصحاب الفئة المنتمية للدين بحكم الوراثة ودون تشرب إيماني لعقيدته الربانية، هو عبارة عن ممارسة آلية لطقوس ليس لها إرتباط وجداني بمفاهيم الدين كما أنزله الله. أي أن العقيدة الدينية لهذه الفئة لا تشكل إيماناً صادقاً وجلياً فى نفوسهم، ولا ينعكس مفهومها الإيماني الصادق فى وجدانها، بقدر ماهو بيانات مدونة فى بطاقات هويتها تُشير إلى تبعية أفرادها إلى الدين المعنى.

 

ومن هنا نجد أن بعض أفراد هذه الفئة يؤدون مناسك العبادة كاملة، فيقربون الصلاة فى أوقاتها مثل غيرهم من المؤمنين الملتزمين بشعائر الدين عن إيمان صادق، لكنه فى ذات الوقت لا تعن لهم هذه الصلاة سوى أنها مجرد طقوس يتم تأديتها بآلية تامة، ومن ثم لا تخلق الصلة بينهم وبين بارئهم، ولا تقوم ـ هذه الصلاة ـ بدورها فى نهيهم عن إرتكاب الفحشاء والمنكر.

 

ثانيهما: يجب علينا أن نفصل بين الدين وبين من ينتمون له من أتباعه، فليس فى كل الأحوال يكون أتباع دين معين هم خير من يعبر عنه، بل العكس من ذلك هو الصحيح، فنظرة شاملة على عالمنا الكبير نجد فى سلوك وتصرفات البعض من أتباع الأديان الثلاثة ما يسيء إلى أديانهم بشكل بالغ الأثر، مما ينعكس فى إصدار أحكام سلبية على الدين ذاته من قبل الغير، ويُحمل ذلك الدين آثام أخطاء وإنحرافات أتباعه.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on November 1, 2008, in كتابات دينية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: