رابحة

 

 

فى زمن البراءة والصدق، زمن الطفولة والصبا،

وقعت أحداث هذه القصة لصبي صغير كان يتحسس طريقه للحب.

 

 

كانت ثقافة الحب لأطفال ذلك الزمان تأتى بالدرجة الأولى من أفلام السينما التى أزدهرت تجارتها بينهم وبين معظم أفراد مجتمع مدينة بنغازي، فقد كانت صناعة السينما بمثابة نافذة يُطل من خلالها أبناء جيل الستينات من القرن المنصرم على العالم بأسره.

 

حيث كانوا مبهورين بصخب الحياة الغربية المثالية، أو هكذا كان يخيل لهم من خلال رؤيتهم المتعطشة لمعرفة هذا الجديد الذى كانت تقدمه لهم شاشات عرض دور السينما، فعمت عقول الصغار ـ وربما الكبار أيضاً ـ فى ذلك الوقت، فكرة مفادها بأن المجتمعات الغربية قد تبؤت مكانة حضارية راقية ومثالية، وأنعكس ذلك فى سلوك الإقتداء بهذا الغرب فى بعض مظاهره السطحية، خاصة فى الملبس والسلوك الغرامي.

 

وقد أثرت رومانسية السينما الغربية وأيضاً المصرية ـ التى كانت هى الأخرى متأثرة إلى حد كبير بالسينما الغربية ـ فى كثير من أبناء ذلك الجيل الحالم. هذا بالإضافة إلى إنتشار الرغبة الجامحة بين الكثير منهم فى الإقبال على كنوز الأدب، سواء العربي منه أو المترجم عن الأدب العالمي، والذى كان له أثره البالغ فى تكوين ثقافتهم الفكرية والعاطفية.

 

فقد كانت المطالعة فى ذلك الزمان هى أحد جوانب بناء الشخصية الفكرية، وهى أيضاً إحدى وسائل الترفيه العقلي فى مجتمع أبتدأ لتوه أولى خطواته نحو بناء مجتمعه الإنساني. وهذه كانت فضيلة، حُرم منها لعدة عوامل ـ ليس هنا مجال الحديث عنها ـ أبناء الأجيال الحاضرة التى قاطعت غذاء الفكر والعقل، بنوئها عن الكتاب واتجاهها نحو بدائل ممسوخة الكيان وضحلة العطاء.

 

لم يكد صبينا هذا يبلغ من العمر اثنى عشر عاماً حتى ـ كان قد ـ أحب عشرات الممثلات فى الأفلام التى شاهدها، وتمنى كثيراً أن يكون هو (البطل) الحبيب لنجماته المفضلات. ويقول علماء النفس فى هذا الصدد بأن الإنسان يعرف حب الجنس الآخر منذ سن السادسة، ولكن بالطبع ليس بالمفهوم الكامل للحب بغرائزه الجسدية.

 

أحب صبينا ممثلات السينما فى ذلك الزمان ـ كما سلف الذكر ـ ليكتشف بعد برهة أن هذا الحب لا يتعدى أن يكون خيال حبيس فى داخل حدود عقله الصغير، وإن هذا الخيال ليس له صلة بالواقع البتة. ومن هنا كان لابد له من أن يبحث عن حب يربطه بالواقع المعاش، فوجد نفسه يحب رابحة التى تسكن فى أحد الشوارع القريبة من بيته، والتى حدثه عنها صديق له أستلم ـ لتوه ـ منها رسالة غرامية.

 

قرأ عليه صديقه فحوى الرسالة الغرامية الملتهبة التى أرسلتها له رابحة، فلم يصدق صبينا ماجاء فى هذه الرسالة حتى سمح له صديقه بقراءتها بنفسه.

 

·        " يا للهول ! ". قال صبينا لنفسه.

 

فقد بدأت رابحة رسالتها بكلمة حبيبي، إنه لم ير أو يسمع قط هذه الكلمة ـ التى كانت دائماً تهز وجدانه وتثير أشجانه ـ إلا فى الأفلام وروايات الحب والغرام، وهاهو يرآها بأم عينه مسطرة بخط رابحة لهذا الصديق المحظوظ ".

 

وأنغمس صبينا بكل حواسه فى قراءة الرسالة التى كتبتها رابحة لصديقه:

 

حبيبي منصور

أحبك مثل ما تحب عنزتنا تيسنا ..

وأحبك كما تحب عبلة عنترة ..

وكما يحب الرضيع ثدى أمه ..

وأحبك كما يحب غوار الطوشي فطوم حيص بيص ..

وكما تحب القنطشة الجبن ..

 

حبيبي أنصورة ..

إني مشتاقة لك كما يشتاق الزرع إلى الماء ..

والمريض للشفاء ..

وكما يشتاق الجيعان لسندويتشات الخبزة والتن متاع سيدي شرشر ..

وكما يحتاج العصبان للدوارة ..

وكما يحتاج العطشان لشيشة بيبسي مسقعة ..

لقد أشتقت إليك كما يشتاق النعسان للنوم ..

 

حبيبتك المخلصة حتى الموت

رابحة

 

 

·        " يالها من رسالة رائعة ". قال صبينا الذى أشتعلت فى قلبه الغيرة من صديقه.

 

فقال منصور بحبور:

o       " نعم، إنها رسالة جميلة ".

 

سأل صبينا صديقه:

·        " كيف تعرفت على رابحة هذه يا منصور ؟. أعنى كيف تحدثتم أول مرة، أعنى كيف تم هذا التعارف ".

 

فقال منصور:

o       " بسيطة، حدثني عنها جمعة وعلي وطارق ومحسن، فقد أرسلت لكل واحد منهم رسالة مثل هذه ".

 

فقال صبينا وقد أعترته الحيرة:

·        " كيف ؟ أليست هى حبيبتك أنت ؟ لماذا بعثت برسائل غرامية لكل هؤلاء ؟".

 

فقال منصور بعدم مبالاة:

o       " بسيطة، بدأت الحكاية مع طارق، الذى رآها وهى تسكب جردل من الماء فى الشارع، أبتسمت له، فبادلها الإبتسام، سألته عن أسمه، فأخبرها به، فسألته أن يعود إليها بعد نصف ساعة، ثم دخلت بيتها، وبعد نصف ساعة فتحت باب البيت وأشارت له بأن يقترب منها، وما أن فعل حتى سلمته ورقة مطوية، وأوصدت الباب. وعندما قرأها طارق وجدها رسالة حب مثل هذه التى بين يديك. والبقية متشابهة فى الأحداث، فقد تكرر ذلك مع علي ومحسن وجمعة وعمران ثم معي آخيراً ".

 

وأحس صبينا بالحنق الشديد، فقد خالف هذا النسق كل ما قرأه فى الروايات ورآه فى الأفلام عن الحب. فقال لصديقه بحزن:

·        " ولكن هذا ليس حب، إنه .. إنه، لا أعرف ؟ كيف يمكن لإمرء أن يحب أكثر من شخص، هذا هراء ".

 

ولم ينم صبينا فى الليلة التى أعقبت ذلك اليوم، ولم تغمض أجفانه فيها، فقد ظل ساهراً حتى شقشقت الطيور معلنة عن شروق صباح اليوم الجديد، فقام من سريره على عجل ولبس ثيابه، وغسل وجهه، ومشط شعره بعد أن أغرقه بالزيت، وهرع إلى حيث تسكن رابحة، وأخذ يذرع شارعها جيئة وذهاباً، حتى رآى باب بيتها يفتح، ورآها من ورائه بفستانها المزركش ووشائحها الأحمر الذى يغطى مؤخرة شعر رأسها.

 

أبتسمت رابحة لصبينا عندما رآته، وأشارت له بالتقدم منها، وما أن أبتدأ يخطو فى مشيه نحوها حتى بدأ قلبه يدق بصوت عال، ويزداد فى ضرباته بسرعة تدعو إلى القلق، وخُيل إليه فى لحظة أن جميع سكان ذلك الشارع يستمعون لدقات قلبه المتسارعة من وراء جدران بيوتهم.

 

بادرت رابحة صبينا بالقول:

§        " ما أسمك ؟ ".

 

فأجاب صبينا بنبرة مرتعشة:

·        " رجب ".

 

فقالت له مبتسمة:

§        " حسناً يا رجب، مر علي بعد نصف ساعة ".

 

ولم يصدق صبينا نفسه، ها هو قاب قوسين أو أدنى من إستلام أول رسالة غرامية فى حياته. فلن يطل إنتظاره حتى يكون قد حصل على ضالته المنشودة، فما هى إلا نصف ساعة من الزمان ويتحقق له مبتغاه الذى طالما حلم به.

 

لكنه لم يتوقع أن تكون تلك النصف ساعة من أطول الأوقات التى مرت به فى حياته قاطبة، فقد كانت الدقائق تمضى متثاقلة، بحيث خُيل له معها بأن عقارب الوقت لا تتحرك من موضعها، وأحس وكأن تلك النصف ساعة قد تحولت لدهر بأكمله.

 

وبعد فترة قلق رهيب، مضى الوقت المقرر، وأصبحت المسافة بينه وبين رسالة حبيبته مسألة ثواني أو بعضها. وفجأة، حانت اللحظة الحاسمة، وأنفتح باب بيت حبيبته، وأطلت رابحة من خلف الباب بإبتسامة تشبه إبتسامة سامية جمال التى أطلقتها لفريد الأطرش فى فيلم أنت حبيبي.

 

وما أن جاءت الإيماءة المنتظرة من رابحة لصبينا بالإقتراب منها، حتى سارع الآخير راكضاً نحوها، ليجد نفسه فى لمحة من البصر يمثل أمامها، فناولته الرسالة الموعودة، التى طال إنتظاره لها، فخطفها صبينا من يدها وهرول مسرعاً إلى بيته، وإلى حجرته، ليغلق الباب دونه، ويفتح الرسالة، ويهيم بما أحتوت من عذب الكلام، أو هذا ما كان يتصوره فى تلك اللحظات من ذلك الزمان المخملي.

 

ورغم أنه سبق له قراءة نسخة مطابقة لهذه الرسالة التى لم يتغير فى كلماتها المنقولة، سوى وجود أسمه عليها فى البداية بدل أسم صديقه منصور، لكنه مع ذلك أغتبط ولم تسعه الفرحة وهو يكرر عباراتها:

 

حبيبي رجب ..

أحبك كما تحب عنزتنا تيسنا ..

 

….. ….. ….. …

 

حبيبي أرجوبة ..

لقد أشتقت إليك كما يشتاق النعسان للنوم ..

 

حبيبتك المخلصة حتى الموت

رابحة

 

 

·        " آه ما أجملها رسالة ". قال صبينا بقلب غارق فى بحر الغرام.

 

*****

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on December 30, 2008, in كتابات في الحب. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: