سر الإنسان

 
 

سر الإنسان

 

" إن الأمر فى الواقع لا يتوقف على نوع العلامة التى تحملها البقرة

فوق جلدها، بل يتوقف بالضبط على ما تعطيه البقرة من الحليب ".

الصادق النيهوم

من كتاب: " ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة التراث العربي ".

 

 

الخلافة والعقل ..

إن الحياة على الأرض بدون وجود الإنسان ـ فيها ـ تفقد معناها الذى كونها الله وسخرها لأجله. فقد خلق الله الإنسان ليكون خليفته على الأرض، وجعله أساس ومحور الحياة فيها، بعد أن فضله على سائر الكائنات الآخرى وميزه عنها بالعقل.

والعقل فى هذا السياق، ليس أداة الإنسان لتحقيق خلافته على الأرض فحسب، بل رخصته التى خوله وفوضه الله بها لهذه الخلافة. وهو من جانب آخر، القياس الذى سيجرى ـ وفقاً لمعاييره ـ محاسبته به من قبل خالقه عن سلوكه وإختياراته التى نحى إليها فى فترة وجوده على كوكب الشقاء.

وفى سياق آخر، فإن الكون الشاسع بسرمدية تراميه فى فضاء لا متناه ـ والذى لا يعلم أحد بالحدود التى تمتد إليه أطرافه السابحة فى رحاب هذا الإبداع الرباني سوى الله ذاته ـ قد أمتلىء بقدرة (خالقه) بالنجوم والأقمار والنيازك والكواكب السيارة المختلفة؛ منها الملتهب بحمى نار غلاف جوها الحارق، وأُخرى متجمدة ببرودة صقيع سطحها الجليدي القارص، وبقيتها تتسلسل بين هذين الإختلافين بدرجات متباينة فى الأشكال والتكوينات الجغرافية والمناخية التى تفوق خيال قدرة العقل البشري على التصور.

ولعل الله قد أخلف فى هذه الكواكب المتناثرة فى فضاء كونه الشاسع كائنات أُخرى مختلفة الطور والتكوين عن الخلق البشري، وربما جعل فيها عقولاً أكثر سعة وقدرة من العقول البشرية، أو ربما أدنى فى سعة تفكيرها وتدبيرها من عقول البشر.

وعقل الإنسان ـ فى هذا الإطار ـ يُعد معجزة فى مدى قدراته الفائقة على الإبتكار والإبداع، وهو ـ أيضاً ـ لغز شديد الإبهام فى طريقة عمله وتطوره التى تدخل فيها عمليات عديدة، غاية فى الدقة والتعقيد.

 

تشابه وإختلاف العقول ..

إن العقول تتشابه ـ فقط ـ فى مصدرها البيولوجي الذى يمثله فى هذا المضمار مخ الإنسان، المسئول بمعزله عن صناعة القدرة الذهنية التى يتكون منها العقل، كما هو مسئول عن ملايين المهام الأخرى المتحكمة فى نظام حركة الجسم الإنساني، التى يقوم بتأديتها معظم أفراد بني البشر بصورة تلقائية فى إطار روتين حياتهم اليومي، كالتنفس والكلام والمشي والجرى والأكل والعمل واللعب والمضاجعة والنوم وغيرها، والتى تدخل فى دينامكية أدائها إشارات وومضات يرسلها المخ لكل عضو أوعصب أوعرق فى الجسم لكى يؤدى خصائص مهامه المكلف بها فى هذا الصدد.

لكن العقول لا تتشابه ـ البتة ـ فى أسلوب تفكيرها أو فى أنماط إختياراتها التى تواجهها فى دروب الحياة المختلفة. لأن ذلك لا يدخل فى ديناميكية عمل الجسم لوظائفه الروتينية التى نسقها الله فى نظام متكامل يعمل بتلقائية لا دخل للإنسان فيه ـ رغم أنه المستفيد الأول منه ـ والعقل فى الإنسان، باليد الآخرى، يعمل وفقاً لنظام خاص لا يمت بصلة تذكر لنظام عمل جسمه المشار إليه.

 

السر والحكمة ..

والمعنى هنا، أن الله قد كفل للإنسان نظام دقيق يعمل من تلقاء نفسه فى داخل بدنه، ليمنحه القدرة على مزاولة روتين حياته الطبيعية، لكنه أستثنى من ذلك عقله الذى يستمد نظام عمله من (ذاته) داخل كل إنسان بمعزله، والذى تحدده وتشكل قوامه الظروف المحيطة، والنشأة، والتربية، والتعليم، والعقيدة، والتجارب الخاصة، والتقاليد الكامنة فى بيئة كل فرد على حدة.

والعقل ـ من هذا المنطلق ـ عبارة عن ركائز من القوة الذهنية (الخام) التى تقطن مخ الإنسان، والتى تمر فى طور نموها (المطرد) لتشكيل " العقل " بعملية إستشفاف لكل ما يتلقاه المخ من معرفة ومعلومات، وما يصادفه من مواقف وأحداث عبر حياة صاحبه المتدرجة بين طفولته ـ فى مرحلة الإدراك الأولى ـ وحتى سن كهولته.

وتقوم ركائز الإنسان الذهنية فى هذا الصدد، بإعتمال مكونات كافة المحصلات السابقة الذكر، وإحتوائها فى نظام ذكي ـ نعرفه فيم بيننا باسم العقل ـ يرشد صاحبه للتوجهات التى تناسبه، ويملىء عليه الكيفية التى يتصرف بها عند تعامله مع الآخرين فى خضم مجريات الحياة اليومية، وذلك بحسب قدر ونوع محصلاته وتجاربه ومعرفته المختزنة فيه.

والحكمة التى أرادها الله من وراء إنماء العقل فى داخل مخ كل إمرء على حدة، تستدعيها وتفرضها ضرورة الحاجة لوجود التنوع فى قدرات العقول البشرية عند مواجهتها (الحتمية) مع نزعتي الخير والشر، الكامنتين فى ذوات البشر بمختلف أجناسهم، واللتين تدور حولهما كافة رحى الصراعات البشرية.

ويبرز ـ فى هذا الإطار ـ كل عقل إجتهاداته الفكرية من خلال أدواته المتناقضة، كالتؤدة والتروى، والطيش والتهور، والحنكة والتدبير، والحماقة والبله، والإرادة والعزيمة، والضعف والرعونة، وغيرها من السمات العقلية الآخرى التى اقتنتها عقول أصحابها فى فترة إستشفافها وحضانتها للمحصلات السالف ذكرها، وذلك بحسب الظروف التى تحيط بكل فرد بمعزله فى طور نمو عقله.

 

والخلاصة التى أحاول ـ جاهداً ـ أن أتوصل إليها فى هذا الطرح، هى أن ظروف التربية والنشأة، والعادات والتقاليد وغيرها من المحصلات ـ المشار إليها أعلاه ـ التى تحيط بالفرد فى فترة نموه الذهني، تعتبر مسئولة عن تكوين عقله الذى يتعامل به مع أفراد مجتمعه أو أفراد المجتمعات الآخرى التى ـ قد ـ يحل عليها فى إحدى فترات حياته بعد بلوغه مرحلة الرشد العقلي.

ولعل القارىء يجد فى المثالين المنشورين ـ فى هذه المدونة ـ التوضيح الكافى الذى ترمى هذه المقالة إليه فى هذا الخصوص. وسوف يلا حظ ـ القارىء ـ بأن المثالين المنتقيين، وهما لقصتين حقيقتين جرت أحداثهما فى واقع الحياة، تدوران حول العلاقات الزوجية.

وهذا ما تعمدته، لكون أمثلتها الأكثر قدرة على إبراز تشوه التفكير العقلي الذى يخيم على عقول فئة كبيرة من أفراد المجتمعات المختلفة، والذين أكتسبوه فى طور نمو عقولهم بتأثير من الظواهر الإجتماعية المتخلفة التى أحاطت بهم، وساعدت خصائص تربيتهم وتنشأتهم من تشربهم لها بعد عجزها وقصورها عن الإستفادة من المعرفة الصحيحة لتكوين عقول سليمة خالية من الأفكار المغلوطة والمنحرفة والمشوشة.

ويمكن للقارىء أن يجد المثالين المنوه عنهما تحت العناوين التالية:

·       ضرب الزوجة (حلال) مباح مادام ضمير الزوج إليه مرتاح.

·      خداع الزوج لزوجته (حلال) مباح، كلما كان السبيل إليه متاح.

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on December 30, 2008, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: