من جردس العبيد إلى لوزان

من جردس العبيد إلى لوزان

أربعة الاف ميل من أجل بلوغ الحضارة

 

" ولم يكد عمي يتم كلماته حتى وجدتنى سأقفز من على الكرسي

الذى أجلس عليه، أو أن الكرسي نفسه سيقذفنى من على سرجه.

وزادت سرعة خفقان قلبى ودقاته، حتى خالنى أنها تعلو على صوت

هدير محرك السيارة؛ وحينها همست  لنفسى: ها أنا قاب قوسين

أو أدنى من بوابة العالم الآخر، بوابة عالم الحضارة  ".

 

كُنت قد اكتشفت منذ ان تكون الوعى فى ذاكرتي، وأنا طفلٌ صغير ان هناك عالمين فى هذه الدنيا، عالم جردس العبيد*، الذى أعيش فيه وأُعد من ضمن أطفاله البسطاء، وعالم آخر حدوده تبدأ خارج حدود منطقة جردس العبيد.

 

واكتشفت أن أُناس العالم الآخر مختلفون فى كل شئ عن أُناس عالمنا فى جردس العبيد، فأُناس العالم الآخر يركبون عربات ذات بريق ولمعان ينبعث من صاجها مثلما ينبعث من زجاجها وفوانيسها، وهم مختلفون فى هندامهم؛ فثيابهم نظيفة متسقة ومرتبة تشبه فى حياكتها تلك التى يلبسها الفرنجة.

 

بينما الناس فى جردس العبيد يركبون الحمير التى كسا جلدها الغبار من شدة تمرغها فيه، وعششت البراغيث داخل شعر جلدها الخشن، حتى أصبحت جزءاً منه لا تبرحه إلا بالانتقال إلى جلد أحد سكان جردس العبيد، الذين يمتطون ظهورها، والناس فى جردس العبيد يلبسون الثياب العربية المتسخة بالاتربة والطين من فعل البيئة التى يعيشون بها.

 

*****

 

كان أجمل الأيام وأفضلها فى طفولتى بجردس العبيد هو يوم الجمعة، حيث كنت أترقبه بفارغ الصبر واعدُ له الساعات والثوانى، وكانت أطول الليالى وأشدها قسوة هى ليلة الخميس، التى لم أكُن أذوق طعم النوم فيها انتظاراً لتلك الشمس التى ستأتى باليوم المنتظر.

 

فى يوم الجمعة يزخر الطريق الضيق المعبد ـ الذى ينتهى عند قريتنا ويمتد منها إلى حدود العالم الآخر ـ بالسيارات ذات اللمعان الجميل، حاملة إلينا فى متنها بشر العالم الآخر، الاتيين للنزهة والتمتع بمناظر الطبيعة.

 

كان أهلنا يرسلوننا إلى جادة الطريق حاملين شكوة اللبن، وصفيحة البيض، وقفص الشمّاري الذى كنا نقطفه من الأشجار المتناثرة فى المنطقة من حولنا لنبيعه إلى راكبي السيارات من العالم الآخر. وكنا نتعمد ان نقف فى منتصف الطريق عندما نرى من بعيد احدى هذه السيارات قادمة، ولم يكن ذلك لأجل ان نلفت أنظار راكبيها لما نريد بيعه لهم، بل لأجل ان نسمع صوت البوق الذى ينطلق من عرباتهم لتنبيهنا، حتى نبتعد عن قارعة الطريق.

 

فقد كانت أنغام صوت البوق المنطلقة من سياراتهم تبعث الفرحة فى نفوسنا عند سماعها، حتى اننى تجرأت ذات مرة، عندما توقفت إحدى هذه السيارات بجانبى، ليشترى راكبوها بعضاً من اللبن والبيض، فجعلت يدى الصغيرة تتسلل من نافذة السيارة، بينما كان سائقها منهمكاً فى إخراج النقود من حافظته، وضغطت على مقبض البوق لينطلق بصوته الرنان مشيعاً الغبطة والسرور فى نفسى، حتى اننى لم أبالِ بعدها بكلمات السائق الذى نهرني على فعلتى تلك.

 

*****

 

كانت أحلام طفولتى تنحصر فى حلم واحد كبير، لم يكن يبرح مخيلتى الصغيرة ولو للحظة واحدة، كان حلم حياتى ان أنتقل إلى منطقة العالم الآخر، لاعيش فيها وأصبح واحداً من أُناسها العجاب، ألبس من ثيابهم الفاخرة، وأركب عرباتهم المذهلة، وأتكلم بلكنتهم المدنية الرقيقة.

 

لم أكُن أتصور فى يومٍ ان هذا الحلم سيصبح حقيقة، فبرغم خيال الأطفال الواسع، وايمانهم المطلق بحدوث المعجزات الخارقة، إلا اننى لم أكن أرى ان حلمي يمكن لأى معجزة مهما عظم شأنها ان تحققه.

 

وتشاء الاقدار ان يقرر عمي الأوحد الانتقال لمدينة بنغازى، بعد ان أضناه السفر إليها هو وزوجته بحثا عن علاج للعقم الذى كانا يعانيانه، وفى غمار ترداده على اطباء ومستشفيات بنغازى، شاءت له الظروف ان يحصل على عمل كغفير بمصلحة الكهرباء هناك، وقد أسعده ذلك  كثيراً لأنه سيخفف عنه عناء السفر من جردس العبيد وإليها، ويبقيه قريبا من مصادر العلاج.

 

صممت زوجة عمى التى كانت تحبنى وتحنو علي كما لو كنت ابنها، على ان تأخذنى معها، وبعد مشاورات ومداولات بين أبى وعمى من ناحية، وأمى وزوجة عمى من ناحية أخرى، وافق والداي على سفرى مع عمى والأقامة معه فى بلاد العالم الآخر، أو الحلم المنشود. وفي الليلة التى سبقت السفر لم يطرق النوم عينى ولم يغمض لي جفن منتظراً بزوغ نهار اليوم الموعود.

 

شقت بنا سيارة الفوردينا عباب الطريق منحدرة فى منحنيات جبل الباكور، ثم طاوية طريق البساط الساحلى، مارة بحداة توكرة وطلميثه، وتاركة على يسارها برسس، لتصل بعد سفر لم يدم كثيراً مشارف قرية سيدي خليفة التى لاتبعد عن بنغازي سوى بضعة أميال، عندها همس عمى فى أُذنى قائلاً:

 

q       " أننا على وشك الوصول إلى بنغازى ".

 

ولم يكد عمى يتم كلماته، حتى وجدتنى سأقفز من على الكرسى الذى أجلس عليه، أو أن الكرسي نفسه سيقذفنى من على سرجه، وزادت سرعة خفقان قلبي ودقاته، حتى خالنى أنها تعلو على صوت هدير محرك السيارة، وساعتها همست لنفسى:

 

q       " ها أنا قاب قوسين أو أدنى من بوابة العالم الآخر، بوابة عالم الحضارة !! ".

 

*****

 

مرت السنين فى كد الدراسة واثبات الذات بين رفاق المدينة الكبيرة، التى لم تعُد بالنسبة لي عالماً آخر، ولم يعُد أُناسها عجاباً كما كنت أراهم سابقا وأنا صغير، ولم تعُد تُبهرني عرباتهم. بدأت أراهم بشراً مثل غيرهم الموجودين فى جردس العبيد، أو غريان، أو تاورغا، أو قمينس، أو براك، أو القبة، أو صبراته، أو المرج، أو زليطن، والاختلاف الوحيد بينهم وبين البشر الأخرين فى كل البقاع هو ممارسة القدرالمتاح من المدنية، وفى اختلاف القدر الشائع والمتوفر من الثقافة.

 

فأهل بنغازى مثلهم مثل سكان المدن الكبرى الاخرى كطرابلس وسبها ودرنه ومصراته وطبرق، وغيرها من مدن ليبيا الكثيرة، يرون فى سكان القرى والدواخل مثل جردس العبيد أو أجدابيا أو هون أو القصيبات أو زنتان أو مسه، ومايماثلهم بأنهم قرويون أو بدو أقل مدنية وتحضراً وفهماً منهم، ويرى أهل الدواخل فى هؤلاء بأنهم سكان العالم الآخر المتمدين.

 

عندما أنخرطت فى المدارس وتدرجت فى صفوفها بنجاح وتفوق، وعندما عاشرت عقليات الأطفال ثم الفتيان من أقرانى فى السن، لم أجد فيهم أى اختلاف عني، أو عن أى طفل وطفلة، أو فتى وفتاة فى جردس العبيد، فى الذهنية العقلية إلا بمقدار المثابرة والاجتهاد؛ فتحطمت صورة العالم الآخر فى ذهنى ولم يعُد يمثله فى خيالى مجتمع المدينة فى ليبيا.

 

إذن فانه من اليسير أن نجعل من بشر كل قرية، أو نجع، أو واحة، قوماً متحضرين ثقافياً واجتماعياً إذا وفرنا لهم الامكانيات التى نوفرها لسكان المدن، والعكس فى ذلك صحيح، فكل مدينة قد تصبح مجتمعاً متخلفا حضارياً إذا سلبناها امكانيات المدنية وعوامل البناء الحضاري.

 

*****

 

لقد كان للكتب والمجلات وأفلام السينما دورٌ كبيرٌ فى صنع حلم جديد فى مخيلتي التى لم تعد صغيرة، وكان لها الدور فى بلورة مفهوم العالم الآخر، الذى كنت أنشده منذ أن كنت صغيراً، وتحول هذا العالم الآخر فى نظرى من المفهوم المحدود لساكني المدن ـ بغض النظر هنا عن مدى عمق المفهوم وانطباقه على سكان تلك المدن ـ والذى كان ينحصر فى المظاهر الخارجية للمدنية المنعكسة فى اقتناء الثياب العصرية، وركوب السيارات، وامتلاك الاجهزة الكهربائية واللاكترونية … الخ، إلى مفهوم الحضارة كسلوك وتفكير وعمل، وهذا ماجعل العالم الآخر فى حلمي الجديد ينتقل ويتجسد فى بلاد الشمال، التى أصبحت أرى فيها هذه المفاهيم حقيقة واقعة.

 

إن عقلية الناس الناضجة فى بلاد الشمال، ودقتهم واتقانهم لاعمالهم وتفانيهم فى البحث عن الابداع والابتكار وسعيهم الدائم للتطور، وإحترام الذات البشرية، وتكريس مبدأ احترام الرأي الآخر، هو جل السلوك الحضاري الذى صقلته التربية الثقافية على مر العصور، وربته الاجيال المتوارثة حتى أصبح واقعاً أساسياً لمجتمعاتهم.

 

وكان اقترابى من هذه الحقيقة هو عنصر الجذب الذى شدنى نحو هذا العالم لأرى فيه العالم الآخر الجديد، واصبحت اتمنى أن تتاح لي فرصة الوجود فى هذه المجتمعات حتى أنهل من نبعها الحضاري.

 

نجحت فى كل مراحل دراستى، وتفوقت فيها، وحصلت على احدى الشهادات الجامعية التى أهلتنى لبعثة دراسية خارج الوطن، وكانت بالنسبة لي بمثابة الجسر الذى به تمكنت من تحقيق حلمي الجديد فى السفر إلى بلاد العالم الآخر.

 

*****

 

حلقت بنا الطائرة فوق سماء سويسرا، إحدى قمم التقدم والتحضر فى عالم الغرب المتمدن، والتى كانت بعثتى الدراسية بها. ولم تكد المضيفة تعلن عن وصولنا إلى مطار جنيف حتى وجدتنى سأقفز من على الكرسى الذى أجلس عليه، أو ان الكرسي نفسه سيقذفني من على سرجه، وزادت سرعة خفقان قلبى ودقاته حتى خالني أنها تعلو على صوت هدير محرك الطائرة، ولحظتها همست لنفسي:

 

q       " ها أنا قاب قوسين أو أدنى من بوابة العالم الآخر، بوابة عالم الحضارة !! ".

 

هبطت بنا الطائرة فى مطار جنيف الذى دخلته وأنا فى حالة انبهار وذهول بكل ماحولى، بدءاً من أبنية المطار ذات الطراز الهندسي الخلاب، إلى النظافة المتناهية للجماد والانسان معاً، والابتسامة المرسومة على شفاه الناس، والتى جعلتنى اعتقد فى حينها أنه لايوجد بينهم من هو تعيس.

 

*****

 

مارست الحياة من داخل الدراسة، ثم بالعمل الذى التحقت به مع إحدى المؤسسات التجارية بمدينة لوزان بعد ان انهيت دراستى بتفوق. واختلطت بالبشر وخاطبت عقولهم عن كثب، فلم أجد فيهم كبشر بمعزل عن ممارستهم العقلية للمدنية والحضارة أى اختلاف (أخر)، عن أولئك الذين تعج بهم مدن ليبيا وقراها، لكن اختلافهم كان يكمن فى طول فترة الممارسة الحضارية والمدنية والثقافية التى توفرت لهم على مدى السنين بل والقرون السابقة ، فأصبحت العقلية البشرية عندهم مرتبة لتمارس الحياة الحضارية كسلوك عام متفق عليه وخط واحد لا يحيد عنه أحدٌ منهم.

 

بينما على الطرف الآخر من هذا العالم وبالتحديد فى جردس العبيد فأن الممارسة الحضارية لم تتوفر يوماً فيها أو فى أى من قرى ودواخل ليبيا، بل انه حتى المدن لم يكن حظها أكبر أو أفضل من القرى والدواخل فلم يتوفر لها سوى الزهد اليسير من مقومات وأسس الحضارة والمدنية.

 

وبدأتُ من هُنا أعقدُ المقارنات، الواحدة تلو الأخرى، فى شتى المجالات الموجودة لديهم، والموجودة لدينا فى مجتمعنا الليبي، بحثاً عن أصل الخلل وسبب العلة فى اتساع الهوة بين تخلف مجتمعنا فى مقابل تقدم مجتمعهم بهذه الديناميكية المتواكبة مع حركة الزمن المستمرة.

 

ولم يكن من الصعب الاهتداء للسبب الرئيسي وراء خلق هذا الوضع غير المتوازن، فطبيعة النظام السياسي الذى حكم ليبيا وحول مدنها وقراها إلى بقاع من التخلف، وساهم عن عمد فى بناء العوائق التى تبقيها قابعة فى تخلفها، وعمل بكل قوة ووسيلة للحيلولة دون نجاح أية محاولة مخلصة من أهلها للخروج عن إطار هذه الحالة المزرية، بل انه أجهض السبيل نحو نمو بذور التطور الطبيعي والفطري للإنسان فى سعيه نحو التغيير  للأفضل، وهى البديهة والمسلمة الأساسية التى تقوم عليها فلسفة وجود الكيان البشري.

 

وهذا كان غاية فى الوضوح والإدراك لمن يفهم قانون طبيعة المتضادات فى الحياة، والتى لا تقبل أياً منها خواص ومكونات الضد الآخر ولا تنصاع تحت لوائه أو امرته، لكنها تعمل على تطويع هذا الضد لأجل السيطرة عليه.

 

ولهذا فان الحاكم الذى لا يؤمن بالحرية والعدالة نهجاً له فى الحكم سيسعى جاهداً لتحطيم منابر الحرية، وسيسعى لازالة القواعد التى يقوم عليها تطبيق العدل والعدالة، لأن خواص النظام المستبد لاتتواءم فى تركيبتها مع خواص نظام العدل والحرية ، ولأن الدكتاتورية المستبدة هى الضد المناقض للديمقراطية القائمة على العدل ، فلا تستطع أي منهما الانسجام مع خواص الاخرى أو التمازج فى مكوناتها لكنها تتصارع كل منهما مع الاخرى لأجل السيطرة عليها والغائها والاحلال محلها، وهذا ما فعله القذافي من خلال حكمه العسكري لليبيا على مدى ما يقرب من خمس وثلاثون سنة.

 

*****

 

 ومن أجل فهم أكثر دقة سأعود بالقارىء ـ بإيجاز شديد ـ إلى فترة ما قبل تكون الدولة الليبية الحديثة والتى جاءت مع تيار اليقظة الفكرية والنزعة القومية التى غزت العالم أبان القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، منطلقة من القارة الاوربية ، والتى كان لها دورٌ كبيرٌ فى احياء النزعة التحررية لدى كثير من شعوب الدول المحتلة، وان كانت الطريقة أو الصورة التى أخذتها تلك المقاومة لإجبار المستعمر على الجلاء وإرجاع استقلال تلك البلاد قد اختلفت من دولة لاخرى وذلك بحسب المعطيات الثقافية والاجتماعية لتلك الدولة ، ففى ليبيا ومعظم الدول العربية، والتى تدين غالبية شعوبها بالاسلام، أخذت صورة الكفاح من أجل الاستقلال شكل الجهاد الديني، بينما فى الهند ـ على سبيل المثال ـ كان العامل القومى هو الحافز وراء مقاومة الاستعمار، فى حين ان طابع الخصوصية الوطنية كان له الدور الأكبر فى حركة النضال ضد الاستعمار فى الصين وبعض دول شرق آسيا.

 

 وكان النظام الملكي الذى جاء على أنقاض الاستعمار الإستيطاني الايطالي فى ليبيا ، أول نظام حكم وطني يحكم البلاد بعد أربعة الاف سنة من الحكم والسيطرة الاجنبية، فلم يتح لليبيا وساكنيها عبر هذه الفترة التاريخية الطويلة من تعاقب أنظمة الحكم الأجنبية عليها أى استقرار سياسي أو اجتماعي يكفل لها ترسيخ نواة دولة مستقلة تستطيع أن تنشىء فيها حضارتها الذاتية.

 

فقد كانت الدول أو الأمم التى سيطرت على ليبيا ـ بغض النظر عن الهدف من هذه السيطرة ـ قائمة على استغلال الأرض والانسان فى إطار تبعية ليبيا لدولها ذات النطاق الأكبر أو فى امبراطورياتها الواسعة ، ولم تكن ليبيا فى ذلك قد كونت كيانها المستقل كدولة لها مقوماتها السكانية أو الجغرافية الذاتية التى تستطيع بها أن تسعى نحو بناء حضارتها الخاصة ، فهى لم تعدو ان تكون إما معبر للحضارات الآخرى أو جزءاً فى كيان تلك الحضارت ومجرد رقعة على خارطتها الشاسعة.

 

ولكن منذ أن تشكل كيان شعب ليبيا الحالي الذى خرج من رحم حضارة العرب الإسلامية، ومنذ تدهور الامبراطورية العثمانية وفقدانها للسيطرة على ليبيا ، ثم مجيء الإستعمار الإيطالي وإحتلاله لليبيا ، ثم هزيمته وإندحاره ، ثم سيطرة الإستعمار الإنجليزي تحت مسمى الإنتداب ، ثم نيل ليبيا فى نهاية المطاف لإستقلالها ، فانه كان بديهياً أن يسجل التاريخ قيام أول دولة ليبية فى داخل الحدود الجغرافية التى نالت بها إستقلالها ، وذلك تحت تاج حكم النظام الملكي.

 

ومن هنا وضعت صفوة من رجال ليبيا، مستعينة بمشاركة دولية، دستور ليبيا الأول فى تاريخها الكامل، وأُختير السيد إدريس السنوسي ملكاً على الدولة الناشئة لكونه رمزاً للحركة الدينية التى قادت الكفاح المسلح ضد الاستعمار الايطالي، وكان من الممكن أن تكون هذه الدولة الناشئة نموذجاً يحتذى به.

 

ولكن، غلبت النزعة الاستبدادية على أشخاص من الحاشية الملكية وبعض العناصر القبلية التى تركزت جزء من سلطة الدولة فى ايديهم، وان كان لا يُنكر ان وجود الدستور والهامش الواسع للحرية قد ساعد إلى حد ما على التقليل من تجاوزاتهم، لكنها مع ذلك أثارت النقمة والتذمر بين بعض فئات الشعب.

 

وفى غياب المؤسسات والقوى السياسية التى كان من المفروض انها تمنع التجاوزات وتحمى حقوق المواطن فى ظل حماية القانون والتشريع الدستورى، ومع انتشار بعض أوجه الفساد والمحسوبية ، دبت بعض مشاعر الاحباط بين بعض فئات الشعب ـ خاصة الشريحة المثقفة ـ بضرورة التغيير.

 

ونظراً لعدم وجود الوعي السياسي الكافي الذى يدفع بإحداث التغييرات أو الإصلاحات اللازمة أو إيقاف التجاوزات الناجمة عن سلوكيات وتصرفات بعض العناصر القبلية وأفراد من الحاشية الملكية، هذا الإنعدام فى قوة الوعي السياسي الذى يمثل الأداة والوسيلة الشرعية للتغيير من خلال هيكل الحكم فى النظام الدستوري الملكي ، والذى صاحبه إنعدام وجود قوة سياسية قادرة على قيادة الجماهير نحو فرض هذا التغيير من خلال القنوات المشروعة والقائمة فى هيكل وبنيان الدولة ، كل ذلك ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه للقوة الوحيدة المنظمة والقادرة على فرض هذا التغيير بالوسائل غير الشرعية ـ أي عن طريق القوة ـ وهى المؤسسة العسكرية.

 

*****

 

وهكذا، فقد أتاح الوضع السابق المجال أمام المؤسسة العسكرية فى فرض التغيير غير الشرعي الذى لا يقره الدستور، أو قوانين الدولة التى تحمى حقوق المواطن فى إطار النهج الديمقراطي، هذا التغيير الذى هو مرفوض في أي مجتمع حضاري يسوده الاتفاق حول مضامين القوانين والدستور السائد فيه.

 

بمعنى آخر، ان التغيير القسري العسكري هو بمثابة فسخ للعقد الإجتماعي الذى أقره المجتمع بأسره ، ورضى به أفراده جميعاً ، ورضخوا له من أجل أن ينظم لهم شئون حياتهم فى إطار دولتهم التى تضمهم فى حناياها من خلال دستورها أو قوانينها وأعرافها السائدة والمتفق عليها.

 

وبهذا فان الإنقلاب العسكري الذى قام فى ليبيا فى سنة 1969م لا يمثل ولا يعكس الرغبات الحقيقية فى إصلاح الخلل الناشىء عن التجاوزات فى كيان النظام الشرعي القائم قبل ذلك الإنقلاب ، بقدر ما هو مغامرة لزمرة غير محترفة تسعى للسيطرة على حكم البلاد بالقوة وفرض استمرارية وجودها فى هذا الحكم بكافة الوسائل والطرق حتى لو كانت على حساب مصلحة الأمة بأسرها.

 

وهكذا، أتى انقلاب سبتمبر 1969، غير الشرعي، محبطاً لأمال الجماهير التى أيدته شريحة كبيرة منها فى مستهل حكمه اعتقاداً منها بانه قام لأجل تصحيح الاوضاع المغلوطة فى تركة النظام الملكي ـ بحسب ما أعلنه فى شعاراته عند قيامه بالإستيلاء على السلطة ـ لكن الأيام برهنت فى تواليها على الطبيعة الاستبدادية التى تحكم عقلية النظام وتوجهاته ، فقد قام منذ أيامه الأولى بمصادرة حرية التعبير عن الرأي ، فأغلق الصحف وسجن المثقفين ، وأرهب الوطنيين بالقمع ، وشجع المنافقين والافاقين بأغداق الاموال والسلطة عليهم ، وطغت يد الاستبداد فى غياب الرأي الآخر ، وأخذت المحسوبية مكانها وعاث الظلم وانتشر الفساد.

 

ودق نظام انقلاب سبتمبر اخر مسمارين فى نعش الحضارة المرتقبة للأمة الليبية، أولهما عندما منع قيام المؤسسات المستقلة القائمة على تبنى حرية الفكر والرأي، ومنع تشكيل كيان القوى الفكرية للأفراد، وجعل ذلك بمثابة خيانة يعاقب عليها القانون (من تحزب خان) ، وثانيهما عندما الغى الدستور والقوانين (تعطيل القوانين) فى بيان النقاط الخمس بزواره ، وقضى بذلك على اثنين من أهم الأسس فى بناء الحضارة فى المجتمع الليبي، وتحولت بذلك الدولة إلى اقطاعية خاصة يمثل فيها الشعب دور العبيد ويمثل فيها الحكام دور الأسياد.

 

*****

 

 إن لوزان وجردس العبيد بقعتان لاتبعدهما المسافة الجغرافية للمكان فقط ، بل ان البعد الحقيقي بينهما يكمن فى البعد الحضاري الذى  تمكنت منه الأولى وافتقرت إليه الثانية ، ولن تستطع الثانية بلوغ هذه المسافة طالما ظلت الموانع والعوائق التى زرعها نظام الحكم فى ليبيا حائلة دون اطلاق حرية الانسان فى البناء والمشاركة.

 

وها أنا مجدداً أطمح لحلم جديد لعله يتحقق مثل سابقيه، وهو العودة إلى العالم الآخر، والذى لم يعد يمثله فى ذهنى عالم الشمال المتقدم، فحلمى الجديد فى ذلك العالم الآخر هو ليبيا، وذلك بتحقيق الحضارة فيها بعد ان تُرفع عنها العوائق والموانع المتمثلة فى قمع الرأي وسلب ارادة البشر.

 

اننى  أتطلع إلى حلم ان أرى العالم الآخر متجسداً فى ليبيا ، بوجود العدالة والحرية فيها ، وبترسيخ المساواة والرفاهية بين أفراد شعبها ، وبخلق الازدهار والإبداع والابتكار والتطور فى أرضها.

 

اننى أتطلع للعودة إلى ليبيا الحضارة المنشودة التى أحلم بها منذ ان كُنت طفلاً من أطفال جردس العبيد البسطاء، فحلمى فى العالم الآخر لم يتغير يوما فقد كان متمثلاً وسيظل دائماً فى ليبيا.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من المفارقات العجيبة ان القذافي فى بداية عهده أطلق على منطقة جردس العبيد أسم جردس الأحرار، وقال فى حينها انه لا يوجد عبيد فى ليبيا، ولم تمض مدة طويلة حتى كان قد حول شعب ليبيا بأسره إلى عبيد.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on January 27, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: