لم تشتعل

منقولة عن صحيفة الحياة

كتابات أعجبتي

لم تشتعل…؟!

ثريا الشهري

 

منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي دخلت معرفة الدوافع الذاتية للقائد السياسي حيزاً مهماً في التحليل السياسي، فطفولة الرئيس الأميركي «ويلسون» تميزت بسيطرة والده عليه بتحكم شكّل لديه دافعاً قوياً نحو الإنجاز وممارسة القوة بمفرده، بل وفرض إرادته على غيره كقاعدة أساسية في علاقاته مع الآخرين، ومن ذلك إصراره في مؤتمر فرساي عام 1919 على قبول الحلفاء وجهة نظره في كيفية تسوية مشكلات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتهديده بالانسحاب من المؤتمر إن لم يفعلوا، غير تمرده على التعديلات التي حاول الكونغرس الأميركي إدخالها على اتفاقية فرساي، والتي أدت إلى رفض الكونغرس الاتفاقية برمتها، وعدم دخول الولايات المتحدة عصبة الأمم آنذاك.

 وقد قيل يوماً عن الرئيس «جمال عبدالناصر» إن حاجته إلى الإحساس بالأمان منذ طفولته نتيجة وفاة والدته وهو لا يزال طفلاً، وسرعة زواج أبيه من أخرى قد ولّد لديه ميلاً نحو الشك في الآخرين، ونزعة لاتّباع سياسات تنطوي على تأكيد الكرامة واحترام الذات، على اختلاف دوافع الرئيس «أنور السادات» الذي يرى هيكل أنه كان يحمل في أعماقه بذور النجومية المفسّرة لكثير من سلوكياته السياسية كمثل قرار الذهاب إلى إسرائيل عام 1977، بصرف النظر عن بعد نظره السياسي في تلك الخطوة الجريئة غير المسبوقة.

هذا غير الخصائص الشخصية للقادة السياسيين التي كثيراً ما لعبت دورها في التأثير السياسي لدولهم، فوجود «أنتوني إيدن» في رئاسة الوزارة البريطانية في منتصف الخمسينات، وكراهيته الشخصية للرئيس عبدالناصر، كانا من العوامل التي مهدت للعدوان البريطاني على مصر عام 1956، بل ويؤكد بعضهم أنه لو كان شخصاً آخر غير «إيدن» رئيساً للحكومة البريطانية في ذلك الوقت، لتغير وجه السياسة البريطانية تجاه مصر.

ولنأخذ مثلاً الإمبراطور السابق لأفريقيا الوسطى «بوكاسا»، ووجود «عيدي أمين» على رأس الحكومة في أوغندا، وما قاما به من تصرفات غير سوية أدت إلى اتباع الدولتين لسياسات اتسمت بالاضطراب وعدم الحكمة، صحيح أن هناك مصالح عامة يؤمن بها كل من يشغل منصب القائد السياسي، إلا أنها تكتسب أبعاداً معينة من خلال رؤية القائد الشخصية لها، وكذا وسائل تحقيقها، فالسياسة الأميركية تجاه الاتحاد السوفياتي في عهد الرئيس «نيكسون» كانت تختلف عنها في عهد الرئيس «ريغان»، رغم انتماء كليهما إلى الحزب السياسي نفسه، فالأول جعل من الانفراج المحور الأساسي لسياسته السوفياتية، والثاني جعل من المواجهة الاستراتيجية العالمية الركن الأهم لتلك السياسة.


كلمة أخيرة: الدوافع الذاتية هي مجموعة العوامل المرتبطة بالحاجات الأساسية (المادية والمعنوية) للإنسان التي تدفع الفرد إلى التصرف بشكل معين، كالدافع نحو القوة والحاجة إلى الإنجاز أو الانتماء… إلخ، وقد تبين أن الدوافع الذاتية العدوانية والأنانية لدى البشر هي أحد المحركات الرئيسية للحروب بين الدول، فاعرف نفسك تجد خانتك بين البشر…!!.

 أما الخصائص الشخصية فتنصرف إلى مجموعة الخصائص المرتبطة بالتكوين المعرفي والعاطفي والسلوكي للإنسان، كأن يكون المرء ذا شخصية تسلطية، أو يكون ميالاً إلى الانفتاح على الأفكار الجديدة وهكذا…! وكلما زادت درجة جمود الإنسان في حياته، كلما اتسمت قراراته بالتكلس وبالتعصب غير المنطقي في كثير من المواقف، والمعضلة أنه كلما زاد حجم مسؤولياته، كان ذلك مؤشراً على انتشار تأثير تصرفاته على نطاق أوسع، أشد تأزماً.

ومع هذا فكل منصب يشغله القائد إنما يحمل معه هامشية محددة من الحرية، فليس شرطاً إن تعاطف مع شعب ما، أن تصدر عنه سياسات تخالف مصلحة الكرسي الذي يجلس عليه، ولكن وبالرغم من هذا التقيد، إلا أنني دائماً ما أتساءل عن التكوين النفسي للقواد الإسرائيليين على مر التاريخ ! وعن قوة المبرر المقدس الذي يؤمنون به فصالحهم مع ذواتهم في مشيهم على الجماجم، أكيد أن المسألة أعمق من مجرد نعتنا لهم بالوحوش البشرية !.

وقالوا: «الحرب لا تستعر نيرانها في أجواف المدافع، بل في قلوب الناس وأفكارهم أيضاً» ميخائيل نعيمة.

  

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on January 13, 2009, in كتابات أعجبتني. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: