في المزاد العلني

مقالة منقولة عن كتاب طرق مغطاة بالثلج
تحقيق الباحث: سالم الكبتي

الصادق النيهوم

 

" وإذا قتلت إنساناً دون أن تحمل جثته إلى بيتك لكي

تقتات بها العائلة، بدل شراء اللحم بالدين من

الجزار، فأنت في الواقع قاتل مبذر ".

 

 

وفي كل يوم تركع المناضلة فاطمة برناوي على أرض المعتقل القائم في وسط الطريق بين تل أبيب وبين مدينة بيت المقدس، وتقول لحبات الرمل: " الله أكبر يا حبات الرمل ". وتدب الصلاة في جدران الزانزانة، وفي عروق الأرض مثل نهر خفي بعيد الغور، وينحني سياج المعتقل، ويتثاءب الحراس، ويبدأ النهار في بيت المقدس، وفي مدن العالم الأخرى بتقديم القهوة وموجز الأنباء. ثم تفتح الأمم المتحدة أبوابها، ويحمل الكناس حصيلة البارحة من الأوراق الرسمية إلى علبة القمامة؛ ويضع جرس المزاد على منضدة الرئيس، ثم يبدأ المزاد.

 

إن المرء يستطيع بالطبع أن يجد كلمة أخرى، ولكن كلمة المزاد .. أيضاً ليست سيئة. ثم إن طريقة الأمم المتحدة في نقاش قضية الشرق الأوسط لابد أن تذكرك بالمزادات الصغيرة التى تقام عادة في ميدان البلدية لبيع تركة أحد الموتى من قطع الموبيليا. فالناس هناك ـ أعني في الأمم الأمم المتحدة ـ يصلون إلى السوق دون أية تحديدات سابقة لأسعار البضاعة .. إنهم يفضلون أن يعرضوا القضية على المتفرجين، ويتركوهم يقولون لهم آخر كلمة لديهم، أعني آخر سعر، ثم يرسو المزاد على الزبون الذى يقدم أكثر من سواه.

 

واللعبة المخجلة من الداخل، أن أحداً في الأمم المتحدة، لا يملك منطلقاً واضحاً غير قابل للمساومة تجاه إسرائيل أو اللاجئين .. فالمرء ينتظر أفضل فرصة ممكنة، بغض النظر عن فكرة العدالة، لكي يجد حلاً أكثر قبولاً من سواه، وإذا قررت الدول العربية غداً أن تعقد معاهدة صلح مع إسرائيل وتترك اللاجئين لمصيرهم، فإن الأمم المتحدة لن تتردد لحظة واحدة في اعتبار المشكلة منتهية، وتحتفل أيضاً بالمناسبة على نفقة إحدى شركات الويسكي التى تتبرع عادة بمنتجاتها لحفلات السلام بحثاً عن قليل من الدعاية.

 

فالمرء يريد أن يستريح من وجع الدماغ، ذلك يحدث في المزادات الصغيرة وفي الأمم المتحدة أيضاً على حد سواء، لأنه ليس ثمة إنسان هنا يهمه حقاً أن يحمل مبدأه فوق كتفه ويعبر به تلال أورشليم لكي يصلب فوقه عارياً لمجرد الدفاع عن فكرة العدالة. إن الذين فعلوا ذلك وقفوا جميعاً خارج الأمم المتحدة، من المسيح إلى جيفارا وياسر عرفات والفيت كونج.

 

وإذا كانت الصحف الغربية الهائلة الإمكانيات قد نجحت دائماً في إغراء العالم بالأفكار المتمثلة في ميثاق حقوق الإنسان الصادر رسمياً من الأمم المتحدة، فإن الملاحظ بطريقة خالية من الغموض أن ذلك الميثاق ـ والصحف الغربية أيضاً ـ وقفا على الدوام ضد الإنسان، الباحث عن حقه، في عناد لا يمكن تفسيره بأنه مجرد صدفة .. وقد وقفا ضد شعب كوريا الشمالية وضد شعب الصين وفيتنام وفلسطين، وعملا معاً ـ في تعاون يثير الشك ـ على تشويه قضايا النضال الإنساني البسيط، واتهامه بالانحراف في أي اتجاه تأتي به الصدفة.

 

ولعله مما يبعث على خيبة الأمل أن يلتفت المرء إلى الوراء فجأة ويكتشف بعيني رأسه أن المنظمة الدولية التى تبرعت بالعمل لحل مشاكل الصراع العالمي، منذ نهاية الحرب الماضية، لم تضم قط تحت قبتها الفاتنة المغطاة بالمرمر سوى أصحاب معاطف الفراء. أما عراة الأجساد فقد ظلوا يقفون في المطر عبر سهول ديان بيان فو وكوريا الشمالية والجزائر وأدغال فيتنام وفلسطين، وظلوا يموتون بالنابالم وشتائم الصحف الغربية وقصائد الشعراء الإنسانيين على أرصفة نيويورك.

 

إن الأمم المتحدة قد وقفت دائماً بجانب الإنسان، هكذا تبدأ الخرافة البيضاء، ولكن ذلك الإنسان لم يكن قط غير أبيض الجلد، ولم يكن أبداً عربياً أو مسلماً أو من منطقة الشرق الأوسط، وهذه النقطة يمكن نقاشها من أية زاوية يقع عليها الاختيار، دون أن تتعرض لحظة واحدة إلى الشكوك، ولكني هنا أريد أن أعرضها للنقاش من أكثر الزوايا عتمة في العالم .. من المعتقل القائم في وسط الطريق بين تل أبيب وبين بيت المقدس حيث تسقط المناضلة فاطمة البرناوي كل يوم على وجهها، وتقول لحبات الرمل "الله أكبر يا حبات الرمل".

 

فالأمم المتحدة والصحف الغربية وطلاب الجامعات الممتلئون بالحكمة إلى أفواههم، الذين لا يكفون عن صناعة المظاهرات الصاخبة من أجل إسرائيل، يعرفون جميعاً ـ وبطريقة لا تقبل الجدل ـ أن المرء لا يستطيع أن ينطلق من نقطة واضحة حقاً عندما تجره عواطفه البسيطة التركيب لكي يخرج للتظاهر ضد امرأة تدفن وجهها في أرض المعتقل وتتحدث مع الله.

 

إن ذلك لابد أن يظل إلى آخر مداه مجرد نوع من الكره الأعمى غير العاقل، الذى لا يصدر من منطلق واضح، والمرء يستطيع بالطبع أن يجد حاجته من الأعذار المعقدة، ويستطيع أيضاً أن يفترض أن الوقوف بجانب إسرائيل ضد شعب جائع حافي الأقدام عادة يومية ـ مثل عادة التدخين ـ لا تحتاج إلى منطلق معين، ولكن .. هل بوسع أحد في الأمم المتحدة أو في الصحف الغربية أن يتجنب الوقوع فريسة الإحساس بالتفاهة عندما يأوى إلى فراشه في نهاية المطاف ويكتشف أن ما فعله طوال النهار، أنه بات يدمن الكره إلى جانب إدمانه للتدخين ؟.

 

فالمنطق لابد منه لكي تموت أو لكي تعيش، والصحف الغربية التى تريد أن تفترض أنها تقف بجانب إسرائيل ضد الدول العربية، وليس ضد اللاجئين، لابد أن تواجه ـ أمام نفسها على الأقل ـ الحقيقة القائلة بأن الدول العربية أيضاً مجرد احتياطي في الشرق الأوسط لمزيد من اللاجئين. وأن نقطة الصدام لا تتمثل في معارك الحدود الحالية بل في المعارك المتوقعة حول الحدود القادمة في العام التالي أو العام الذى يليه .. وأن المرء لا يدفن وجهه في أرض المعتقل ويتحدث مع الله لأنه يريد أن يقتل اليهود، بل لأن اليهود يريدون أن يقتلوه.

 

الصحف الغربية والأمم المتحدة والطلاب المدهشون الذين يمتلئون بالحكمة والمربى، لابد أن يوجهوا حقيقة  الموقف في لحظة ما من لحظات النهار .. على الأقل عندما يضطر أحدهم إلى الجلوس وحده في المرحاض، ويكتشف أن ضميره لم يبق وراء الباب. والمرء يتوقع عندئذٍ أن يحس ذلك المخلوق بأن بعض الأشياء التى يحملها الإنسان في داخله قد لا تجد مكاناً أفضل من أنبوبة المجاري، وأن فكرة الأمم المتحدة والصحف الغربية عن قضية اللاجئين تدخل في ذلك النطاق.

 

فالمعركة في الشرق الأوسط ـ رغم ما حدث فيها حتى الآن ـ ماتزال مجرد كلمة واحدة. إنها معركة بين امرأة تدفن وجهها في أرض المعتقل وبين رجل ينظر إلى العالم بعين واحدة، ومهما قالت المظاهرات بعد ذلك، وقالت الصحف الغربية والأمم المتحدة، يذهب إلى المرحاض. فالسياسة لا يجوز أن تفسد مبادىء العالم. والمرء ـ منذ البداية ـ لا يستطيع أن يفترض أن ثمة إنساناً يستحق القتل لأي سبب من الأسباب، أو تحت أية ظروف، إلاّ إذا كان ذلك الإنسان نفسه يؤمن بالقتل.

 

ومادمنا لا نتغذى على لحم بعضنا ـ كما نتغذى على لحم البقر ـ فلابد أن المبرر الوحيد لأن يقتل أحدنا الآخر، هو أن يكتشف أنه لا يملك فرصة لمواصلة الحياة بجانبه، ذلك يعني أن يكتشف أنه مثل الحية السامة يحمل شيئاً قاتلاً بداخله .. يحمل فلسفة.

 

والصهيونية فلسفة. إنها لا علاقة لها بالأجناس أو الأراضي .. إنها مجرد فلسفة تستطيع أن توجد في أي دين، وفي أي مكان .. وقد وجدت ذات مرة في مدينة ميونيخ، ووجدت في مدينة روما، وتوجد الآن في تل أبيب. وقد دعاها أحدكم ذات مرة نازية، ودعاها أيضاً فاشية، وندعوها نحن ـ بلغتنا البسيطة الإمكانيات ـ إسرائيل، ولكننا نعني في الواقع أكثر من ذلك قليلاً.

 

فنحن لا نملك فلسفة في الشرق الأوسط، إننا ندفن وجوهنا في أرض المعتقل ونتحدث مع الله. والله ليس فلسفة، ولا يتبع أحد الأديان دون سواه، أو أحد الأجناس دون سواه، أو تحد أرضه بوابة عسكرية .. الله يضم العرب واليهود معاً، والصهيونية لا تضم سوى اليهود .. والله يقول إن الناس سواء، والصهيونية تقول إن سكان إسرائيل هم شعب الله المختار، والباقي ليسوا مختارين.

 

والله يريد أن يرفع الاضطهاد عن كل إنسان، والصهيونية تريد أن ترفع الاضطهاد عن الإنسان اليهودي وحده بالذات، حتى إذا اضطرت إلى دفع الثمن بجثت الآخرين، والله يقول إنه ينزل المطر في أرض فلسطين لكي يزرعها الإنسان، والصهيونية تقول: إنه ينزله لكي يزرعه اليهود وحدهم في حراسة دوريات الحدود. والله محبة، والصهيونية محبة اليهود وحدهم، والله مبدأ الإنسان، والصهيونية مبدأ الحزب .. والله أكبر وحبات الرمل تعرف ذلك.

 

فماذا يستطيع محررو الصحف الغربية أن يفعلوا عندما يضطرون لمواجهة ضمائرهم في لحظة ما من لحظات الخلوة بالنفس. على الأقل داخل المرحاض ؟.

 

إنهم يقنعون أنفسهم بأنهم في الواقع يقفون بجانب شعب إسرائيل الصغير ضد مائة مليون عربي مصنوع من الفولاذ .. ويقنعون أنفسهم بأنه ليس من العدل أن يتشرد اليهود في العالم ويواجهوا الاضطهاد والعنت ثم يتجمعون في فلسطين ويواجهون مذبحة بالجملة، ويقنعون أنفسهم بأن الإنسان اليهودي يملك الحق كاملاً في أن يعيش بسلام إلى آخر لحظة من عمره .. ويقنعون أنفسهم بأن العرب الذين ينكرون هذه الحقائق البديهية من ميدان الأمم المتحدة، لابد أن يقبلوا ذلك بالقوة.

 

فمن ينكر ميثاق الأمم المذكورة أعلاه حقاً ؟ الله أم الصهيونية ؟ مبدأ الإنسان أم مبدأ موشى دايان الذى ينظر إلى العالم بعين واحدة ؟ ومن يحمل قارباً أكثر اتساعاً ؟ الربان الذى يريد أن يحمل جميع الغرقى أم الربان الذى جاء لإلتقاط ركاب الدرجة الأولى وحدهم، وشتم الآخرين في الصحف الغربية ؟.

 

ومن يرغب في القتل ؟ الذى فقد فرصة الاختيار، ولم يعد أمامه سوى أن يقبلك معه في بيته ؟ أم الذى يعلن لك أسفه لأنه مضطر لقتلك نظراً لعدم حصولك على شهادة ميلاد يهودية ؟ من ؟ الذى يقول دعنا نعش معاً، أم الذى يقول إنه لا يستطيع أن يعيش معك لأنك لست من شعب الله المختار .. ؟ من ؟ هل يعرف المرحاض ؟ هل تعرف الأمم المتحدة المذكورة أعلاه، والصحف الغربية التى تفوح بروائح الفلسفة الإنسانية البيضاء الجلد .. وهل يعرف طلاب الجامعات ؟.

 

إن الأمر يدعو إلى الأسف .. فالإنسان مايزال في حاجة إلى بضعة قرون أخرى لكي يتعلم عدم الوقوع فريسة عواطفه البسيطة التركيب .. والعالم في حاجة إلى مزيد من المعرفة .. إنه في حاجة إلى معلم كل يوم .. فانظروا ما يحدث: في كل يوم تركع المناضلة "فاطمة برناوي" على أرض المعتقل القائم في وسط الطريق بين تل أبيب وبين بيت المقدس وتقول لحبات الرمل: الله أكبر يا حبات الرمل .. وفي كل يوم يصلب معلم في أورشليم.

 

1969م.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on January 20, 2009, in الأقلام المبدعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: