الثقافة ودرس الأدب

نبذة مقتطفة عن الثقافة
 

 

الدكتور: طه حسين

 

 

 

ولم أذكر شيئاً آخر كان ينبغى أن يجىء قبل هذا كله؛ لأنه أساسى لا لدراسة الأدب وحده، بل لكل دراسة علمية قوية منظمة، وهو هذه الثقافة العامة المتينة، التى لا يستطيع أن يستغنى عنها طالب الأدب، كما لا يستطيع أن يستغنى عنها طالب الكيمياء، بل كما لا يستطيع أن يستغنى عنها كل إنسان يريد أن يعيش عيشة راقية فى بيئة راقية.

 

ولعل حاجة الأدب إلى هذه الثقافة أشد من حاجة الدراسات الأخرى على اختلافها؛ فالأدب متصل بطبيعته اتصالا شديداً بأنحاء الحياة المختلفة، سواء منها ما يمس العقل، وما يمس الشعور، وما يمس حاجتنا المادية.

 

والأدب بطبيعته شديد الحاجة إلى المقارنات والموازنات. وليس من سبيل إلى التعمق فى الأدب على هذا النحو إلا إذا كان الطالب قد تمكن من هذه الثقافة المتينة الواسعة العميقة. وكيف السبيل إلى درس الأدب العربى إذا كان الطالب يجهل ـ كما يجهل طلابنا وشيوخنا ـ آيات الأدب الأجنبي قديمه وحديثه، هذه الآيات التى أثرت فى حياة الإنسانية كلها، والتى تغلغل العلم بها فى طبقات الشعوب الغربية كافة ؟!.

 

ولقد يكون من العسير أن تجد فى مصر شيخاً من شيوخ الأدب قد قرأ هوميرس أوسوفوكل “Sophocle”، أو أرسطوفان “Aristophane”، فضلا عن شكسبير “Shakespeare”، أو تلستوى ”Tolstoi”، أو إبسن “Ibsen”، ذلك عسير إن إن لم يكن مستحيلاً. وما رأيك فى أنك لا تكاد تجد فى فرنسا أو ألمانيا أو أنجلترا شابّاً من أوساط الناس لا يختص فى الأدب ولا يعنى بدراسته، دون أن يكون قد ألم من هذا كله بحظ لا بأس به.

 

وهنا نلاحظ أن شيوخ الأدب العربى فى مصر لم يقف الأمر بهم عند القصور على مهمتهم، بل تجاوزوا هذا القصور إلى ما هو شر منه: تجاوزوه إلى التقصير فيما كان القدماء أنفسهم يرونه أمراً لا منصرف عنه؛ فقد كان القدماء من أدباء العرب يرون ـ وشيوخ الأدب فى مصر يعرفون ذلك ـ أن الأدب هو " الأخذ من كل شىء بطرف ".

 

وليس لهذا معنى إلا أن القدماء كانوا يتخذون الثقافة المتينة الواسعة أساساً لكل بحث أدبى منتج. كان الجاحظ أديباً لأنه كان مثقفاً قبل أن يكون لغوياً أو بيانياً أو كاتباً. وليس من شك فى أن الجاحظ وأمثاله من الأدباء فى بغداد والبصرة والكوفة وغيرها من أمصار المسلمين، كانوا ـ إبان العصر العباسى ـ يتقنون قديمهم من لغة وأدب وفقه وحديث ورواية، وكانوا إلى إتقان هذا كله يحسنون الجديد، ويتصرفون فى كثير من فنونه.

 

كانوا يحسنون فلسفة اليونان وعلومهم، وسياسة الفرس، وحكمة الهند، وكانوا يحسنون التاريخ وتقويم البلدان. كانوا يأخذون من كل شىء بطرف، فكانوا أدباء، وكانوا كناباً، واستطاعوا أن يتركوا لنا هذا التراث الخالد. ولوعاش الجاحظ فى هذا العصر لحاول إتقان الفلسفة الألمانية والفرنسية، كما حاول فى عصره إتقان فلسفة اليونان.

 

أفتظن أن لشيوخنا حظّاً من الثقافة يشبه حظ أدبائنا القدماء أو يدانيه ؟ كلا ! هم يقولون إن الأدب هو " الأخذ من كل شىء بطرف " ولكنهم أبعد الناس عن أن يأخذوا من كل شىء بطرف. هم يجهلون القديم نفسه، فكيف الجديد ! وكم من شيوخ الأدب بمصر يستطيع أن يحدثك عن فلسفة اليونان التى عرفها العرب كما كان يتحدث عنها الجاحظ ومن إليه ! وإذا كانوا يجهلون القديم العربى؛ فكيف سبيلهم إلى الجديد الأوربى، فضلا عن القديم اليونانى واللاتينى والسامى ؟!.

 

فأنت ترى أن إتقان الأدب العربى والوصول بدراسته إلى حيث تنتج وتفيد، ليس من الأمور الهينة، وإنما هو يحتاج إلى هذه الثقافة التى أشرت إليها، وإلى كل هذه الدراسات التى أوجزت القول فيها إيجازاً.

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Advertisements

Posted on November 4, 2008, in الأقلام المبدعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: