موسم الحكايات

  

خليفة الفاخري

 

موسم السعى خلف وجوه الأصدقاء، والذكريات، وأسراب الكلمات الطيبة، والأماكن الغامرة بالضوء والبهجة، واحتشاد الناس فى محطات القطار، ومشاهد اللقاء والوداع الدامعة العينين، والرحيل، ومشاعر الغربة فى الداخل والخارج، والأرصفة الملتمعة بعد احتباس المطر، والطرقات المهجورة فى وحشة الماء .. والاحساس بالوحدة !.

 

أجل، هذا موسم الحكايات ..

 

فعندما يغلق المقهى أبوابه، وينفض كل الرواد فى جماعات متتالية، هاربين مثل الشرر من المطر الشتائى البغيض إلى أقرب (مربوعة) دافئة، ثم لا يعود أمامك سوى أن تعود إلى الغرفة (۲۱۱)، إلى غرفتك العالقة بالسماء، أعنى فى الدور الأخير من ذلك الفندق، وتظل تصافح حزم الورق طويلا هناك، وتعيد قراءة رسائل أصدقائك، وتتمعن فى صورهم المهداة إليك، ثم تسرح خواطرك مثل سحابات ريشية، إلى أن تقف خلف النافذة المطلة على الشارع المقفر. فيما تتطلع بين حين وآخر إلى عروق المطر فوق الزجاج. حاملا فى قلبك آلاف الكلمات النابضة فى صدرك على نحو غير مريح، متمنياً لو كان ثمة من تحكى له .. عنذئذ تعتريك رعشة تغربل جسدك كله .. وتشعر بالوحدة. عندئذ فقط يبدأ موسم الحكايات .. أجل. موسم الحكايات.

 

وأنا أريد الليلة، أن أحكى لك ـ أينما وكيفما كنت ـ لقد سردت حكاياتى لنفسى طوال ليال عديدة. وأنا أشعر الآن أننى أحكى ـ على نحو ما ـ لنفسى أيضاً، فليس ثمة ـ فى الواقع ـ أى فرق على الاطلاق، ولذا فلتحاول أن تستمع جيداً إلى نبضات قلب الغرفة (۲۱۱)، فلربما كان هناك ما يستحق الانصات.

 

·      تقول الحكاية الأولى ..

 

كان ثمة مخلوق يسكن فى أحد الفنادق فى بنغازى الضيقة الصدر، وكانت غرفته لا تحتوى سوى آلة كاتبة، وحزمة من الورق، ومنفضة سجائر، وبعض الأثات القديم. وكان صامتاً طول الوقت، ولكن عندما يطول الليل إلى حد تتمنى أن تحكى فيه لأحد ما، تنبعث ـ عبر الصمت ـ أصوات الحروف فوق الآلة الكاتبة، ممزقة سكون الليل، وأحلام النزلاء فى الغرف المجاورة.

 

وطفق الرواد يشتكون بلا انقطاع، لأنهم يريدون أن يحلموا فقط، على حين ظل يواصل حكاياته لآلته الكاتبة؛ شاعراً بصداقة الحروف التى ستقبل ذات يوم عيون الآخرين المستغرقة الآن فى نوم عميق، ولم يعد أمامه سوى أن يغير غرفته فى نفس الفندق .. وتكررت نفس الشكوى، وتكرر تغيير الغرف، بينما لم يحدث أى تبدل فى مسلكه سوى أنه أكتشف حقيقة بالغة الأهمية، هى أن الغرف كلها واحدة، سواء فى الفنادق أو منازل الأهل أو الأصدقاء، أو حتى فى البيوت المهجورة هناك، فى أقصى الأرياف، أثناء رحلة ما.

 

الشىء الوحيد الذى يتغير هو الإنسان نفسه.

 

فعندما تفتح عينيك فى الصباح فى غرفة جديدة، تشعر فجأة بالذهول، وتحاول أن تتذكر جيداً، فى لحظات استيقاظك الأولى، أين نمت ليلة البارحة، محاولاً أن تتعرف على الجدران، والأثات، وجهة النافذة أو مكان الباب، إلى أن تكتشف أنك نمت فى غرفة أخرى أو منزل آخر، وليس فى حجرتك المعتادة !.

 

ذلك المخلوق لم يعد يعتاده هذا الشعور، لم يعد يشعر بالحيرة حين يستيقظ، ذلك أنه أدرك أن السقف واحد، وأن الأرض واحدة، وأن الإنسان وحده هو الذى يضع الفروق بين الغرف، والمنازل، والمدن، وبين البشر كذلك !.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان ...

Advertisements

Posted on November 23, 2008, in الأقلام المبدعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s

%d bloggers like this: