دردشة ثنائية

فرج الفاخري
 

دردشة ثنائية

 

جاءت معذبتي في غيهب الغسق         كأنّها الكوكب الذري لاح في الأفـق

فقلت : نورتني يا خير زائـرة         أمَا خشـيتِ من الحـراسِ في الطرقِ

فجاوبتني ودمع العين يسبقهـا        من يركب البحر لا يخشى من الغرق*

 

 

لقد حضرت هذه الأبيات الشعرية المبدعة أمامي، عندما أطلت محبتي فى زيارتها المعتادة، والتى واظبت عليها دون إنقطاع، منذ تركتها مرغماً على الهجرة والعيش بعيداً في غربة طالت سنينها، وأنقلبت بتعاقب الزمن إلى عقود متواترة بأحزانها ومرارتها المميتة.

 

فقد كانت محبتي تدرك مقدار مصابي الفادح، فتهرع إليَّ كلما وجدتني أتحرق توقاً إليها، لتعيد لي بِطلتها البهية صواب نفسي المغرقة في هوس حمى الفراق المقيت.

 

وكانت زياراتها المتكررة، هى البلسم الذى طيب جراح نفسي، وأبرء سقمها من علة شوق الحنين القاتل إلى رؤياها.

 

وبزياراتها المتكررة لم يغب فى يومٍ عن ذاكرتي ـ ولو لبرهة ـ بهاء خلقها الذى فُطرت نفسي على حبه، منذ أن وقعت عيناي عليها فى إشراعتها الأولى، لأعش منذ تلك اللحظة مفعم بسعادة غامرة، لم أفق منها إلاَّ بإعتلاء أرجلي لسلم تلك الطائرة التى أقلتني فى فجر يوم رحيلي إلى أرض المهجر.

 

وبزياراتها المستمرة لم يبرح جمال محياها خيالي لحظة، ولم تنقطع عني نسائم هوائها العبق الذى عاشت روحي على رحيقه منذ ولادتها ، إلى أن ولجت تلك الطائرة التى حملتني لملاقاة قدر غربتي .

 

وبزياراتها الدائمة لم تفارقني فى يومٍ أشعة شمسها الوضاءة التى أغرقتنى بفيض دفئها بهجة وسروراً .

 

وبزياراتها لاحت أمامي تلك اللحظة التى حولت فيها ـ محبتي ـ نجوع وقرى ومدن أرض نفسها ومن يقطنها نوراً وإنشراحاً .

 

وفى زياراتها رأيت كيف أينعت أزقتها وشوارعها وطرقاتها ومن يجوبها بضياء نور حبها الساطع .

 

وفى زياراتها رأيت كيف أنها في يومٍ حولت كل ما كان على سطحها من كائنات** ونباتات وجماد إلى روح نابضة بحبها تنطق وتتنادى كل يوم بأسمها الجميل ليبيا ، ليزدان الكون الفسيح الشاسع بهذه النغمة الودودة فيرددها معهم بفرحة وحبور .

 

جاءت محبتي ببهاء عظمتها فى ذلك الفجر ، فرأيت فى عينيها مدينتي الصابرة ، ورأيت شوارعها الصامدة ، ورأيت مساكنها وبيوتها المثابرة ، ورأيت أهلها الطيبين .

رأيت أمي الحنون ، ورأيت أبي بقلبه الطيب وشخصه الرزين ، ورأيت أخواتي وأخوتي وأقاربي الصغار منهم والمسنين .

 

ورأيت أصدقاء الطفولة والصبا والشباب وكل من عرفت عبر السنين ، ورأيت جارتنا الضحوك بجدائلها المتدلاة على خصريها ورائحة القرنفل تفوح منها وكأنها حُمت به أو أنه حم بها .

 

كما رأيت سيدي الربع مباشر مدرستي الإعدادية بكرشه المنتفخ وإبتسامته السمحة وهو يوزع علينا أكياس التمر فى يومٍ الخميس ، ورأيت أستاذ بوشحيمة بوجهه الصارم الوقور وهو يلقى علينا فى حصته المواعظ الدينية أثناء سنوات دراسة المرحلة الأبتدائية ، ورأيت الأستاذ سعد صويلح أطيب المدرسين ـ وربما البشر أجمعين ـ وأكثرهم إخلاصاً فى إداء عمله .

 

ورأيت سليمان الضراط مدرسي في مادة الرياضيات أثناء المرحلة الإعدادية ، وقائدي فى فرقة النسور بالكشافة ، رأيته وهو يبذل قصارى جهده لإفهام التلاميذ لغة الأرقام فى الفصول بمدرستنا العتيقة ، ورأيته وهو يلقن الأشبال دروس التربية الأخلاقية والسلوك القويم ومساعدة الغير فى اجتماعات الكشافة الأسبوعية ، ثم رأيته وهو بطلاً يحاول إنقاذ عائلة حاصرها حريق شب فى منزلها بشارع قزير ، فرأيته وهو يهرع متسلقاً حائط المبنى إلى سقفه ، ثم إلى أعماق البناء متحدياً أعمدة النيران وأدخنتها المتصاعدة لينقذ بعض من تصل إليه أيديه من ساكنيه ، ويعاود الكرة تلو الأخرى ، وحشود الناس تتفرج دون مد يد العون ، فينهار سقف المنزل به فى إحدى كراته ليقع فريسة لألهبة النيران الثائرة ويموت بين ألسنتها شهيداً .

 

ورأيت مسيو لومبارد الذى أستوردته وزارة التعليم من فرنسا ليعلمنا اللغة الفرنسية بمدرسة شهداء يناير الثانوية ، فعلمه الطلاب كافة الكلمات السيئة السمعة فى لهجتنا الليبية ، ولم يتعلموا منه سوى : كاس كوسيه ؟ .

 

ورأيت فهيم صاحب المقصف الذى كان يبيع لنا سندويتشاته الشهية دون أن تفارقه إبتسامته الطيبة السخية .

 

بل أننى رأيت مقبرتنا القديمة فى سيدي عبيد التى ضمت فى حنايا ترابها الطاهر كل من ودع المدينة متجهاً إلى العالم الآخر ، ورأيت فيها أشباح ساكنيها تلوح لي بأيديها مبتسمة ، وأكاد أرى بينهم كثير من الوجوه المألوفة .

 

رأيت كل ذلك فى لحظة قدوم محبتي ، وقبل صياح ديوك الإنجليز معلنة عن شروق شمس يوم جديد .

 

وفى تلك اللحظة التى رأيت فيها كل ذلك ، بواعز من قدوم محبتي ، تذكرت على الفور الأبيات السابقة ونسجت على وحيها .

 

 

فقلت: شرفتني يا خير زائرة            أما خشيتِ من المخابرات في الطرق

فجاوبتني وروح الحب تسبقها          من يؤمن بالحق لا يخشى من مغتصب

 

قلت لها : صباح الخير سيدتي .

فقالت : أسعد الله صباحك . ماذا لديك اليوم ؟ .

قلت : مقالة سأتحدث فيها عنكِ .

فقالت ضاحكة : كل مقالاتك تتحدث فيها عني ، فما الجديد فى ذلك ؟ .

قلت : فى هذه سأتحدث عن زياراتكِ لي ، مع أنني أخشى العواقب ، لأن ذلك سيفضح الأمر لدى أجهزة النظام ، فيأخذون حذرهم ويشددون الرقابة عليكِ لتمتنعي عن زيارتي . وأنا لا أقوى على العيش بدون رؤياكِ ، فزياراتكِ هى التى مكنتنى حتى الآن من الصبر وتحمل عناء الغربة ومر فراقكِ .

فقالت مبتسمة : فليهنأ بالك ويطمئن فؤادك ، ولا تخش من شيء ، فزياراتي لك هى أقرب لتموجات الأثير ، فهى خواطر تسبح وتسافر بيننا ، ولا يملك أي مخلوق القدرة على منعها أو السيطرة عليها سوانا .

فقلت : صدقتِ يا خير زائرة .

فقالت : حدثني ، من أي بعد ستتناول مقالتك هذه زياراتي لك .

فقلت : حديثنا المعتاد وما تسوقنا إليه شطحات الخيال ومرارة الواقع .

فقالت : حسناً ، فلنتكلم عن أحلامك أيها الحالم .

فقلت : ماذا تقصدين يا سيدتي بالحالم وبإحلامي ؟ .

فقالت : ألست حالماً ؟ أوليست أحلامك بأن ينتفض الشعب بثورة عارمة تقتلع جذور نظام الحكم الفاسد المسيطر علي وعليهم ؟ .

فقلت : بلى ، ولكن ألم تكنِ أنتِ التى علمتني كيف أكون حالماً ، وزرعتِ فى وجداني أكبر الأحلام وأجملها ، وهو حلم تحررك من ربقة مستعمريكِ . وكُنتِ ترددين على مسامعي فى كل مرة بأنه يجب عليَّ أن أكون حالماً ، لأن من لا يملك القدرة على الحلم لا يملك القدرة على خلق الطموح لتحقيق الأهداف المرسومة ، فالحلم هو نواة تشكيل الطموح ، والطموح بدوره هو الوسيلة لتحقيق الحلم ، وإعتمال الحلم فى وجدان الطموح يخلق الهدف الذى يتكون ويولد ـ فى الأصل ـ من جنين الحلم ، فيسعى المرء إلى تحقيق أهدافه بكل قدرته وما أوتى من جهد ، لتتحول بعد تحقيقها إلى إنجازات يسعد بها ويبدأ فى خلق حلم جديد ودواليك .

فقالت : نعم ، لقد قلت كل ذلك وأكثر . وها أنا أقول لك الآن مكررة بأن صنع الأحلام هو أولى الخطوات نحو خلق الطموحات التى هى الوسيلة التى تعبر بصاحبها نحو تحقيق حلمه الذى يصبح هدفاً منشوداً ، ليبلغ بتحقيقه ذروة سعادته وقمة رضائه النفسي .

قلت : ما أجمل كلامكِ . حدثيني عن أخباركِ مع هؤلاء المغتصبين الرعاع .

قالت : قس على أخبار الأمس وزد بمقدار قنطار ، أو ضاعفه .

قلت بحزن : من أسوأ إلى الأسوأ إذن .

قالت بمرارة : نعم هو ذلك . حدثني عن آخر أخبار مواقع الإنترنت الليبية وما يجرى بها .

قلت : كما تعلمين ، غث وسمين وركيك وما يترواح بينهم .

قالت بحسرة : هل تعلم بأن الإنترنت وسيلة وسلاح فى منتهى الفاعلية فى دحر المغتصبين إذا أُحسن إستعماله .

قلت : أوافقكِ القول يا سيدتي ، ولكن أينما وجد بعض من أصناف البشر ، وجد العبث . وعلى الرغم من ذلك فأن هذا لا يمنع من وجود بعض النفوس الواعية والمدركة لأهمية هذه الأداة ومدى فاعليتها لخدمة قضيتكِ ، ولكن ـ وبكل آسف ـ فإن أصوات المفسدين تكون أحياناً أعلى صدح وأكثر ضجيج . فهناك من يحاولون الإنحراف بدور هذه الوسيلة البارعة فى الإتصال ، ويعملون بدأب على تشويه وإفشال الجهود المبذولة من قبل البعض لنشر الوعي الثقافي عبر تقنيتها التكنولوجية المتقدمة .

فقالت : حدثني عن أمرِ آخرِ مختلفٍ .

فقلت : عن ماذا يا سيدتي .

فقالت : عن الحب .

فقلت : الحب ! عجباً أتسألينني يا سيدتي عن الحب ؟ .

فقالت : نعم ، الحب . ما العجب فى ذلك ؟ .

فقلت : أنه آخر موضوع تصورت أنك تسألين عنه .

فقالت : لماذا ؟ .

فقلت : لأنك ليبيا .

فقالت : تقصد لأني بلادك .

فقلت : بالضبط .

فقالت : وما الغرابة في أن تتحدث بلاد المرء عن الحب ؟ .

قلت : الحب يا سيدتي مشاعر إنسانية تصيب المرء فى لحظة تأجج عاطفته تجاه من أستطاع أن يأسر قلبه . والبلاد يا سيدتي هى الوطن الذى نسكن إليه ، والقلعة التى نحتمى بأسوارها من الإغتراب ، والسقف الذى ننام تحته فى طمأنينة وأمان ، وهى الأرض التى نأكل من خيراتها عندما نجوع ، والنبع الذى نرتوى من مائه عندما نظمأ ، والتراب الذى نفترشه عندما نكل فنجد فى حناياه الراحة الخالدة ، وبلاد المرء يا سيدتي هى التى يجد فى حضنها السلام ، وتتلاشى عندها أعاصير القلق وزمجرة متاعب الحياة . ولذا فأن البلاد لا تسأل عن الحب مثل البشر ، لأنها ببساطة يا سيدتي هى الحب ذاته .

قالت مبتسمة : كلام جميل . إنك قادرُُ على إدارة دفة لغة الكلام والمناورة بها فى الحديث لما تهواه نفسك ، فإمتلاكك القدرة على تطويع الكلمات نحو السبيل الذى يعزز وجهة نظرك تُعد ميزة جيدة فى مجال الحوار .

فقلت : أشكركِ يا سيدتي .

فقالت بمزاح : لم يكن ذلك إطراء .

فقلت مبتسماً لمزاحها : الإنتقاد منكِ يحل في النفس محل الإطراء وهو شرف عظيم .

فقالت ضاحكة : ألم أقل لك بأنك مناورُ بارع . إنه مزاح أيها العزيز .

فقلت : أعرف . دعيني أسألك الآن بدوري عن الحب ، حدثيني عنه من وجهة نظركِ .

فقالت : حسناً . الحب أكبر مما يتصوره البشر فهو يكاد يتسع لكل شيء فى هذا الكون ، وليس قاصراً على الحب بين الجنسين ، فهو موجود فى حب الله ، وحب ذوي القربى ، والأصدقاء وغيرهم ، وحب الطعام ، وحب النزهة أو حب القراءة أوغيره من المناحى الآخرى . والحب شعور معنوي لا تسوده النوازع الشريرة الأخرى ، لأنه منزه وخالص يعيش بفطرته ، وهو فى ذلك قريب من تشبيه جبران خليل جبران عندما قال : " المحبة لا تملك إلا ذاتها ، المحبة لا تعطى إلا من ذاتها ، المحبة لا تأخذ إلا من ذاتها ، المحبة لا تريد من أحد شيء ، ولا تريد من أحد أن يملكها ، لأن المحبة مكتفية بالمحبة ".

فقلت : وصفتِ ، فأحسنتِ يا سيدتي .

فقالت : هل تعرف لماذا سألتك عن الحب ؟ .

فقلت : كلا ، لا أعرف . حقاً ، لماذا سألتيني عن الحب ؟ .

فقالت : لأن في سر الحب يكمن خلاصي من نظام الحكم الفاسد الكريه .

فقلت متسائلاً : كيف يا سيدتي ؟ هل لكِ أن توضحي ؟ .

فقالت : هذا ما سنتحدث عنه فى زيارتي القادمة ، أما الآن فقد أزف وقت الرحيل .

فقلت : لم العجلة ، ثم أنني كُنت أنوى أن أجعل هذه المقالة من جزء واحد ، لأني بدأت بمقالة دردشة أحادية والتى كُنت أحدث فيها نفسي ، وهذه المقالة التى أتحدث فيها معكِ ـ دردشة ثنائية ـ هى الثانية ، وكُنت أريد أن أجعل المقالة القادمة وهى الثالثة فى التسلسل دردشة جماعية أي مع آخرين . ولكن بهذا الشكل ستكون لهذه المقالة جزء ثاني نُكمل فيه حديثنا ، وسيرجى نشر الدردشة الجماعية لحين الإنتهاء من دردشتنا .

فقالت ضاحكة : ربما يكون هناك جزء ثالث لدردشتنا ، وربما رابع وخامس وهلم جراً .

فقلت : من يعلم .

فقالت : أستودعك الله أيها العزيز .

فقلت : إلى اللقاء يا سيدتي الحبيبة .

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* هذه الأبيات من شعر عبد الله بن الخطيب ، وهو من الشعر الأندلسي ، تجده ـ إلى جانب بعض المصادر المتخصصة ـ فى آخر جزء من مقدمة بن خلدون .

** يستثنى من ذلك بكل تأكيد القذافي وزمرته الذين عاثوا على أرضها الفساد ، فهولاء نبتة شريرة لم تسر فى عروقهم بذور الحب الطاهر الذى نفحته ليبيا لكل من عاش على أرضها .

 

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on November 6, 2008, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: