سكرات الحياة وصحوة الموت

 
 
 

سكرات الحياة وصحوة الموت

هذه الخواطر أقحمت نفسها على خلفية موت الدكتورين

عبدالرحيم صالح وبشير نشنوش، اللذين لم أتشرف

بمعرفتهما فى هذه الحياة التى الهتنا بسكراتها، ولكننى

على ثقة بأنى سألتقيهما وأتعرف عليهما بعد صحوة الموت.

وإلى ذلك الحين أبتهل لهما من الله الرحمة والرضوان.

 

 

الموت ومعناه ..

 

ليست هناك كلمة فى جميع اللغات السائدة فى هذا العالم الفسيح أشهر من كلمة الموت.

ولا يوجد أحد البتة ـ فى هذا الكون الشاسع ـ لا يعرف كلمة الموت.

 

إنه من الطبيعي أن تكون كلمة الموت معلومة لجميع أفراد البشر.

أليست هى الكأس الذى سيتجرعه الجميع !.

 

ولكن .. هل يعرف كل فردٍ من أجناس البشر فى هذا العالم الكبير معنى كلمة الموت ؟.

 

لو طرحت تساؤلاً على أي ـ من كان ـ من أبناء البشر فى هذا العالم المترامى الأطراف حول معرفته للموت، فإن جوابه، المقرون بالإستخفاف، سيكون على الفور بنعم، وبحدة سيقول لك: وهل هناك من لا يعرف ذلك المصير الذى سيأول إليه الجميع بدون إستثناء ؟.

 

وعندما تعيد على محدثك نفس السؤال، ولكن بصورة أعمق وأشمل، فتسأله : فسر لي معنى كلمة الموت ؟ .

 

فسيرد عليك محدثك على الفور مثل التلميذ النجيب الذى يحفظ دروسه عن ظهر قلب، والذى يتطلع بكل شغف إلى تلك اللحظة التى يُلقى عليه فيها سؤالاً من المنهج الدراسي ليتباهى بالإجابة عليه بما أستذكره منه. فينفلت محدثك مسهباً بالكلام مثل حبات عقد أنصرمت من خيطها الذى كان يضمها سوياً، لتنهمر متدافعة فى تناثر سريع، ويقول لك مجيباً: الموت هو نهاية مسيرة الإنسان.

 

فتعرض عنه ـ وهو ـ لا يزال منهمكاً فى إسهابه لشرح معنى الموت، ورغم أن الإجابة التى ساقها لك، في تعليل معنى الموت، ليست هى الإجابة التى تبحث عنها ، لكنها الإجابة الشائعة بين الجميع .

 

وتذهب لآخر، علك تجد عنده إجابة شافية لمعنى كلمة الموت. ويجيبك الآخر بمثل ما أجابك به الأول، وربما بتغيير طفيف فى تركيبة كلماته أو فى إسلوب إلقائه، كأن يقول لك: الموت يعنى الإعلان الواقعى لإنتهاء مدة خدمة الإنسان فى هذه الحياة؛ أو أن يقول: الموت هو الواقع الذى بحدوثه يتم تحديد زمن تلاشى الإنسان من الوجود، وتوقفه عن مزاولة وممارسة مهامه الحياتية.

 

هكذا يُفسر الكثير من الناس معنى كلمة الموت، غير أن آخرين يرون المعنى مختلفاً !.

 

ولعل أكثر المعانى إختلافاً وغرابة، ذلك الذى سمعته من صديق من أرض الصين، والذى كان تفسيره لمعنى الموت ـ الذى يشاركه فيه عدد لا بأس به من بني قومه ـ هو أن الموت يمثل لحظة الصحوة منالسبات الطويل الذى يخلد له الإنسان فى حياته الدنيوية.

 

أي أن الموت هو المنبه الذى يوقظ الإنسان من نومه الذى أمضاه خلال فترة عيشه بالدنيا، فالموت هو الحياة الحقيقية التى يمارسها الإنسان بعد سباته الطويل، وهو نقطة الإنطلاق نحو الحياة الواقعية. فمسيرة الإنسان الخالدة ـ بحسب هذا التفسير ـ تبدأ بالحياة الدنيا، التى هى فى نفس الوقت عبارة عن فترة سبات يعيشها الإنسان حتى يستيقظ منها بقدوم الموت، الذى ينقله مباشرة إلى مرحلة الصحوة التى يخلد فيها الإنسان إلى الأبد.

 

*****

 

الموت وقواه ..

لا شك أن للموت جبروت وقوة ورهبة، هى الأكثر بين عوامل الخوف الأخرى رعباً؛ فأقصى ما يمكن أن تهدد به أي إنسان لتخيفه وترهبه ومن ثم تردعه عن أمر ما، أو تخضعه لأمر ما، هو أن تهدده بالموت، أي بقتله. ومن هنا فقد كانت أقصى عقوبة يمكن أن ينزلها الإنسان فى قوانينه الوضعية لمن أرتكبوا جرائم مشهودة هو الإعدام، أي سلبهم حياتهم.

 

الناس تخشى الموت وتخافه، لأنه بالنسبة لهم هو ذلك المجهول الذى ينقلهم لمصير آخر لا يعرفوا كنهه.

 

فعندما يمرض الإنسان بمرض عضال، يخاف، ويخاف ـ معه ـ ذويه وأقاربه ورفاقه من أن ينتهى به مرضه إلى الموت؛ فتسيطر عليه هموم ومخاوف تثقل فكره ووجدانه قبل أن يحل الموت ذاته. فشبح الموت له الآمه ورهبته ومخاوفه المقلقة والمضجعة، والتى تهون معها الآلآم التى تصاحب ذاك المرض.

 

قلة أولئك الذين لا يخشون الموت فى هذه الحياة، بل وينتظرونه، وهم أحد أربعة:

 

o       صاحب عقيدة راسخة تسود نفسه وتبسط عليها طمأنينة ورضا، وذلك من خلال قناعة بأن هذه الحياة هى فترة عابرة لإمتحان عقل الإنسان الذى خيره الله به عن بقية المخلوقات.

o       صاحب قضية أو مبدأ راسخ فى نفسه، لا يحيده عنه حتى الموت ذاته.

o       شخص يأس وقانط، أثقلت الهموم والمصائب كاهله فيرى فى الموت حلاً لمآسيه.

o       شجاع مغامر يتطلع لرؤية ما بعد هذه الحياة.

 

من القصص التى تشهد على رهبة الموت والخوف من هيلمانه، هى تلك التى نُسجت على خلفية إحدى آيات القرآن الكريم؛ وتقول هذه القصة أن أحد كائنات الجن كان يجلس مع بعض من بني قومه، فرأى ملاك الموت يتطلع إليه، فخاف وأرتعب، وظن بأنه قد قدم لقبض روحه، فولى الأدبار هارباً إلى أقصى الكون، وأتخذ له مخبأً فى إحدى البروج العالية فى مكان قصى.

 

ولم يكد يلتقط هذا الجني أنفاسه حتى رأى ملاك الموت أمامه، فبادره بالقول:

 

q       كيف عرفت مخبئي ووصلت إلي ؟.

 

فقال ملاك الموت مجيباً:

 

q       إن ذلك ليس بصعب على رب العباد الذى أوفدني لقبض روحك، ولكن ما يثير إعجابي فى الأمر هو إن الله عز وجل قد أمرني أن أقبض روحك فى هذه اللحظة الآنية، وفى هذا المكان القصي بالذات، ولما ذهبت إليك منذ لحظات فى مجلسك الذى يبعد عن هنا بمسافات مهولة، تعجبت وتسألت فى نفسي: ما الذى سيحملك للإنتقال إلى هذا المكان الذى ستُقبض فيه روحك بعد لحظات وأنت فى غاية الإنسجام فى مجلسك مع أقرانك ؟. ولكن سبحان الله فى قدرته، فقد دفعك خوفك من الموت لأن تلجأ إلى هذا المكان البعيد ظناً منك أنه سينجيك منه، ولم تعلم أنك بهروبك هذا قد ذهبت للمكان المحدد لك لملاقاة حتفك فيه.

 

ويقال أن أحداث هذه القصة قد جاءت على خلفية الآية الكريمة التى تقول: " أينما تكونوا، يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة ".

 

 

*****

 

جمال الموت ..

 

إن أجمل ما فى الموت هو أن الناس لا تعرف متى ستموت، ولو عرف الناس بموعد موتهم لماتوا قبله.وفى هذا الصدد فإن الناس ليست فقط لا تعرف موعد موتها ومكان موتها، ولكن تظن دائماً أن موتها مؤجل وهو دائماً يصيب الآخرين قبلها.

 

وفى هذا المضمار، روى لي صديق آخر من أرض الأنجليز، بأن الموت فى تعامله مع البشر يشبه إلى حد كبير جبهة القتال فى الحرب، حيث الجنود يختباؤن خلف السدود المانعة ويتبادلون إطلاق الرصاص مع عدوهم فى الجهة المقابلة، وتجد كل جندي يعتقد أن رصاص العدو لن يصيبه هو بالذات، ولكنه قد يصيب زميله الذى على يمينه أو الذى على يساره، ولا يمر وقت طويلاً حتى تأتى تلك اللحظة التى تستقر إحدى رصاصات العدو فى جسده لترديه قتيلاً.

 

والمغزى من وراء هذا التشبيه، هو أننا كبشر نفقد الأقارب والأصدقاء والمعارف كل يوم والذى يليه، ونظن أننا فى منأى عن الموت، حتى وإن كان شبحهه يحوم حولنا بإستمرار، ويذكرنا بها موت الآخرين فى كل لحظة وأخرى.

 

*****

 

نقطة ضعف الموت ..

 

إنه مثل النحل، لا يستطع أن يستعمل قوته إلا مرة واحدة. فالموت لا يملك أن يقتلك مرتين، فإن أصابك الموت يوماً، فأنت خالد فى حياة أخرى ليس للموت فيها عليك سلطاناً.

 

*****

 

الحياة ومعناها ..

 

·       معنى الحياة وروعتها فى ذهن المولود الصغير، يتلخص فى رشفات اللبن التى يرضعها من ثدي أمه فى فترة ما قبل الفطام.

 

·        ويتلخص معناها فى ذهن الطفل الصغير فى لقمة تسد ضور جوعه، ولعبة تدغدغ مشاعر نفسه.

 

·        وهى فى ذهن الشباب مقصورة فى المال والجنس وما يحيط بهم من لهو وسهو وأغتباط.

 

·        بينما معناها فى أذهان الرجال، يدور حول القوة والعزة. وفى أذهان النساء فى الجمال والعز والأسرة.

 

·        ومعناها للكهول الذين ينقسمون فى ذلك إلى فئتين مختلفتين:

 

إحدهما: تعنى الحياة لها الحسرة والخيبة والإحباط لأنها لم تحقق فيها ـ بعد أن أقتربت أقدامها من حافة أعتاب الموت ـ أحلامها التى رسمتها فى طور شبابها.

والنوع الآخر منها: هى التى حققت أحلامها التى تطلعت لها فى صغرها، وحققت الرضا الذى سعت نفسها إليه؛ وهذه الفئة تعنى الحياة لها ـ فى طور كهولتها ـ التأمل والإستغراق فى الحكمة منها ومن وجود البشر فيها.

 

*****

 

الحياة وقواها ..

 

للحياة قوة، لا يخفى بريقها ولمعانها وجاذبيتها، ولعل أهمها: الصحة، والمال، والنجاح، والجاه، والسلطة، والكثير الآخر.

 

من أجل المال يقتل البشر بعضهم البعض ..

ومن أجل السلطة يقتل الأفراد شعوبهم ويذلوها ..

ومن أجل النجاح يعمد البعض إلى الكيد لأندادهم ومنافسيهم ..

 

*****

 

جمال الحياة ..

 

فى فهمها.

 

بمعنى أنه، إذا تمكن المرء من فهم حقيقة الحياة، وسبر أغوار الحكمة من ورائها؛ فأنه في حينه، سوف يتمكن ـ من دون ريب ـ من رؤية جمالها المستتر.

 

*****

 

نقطة ضعف الحياة ..

 

فى قصرها.

 

يعيش الإنسان ثلاثة مراحل، أو دورات، عبر مسيرة حياته القصيرة. يستهلها بطفولة ـ متلاحمة مع صبا ومراهقة ـ تستهلك ثلث عمره الإفتراضي؛ لتأتى فى أعقابها مرحلة الشباب والرجولة التى تستهلك ثلث وينيف من حياته المحسوبة؛ ليجد نفسه ـ في نهاية المطاف ـ أسير مرحلة الكهولة التى تنهب منه ما تبقى له من عمره المكتوب.

 

*****

 

إبتهال ..

 

رحم الله أمي وأبي وزوجتي وأقاربي وأصدقائي الذين تخلصوا من سطوة الموت ومن سكرات الحياة.

 

رحم الله إدريس، أبن جارنا، الذى أستيقظ من سكرات الحياة وهو لا يزال يظن أن معناها يدور حول لقمة تسد ضور جوعه ولعبة تدغدغ مشاعر نفسه.

 

ورحم الله ميلود، صديق الصبا، الذى مات وهو يظن أن معنى الحياة يدور حول المال والجنس ولعب الكرة.

 

ورحم الله مريم التى ماتت فى ريعان شبابها، وهى تظن أن معنى الحياة يدور حول الجمال وبهاء الطلعة والطالع.

 

ورحم الله خليفة، أبن العم الذى عرف كنه سكرات الحياة وجابهها بإبتسامة ودودة.

 

ورحم الله كافة البشر، الذين ماتوا وكثيراً منهم يظن بأن الحياة تعنى المال والسلطة والجبروت والجاه والكثير من هذه الترهات.

 

ورحمةُ اللهِ على روحي، وذلك من جانب الحيطة، لعلي أغادر فى يومٍ ولا أجد من يترحم علي.

 

 

 
 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on January 4, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: