(II) بواخات

كان ياما كان، فى سالف العصر والأوان ..

كان هناك سلطان، وما سلطان إلاّ الله ..

ومن أقترفت نفسه ذنوب فليستغفر الله.

 

ـ مقدمة متكررة فى كثير من

القصص والحكايات والأساطير المروية ـ

 

 

(د)

مؤخرات القرود ليست موضع نقاش

 

في يومٍ ما، ولا تسألوا متى كان هذا اليوم، أترك ذلك لمخيلتكم الواسعة، على شرط أن لا توسعوها على الآخر. فى ذلك اليوم، تصادف أن سعدية الجميلة البهية، كانت تتأمل ساعة الأصيل، من شرفة بيتها المطلة، على شاطىء بحر الشابي، (هل قلت الشابي، أسف غلطة مطبعية، أقصد بحر الصابري).

 

السماء كانت ضاربة .. جملة إعتراضية .. ضاربة هنا، ليست بمعنى أنها شارعة فى ضرب أحد مخلوقات الله الكثيرة (لا سمح الله)، وإنما تعنى بأنها ضاربة الحمرة فى لونها، والحمرة ـ لمن لا يعرف ـ تعنى فى اللهجة العراقية أحمر الشفاه، الذى يطلقون عليه الليبيون (تأدباً) حمير.

 

المهم، دعونا نكمل قصتنا: كانت الشمس ضاربة إلى الحَمار .. جملة إعتراضية ثانية، غير التى سبقتها .. الحَمار هنا، ليس الحمار الذى تعرفونه، صاحب البردعة والبرطعة والنهيق، والذى تشرفنا جميعاً بمعرفته.

 

المقصود هنا، اللون الأحمر، مثل ذلك الذى تحمله القرود على مؤخراتها، مع الإعتذار للقرود فى ذنب ليس لها عليه سلطان، وبما أنه قد أتت سيرة السلطان، فلا سلطان إلاّ الله، وعلى الذي تحمل نفسه ذنوب أن يستغفر الله؛ ثم أن مؤخرات القرود ليست محل نقاش هنا، ولندع الخلق للخالق.

 

*****

 

(ذ)

سعدية وفرجينيا

 

كانت الشمس فى ساعة الأصيل ضاربة للحمار وقليل من الصفار .. (أنتبهوا هنا) إلى أن الصفار، ليس ذلك الذى ذهبت إليه بطونكم، أي صفار البيض، وإنما هو اللون الأصفر، والأصفر بالذات وليس اللون الأزرق (فى عينيها)، الذى ذكره العم نزار قباني فى قصيدته "رسالة من تحت الماء"، والتى غناها العم عبد الحليم حافظ.

 

(كلاكيت عاشر مرة)، كانت سعدية جميلة الجميلات، صحيح أن هذا اللقب يخص فرجينيا، ولكن المرء لا يملك إلاّ أن يمنحه لسعدية أيضاً تحيزاً لجمالها الباهر، إذا أسعده الحظ برؤياها.

 

عموماً، الأثنتان (سعدية وفرجينيا) تستحقان ذات اللقب بجدارة وفوقه قبلة حارة .. قبلة ! يا عيب الشوم .. هذا كلام يخدش مشاعر الحياء العام ، أعتذر عنه، ولنجعلها حبه ساخنة، بلهجة الليبيين ـ أصحاب العفة والطهارة ـ وإذا لم يعجب هذا التأدب المبالغ فيه بعض القراء، من أصحاب التطلعات البرجوازية، نجعلها بوسة ملهلبة، بلهجة أهل الكنانة.

 

على فكرة، الليبيون (هؤلاء) أمرهم غريب، يستخدمون ـ أحياناً ـ ذات المصطلحات للدلالة على أكثر من مسمى، والأدهى والأذل فى هذا السياق، أن بعض هذه المسميات التى تشترك فى الدلالة على ذات الشيء، تكون متناقضة أو غير منسجمة فى إيماءاتها المنشودة.

 

*****

 

(ر)

الطهارة فى القلب

 

وحتى لا أتهم بالتحامل على أصحاب العفة، لنرجع لكلمة حبه، وأسمها المكنى حبيبه، التى يقصد بها أهل الطهارة .. أرجو أن لا يذهب خيالكم بعيداً، وتعتقدون أنني أتحدث عن الطهارة (أياها) ! تعرفون ما أقصده، ولا تحاولوا لبس جبة البراءة أمامي.

 

الطهارة التى أتحدث عنها هنا، ليست نفس الطهارة الأخرى التى طرأت فكرتها على مخيلة الذكور منكم فى هذه اللحظة ! وذكرتكم بالذى مضى، يوم الملحمة الشهيرة (ملحمة طهارتكم)، التى أرغموكم في أثناء غمار وطيسها ـ إمعاناً فى إذلالكم ـ على إرتداء فستان نسوي لونه أبيض، والبقية معروفة للقاصي والداني.

 

 دعونا ـ من فضلكم ـ من الطهارة التى تجلب للبعض هواجس ذكريات حزينة. ولنتحدث عن أصحاب العفة (الليبيين)، الذين يطلقون على القبلة أسم حبه، وإلى هنا، ليس فى الأمر غرابة، والغرابة هنا ليس مقصود بها أهل غرب ليبيا، عندما يشير إليهم بعض أفراد شرق ليبيا، والعكس حينما يشير بعض أهل الغرب إلى أهل شرق ليبيا بمكنى شراقة.

 

لقد خرجت عن خط قضبان السكة الحديدية اللغوية، فها أنا أبعد عن موضوع الحبة، التى أكاد أن أجعل منها قبة. والأسوأ ـ من ذلك ـ أنني بعدت كثيراً عن قصة سعدية (حبيبة قلبي) وسعد ذلك المحظوظ، الذى قررت أن أحسده ما حييت فى هذه الدنيا، بل أنني قررت أن أحسده بعد موتي أيضاً.

 

ومادام الحديث قد قادنا إلى سيرة موتي، أريد أن أُسر لكم بشيء، أنتم تعلمونه فى قرارة أنفسكم، وهو أن موتي سيحدث فراغ كبيراً بينكم، هذا على الرغم من أن كثيراً منكم سيفرحون أكثر من فرحتهم بيوم زواجهم، وسيضحكون ـ بملىء رئاتهم ـ حتى الثمالة.

 

وسوف يقتتل البعض للقفز فوق صهوة الفرصة السانحة، من أجل الإستحواذ على مكانتي المرموقة بينكم .. قمة التواضع .. لا أحد يستطيع إنكار تواضعي المشهود، فى هذا الخصوص، لأن الذى يتجرأ على فعل ذلك سوف أحرمه من الميراث.

 

عموماً .. فكروا فى الموضوع وأعدوا له من الآن ! ولكن، لابد لي من أن أنبهكم لأمر هام؛ وهو أنه قد ينجح البعض ـ منكم ـ فى ملىء الفراغ الجسماني الذى سأتركه برحيلي عن عالمكم، لكنه ـ قطعاً ـ لا أحد يستطيع أن يكتب لكم مثل هذه البواخات العاطرة، التى تليق بمقامكم المحمود.

 

المهم، دعونا من الموت، فسيرته تجلب الغم، وتطرد الأفكار البايخة من خلايا ذهني؛ ولنتحدث عن الحياة، وسعدية وأشياء أُخرى.

 

*****

 

(ز)

خطة جهنمية

 

لقد قررت، بعد ـ بعض ـ التفكير المروى أن أتحلى بروح رياضية تجاه سعد، وأريدكم أن تفعلوا المثل؛ فدعونا لا نحسده على فوزه بقلب سعدية .. آه سعدية .. أوبسسس (على رأي الأنجليز عندما يرتكب أحدهم غلطة عفوية) .. يهيأ لي أني حرقت عليكم نهاية القصة، فقد سقط مني سهواً معلومة هامة فى أحداث قصتنا الدرامية، تُفيد بأن سعد قد فاز بقلب سعدية الجميلة البهية !.

 

أسف يا جماعة .. عموماً، أنا عندي خطة، لا تخر منها نقطة ماء واحدة، ويكمن فى تنفيذها معالجة هذا الموقف ـ الذى وقعنا فيه جميعاً ـ بسهولة تماثل عملية إخراج شعرة من عجين.

 

أسألوني (إذن) عن الخطة، تجدوني أقول لكم على وجه العجلة .. نقطة نظام .. العجلة هنا، ليست العجله باللهجة المصرية، التى يسمونها أيضاً البسكلته، ويسمونها بلغة الإذاعات العربية الدراجة، والتى يشذ الليبيون عن الجميع فى هذا الصدد، بتسميتها بشكليطه، ويبدو أن الليبيين يعشقون حرف الطا بشدة، حيث نجدهم يسمون الشوكالاتة، شوكالاطه.

 

دعونا، من فضلكم، من الليبيين وغرامهم الدامي بحرف الطا، ودعونا من شوكالاطتهم التى يلتهمونها بنفس شره إلتهامهم للبراك والعصبان والكسكسو والفاصوليا بالكرشة. المهم لدينا الآن، أن ننفذ الخطة التى تفتق عنها ذهني الوقاد .. يا عيني على التواضع.

 

مفاد هذه الخطة يتطلب منكم نسيان موضوع فوز سعد بقلب سعدية، فعليكم التظاهر بأنه لم يحدث البتة، وأنكم لم تقرأوا عنه فى هذه المقالة البايخة، وتستمروا فى قراءة حيثيات القصة، التى سأستمر من جانبي فى سردها !.

 

خطة عبقرية ! أليس كذلك ؟ .. آه .. خسارتي فى هذا البلد .. تواضع (مرة أُخرى) .. ماذا عساي أن أفعل ؟ فأنا هكذا أخلد للتواضع.

 

*****

 

(س)

طرشقة العيون .. فنون

 

وعموماً، دعونا نرجع لحكاية الحبه وعلاقتها المتينة بأصحاب العفة الليبيين (يجعل كلامنا عليهم خفيف). إن الليبيين، كما سلف الذكر، يستخدمون فى بعض الأوقات، نفس المصطلحات للإشارة إلى أشياء مختلفة؛ والحبه إحدى هذه المصطلحات التى يتم إستخدامها فى مواضع مختلفة.

 

 فيما يلي سأضع الحبه فى عدة جمل مفيدة مختلفة المعانى:

 

·       عطيني حبه فى الشوارب، وأنكانك ما تبيش عطيني أوحيده فى الخد.

 

بمعنى: أعطني قبلة فى الشفاه، وإذا كُنت لا ترغب فى ذلك، فأعطني واحدة على الخد.

 

·       طلعتلي حبه فى خدي.

 

بمعنى: ظهرت فُسيْفِساءُ على خدي ـ قد تكون بسبب حمى الأكل أو غيره ! ـ وعلى سبيل المثال، فإنه يمكن لأي مفردة من حب الشباب، أن تفى بالمعنى المطلوب فى هذا السياق.

 

·       الطبيب قاللي نأخذ حبه فى الصبح وحبه فى الليل.

 

بمعنى: قال لي الطبيب أن أتناول قرص دواء فى الصباح، وآخر فى المساء.

 

·       حبه أطرشق عينك.

 

وهنا أختلف جهابذة اللغة على معنى الحبه، لكنهم لم يختلفوا على ما تفعله فى العين المراد طرشقتها. فنجد الزمخشري، يرآها كالحبة التى تظهر على الخد ـ فى المثال السابق ـ أو فى أي موضع آخر من جسم الإنسان، لكنها عندما تصيب العين تطرشقها. بينما سيبويه يذهب أبعد من ذلك، حيث يرآها حبة ذرية متفاعلة نووياً، أعدت خصيصاً لتقوم بمهمة طرشقة العيون.

 

وبهذه المناسبة، أن طرشقة العيون دائماً تأتى كدعوة تبتهل بها الفتاة الليبية لتصيب من يتجرأ على مغازلتها من شباب وشياب ليبيا. وهذا معقول ويمكن للمرء فى هذا المضمار، أن يستوعب أسبابه، المنطلقة من عفة الفتاة الليبية الملتزمة، التى توقف كل من يغازلها عند حده، حتى لو طرشقت له عيونه بدعوة صميمة من القلب.

 

ولكن الذى لا يستطع المرء أن يجد له تعليل منطقي، هو أن نفس الفتاة، فى بعض الأحيان تطلق دعواها إلى الله، بطرشقة عين حبيبها، وذلك من كثر عشقها له، وهذا ما تفصح عنه الأهزوجة الشهيرة التى تتغنى بها الحبيبة الليبية لحبيبها:

 

يا بابور الغالي وينه  … عطه حبه أطرشق عينه

 

وعموماً، لا نريد أن نضيع وقتنا، فى لعبة التسميات، والمرادفات، فلا يهم أن نطلق على تلامس شفاه الأحبة من جنسي البشر، قبلة، أو حبه، أو بوسه، فالجدير بالإهتمام هنا، هو تأثير هذه الواقعة على ممارسيها.

 

*****

 

(ش)

دعوة وأمل

 

خلاص، لقد أضعنا من الوقت ما فيه الكفاية فى الكلام الفاضي، ودعونا من فضلكم، نركز على موضوع قصتنا، التى طالت دون أن نتحرك قيد أنملة فى أحداثها الدرامية. نعم درامية من دراما مثل التى كان يعرضها كراكوز بازاما. أعترف أن الجملة الآخيرة سمجة حتى بمقاييس البواخات الجارى كتابتها .. (معلهش سماح النوبة دي) على رأي أخوننا فى مصر.

 

وعموماً لقد أدركني التعب من محاولة تجميع الكلمات .. عفواً، أقصد البواخات .. فكفاكم هذا القدر منها ومن قصة سعدية الجميلة البهية.

 

على فكرة .. لدي بشرى لحملة الثانوية أو ما يعادلها، فليسن الجميع أسنانهم ـ وضروسهم أيضاً ـ من الآن، إستعداداً لوجبة أُخرى من البواخات السمجة، التى على الدرب لا تحيد، كعهدها الدائم، ثقيلة ودمها يلطش. وعسانا ـ إذن ـ نلتقى (إن شاء الله) في جزءٍ آخر.

 

أمنيتي أن أقول لكم البقية فى العدد القادم، وهذا كالعادة الجارية، بالطبع لا أقصد ـ هنا ـ العادة الشهرية، ولكن عادة مجلات الأطفال والشباب والكهلة: سمير وميكى وسوبرمان وبقية عائلة "المان"، سبيدر وبات وأيرون وغيرهم.

 

على فكرة .. غير الفكرة السابقة .. سأدعو (الله) لأصحاب العفة والطهارة، أن يخلصهم من تأثير البواخة التى كبلتهم بسماجتها، فيثورون على النظام الفاسد؛ وينعمون ـ بعد ذلك ـ برغد العيش، الذى حرمهم منه رأسه الفاسد على مدى تسع وثلاثون سنة.

 

وعلى فكرة .. تختلف جذرياً عن الفكرتين السابقتين .. إذا كان أحدكم، قد جعلته البواخات السالفة يضحك، أو حتى يبتسم؛ فعلى رأي الأخوة المصريين: أبقه تعالوا قابلوني (أبلوني). ولا يسأل أحد الظرفاء: حنقابلك فين ؟. لأني سأقول له على الفور: على شبكة الإنترنت يا نبيه.

 

 

أضغط هنا للإطلاع على الجزء الأول من "بواخات" 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on January 4, 2009, in تسلية وترفيه. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: