جمهورية فرحات

 

ما كدت أدلف إلى القسم ومعي الحرس حتى أحسست بانقباض مفاجىء. لم تكن تلك أول مرة أدخله ولكنها كانت المرة الأولى التى أرى القسم فيها في الليل، ولهذا شعرت حين تخطيت الباب أني أدلف إلى خندق سفلي لا يمت إلى الحاضر، ولا حتى إلى الماضي القريب.

 

جدران يكسوها حتى منتصفها سواد على هيئة طلاء، وكآبة تكسو نصفها الثاني، وبقع بيضاء مبعثرة هنا وهناك لا تخفف السواد بقدر ما تظهر بشاعته، وأرض لزجة لا تدري إن كانت من الأسفلت أو من الطين، ورائحة .. رائحة لا تستطيع أن تحدد كنهها.

 

وإنما لا بد أن تحس معها بغثيان، وضوء باهت يأتي من مصابيح بالغة القدم، عشش عليها الذباب وباض؛ مصابيح معظم ضوئها محكوم عليها بالسجن المؤبد داخلها، والقليل الذي يتسلل منها هرباً، لا يبدد الظلام بقدر ما يحتمي به ويتستر، وإن وقع على الأشياء والناس فإنما ليظهر كل ما بها من حزن وقبح وبشاعة.

 

وأحسست حين احتوائي هذا كله وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منه، والناس من حولي على سيماهم جد خطير، يمشون كالمنومين؛ وصناديق الفاكهة وعربات اليد وكراسي المقهى التى صادرها بوليس البلدية، وهي مكومة في ركن وأصحابها متناثرون حول الجدران والأركان متهالكين على الأرض ورؤوسهم مائلة على حجورهم؛ والعساكر يبدون في أرديتهم السوداء كعفاريت منتصف الليل.

 

أحسست حين احتوائي هذا كله أنني لابد أنا الآخر قد ارتكب جريمة ونسيت، وتمنيت أن أهرب من المكان بأسرع ما أستطيع. ولم أكن أستطيع مغادرة المكان فقد كان على أن أحجز في القسم ليلة لأرسل إلى النيابة في صباح الغد. واحتاروا أين يضعونني فالحجز كان ممتلىء، والحجر الأخرى التي يوضع السياسون فيها عادة، تعج بالمراقبات وصاحبات الحرفة؛ ولم يبدوا لهم في النهاية خيراً من حجرة الضابط النوبتجي؛ وهناك تُركت، ومعي حارس.

 

كانت الحجرة على سعتها تضيق بمن فيها، وكان أبرز الموجودين جميعاً الضابط النوبتجي، وحين رأيته جالساً إلى مكتبه كالحكمدار وعلى يمينه فوهات أكثر من خمسين بندقية مغمدة في فضاء الحجرة. وخلفه اللوحة الخشبية المثبتة في الجدارن والمثقلة بألوان وأشكال من السلاسل والقيود والدورع والبلط والخوذات، وعلى يساره الخزانة الحديدية القديمة؛ حين رأيته هكذا، تخيلت أن لا حدود لرهبته وقوته، وأنه يستطيع ببساطة أن يقضم دراعي، أو يضع أصبعه في عيني، مع أني كنت متأكداً أن لا شأن لي به، ولا شأن له بي.

 

ووجدتني أترك كل ما في نفسي، وكل ما يشغلني، وأنضم إلى جيش العيون المنصبة عليه من الناس المزدحمين أمامه، والذين لا يفصله عنهم إلا سور خشبي منخفض، وبدأ لي أول الأمر وكأنه ليس بكائن حي، وإنما جسده قد صنع من طلاء الجدران الأسود؛ ورأسه خوذة من الخوذات المعلقة وراءه؛  وعيناه فتحات بنادق، ولسانه كرباج.

 

ولكني حين هدأت قليلاً واعتدت على المكان، وتأملت كيف وضع الكاب فوق رأسه في وقار مخيف وزرر معطفه الضابطي ـ على غير العادة ـ إلى آخر زرار فيه، وشد جلد وجهه في تزمت صارم، فاختفى كل ما فيه من تجاعيد، وأصبح أملس كجلد الطبلة المشدود، وأضفى على نظرات عينيه بريقاً تحس معه أنه لا ينظر بهما إلى الناس بقدر ما ينقر ويلسع، وحمل صوته ما لا يطيق وهو يشخط ويهدر بكلمات غير مفهومة كأصوات الرصاص.

 

حين تأملت كل هذا بدأ لي حينئذ كأحد الجنرالات الطليان الأسرى، الذين كنا نراهم أثناء الحرب. وحدث أن جاء شاويش ـ أو باشاويش لا أذكر ـ ووقف أمامه ونادى عليه:

 

·        يا فرحات ….

 

عجيب كيف يناديه بلا تكليف هكذا، ولكن عجبي زال حين قال مرة أخرى:

 

·        يا فرحات .. ياسي فرحات ..

 

ولم يرد الضباط النوبتجي إلا بعد أن قال له الرجل .. يا حضرة الصول .. وكنت قد اقتربت حتى استندت مع غيري المستندين على السور الخشبي وسمعت لهجته التي فيها آثار باهتة من ريف الصعيد، ونم صوته العالي عن الفضاء الواسع الذي ترعرع فيه، وعن مسلتزمات الوظيفة من شخط ونطر، التى عملت عملها طوال تلك السنين فأتلفت صوته وأضافت إليه حشرجة كالتي تلحق براديو القهوة البلدي من كثرة رفع صوته.

 

وذهب الجنرال من خاطري تماماً، ووضحت أمام عيني ملامحه التى كان يلفها ضباب الرهبة والسلطة، ورأيتها صعيدية خالصة بأنفه الكبير كأنف رمسيس، وجبهته الحادة العالية كجبهة منقرع، وشيخوخته التى تنم عن تاريخ حافل في خدمة البوليس، إذ لابد قضى أجيالاً حتى يصل إلى رتبة الصول، وقد دخل الخدمة نفراً ككل الأنفار.

 

ورأيت جسده العجوز على حقيقته مستقيماً في أجزاء، منبعجاً في بعضها الآخر، وقد فرضت عليه البدلة العسكرية والحذاء الثقيل والقايش .. فرضت على جسده شكلها فرضاً، كما يفرض قالب المكوى على الطربوش شكله وأبعاده.

 

وكان من الواضح أنه يحب هذا المركز حين تسند إليه مهمة الضابط النوبتجي، ويحب أن يعامله الناس كضابط بحق وحقيق، وهو الذي ـ بلا شك ـ قد قضى ثلاثة أرباع عمره يحلم بهذا، وينتظر اليوم الذي يحمل فيه كتفه النجمة. وكان بادياً أن كتفه لن تحمل شيئاً من هذا القبيل، فهو وإن كان يقوم أحياناً بدور الضابط النوبتجي، إلاّ أن الإحالة إلى المعاش كانت تبدو وشيكة، ونجمة الفجر أقرب إليه من نجمة الملازم الثاني.

 

وحين تركته وأدرت بصري في الحجرة، ورأيت المكاتب الخاوية التى تركها أصحابها، ودولاب الدوسيهات، والمروحة القديمة الموضوعة فوق الخزانة، والتى كان يبدو أنها لم تستعمل منذ عشر سنين على الأقل، وقد صنع التراب من نفسه عناكب فوقها، والمصباح الكهربائي الذي له برنيطه من الصاج، والذي يتدلى من السقف حتى يوازي رأس فرحات المائل على ما أمامه من أوراق، والناس المزدحمين حول الحاجز الخشبي، والذين يكونون خليطاً ـ إن تنافر في أشياء ـ فإنه يتفق في نظرات القلق والحزن الغاضب والوجوه المنقبضة الجامدة.

 

كان معظمهم متهمين عائدين من تحقيق النيابة، تضمهم سلسلة حديدية طويلة، تبينت بعد حين أنهم لا يقيمون وزناً للسلاح، أو السلسلة، أو الصول فرحات نفسه؛ فشخطته تقابل بزمجرة، وأحياناً برد لا يقل عنها قسوة، حتى انفجر أحدهم مرة لأن فيشه وتشبيهه لم يكن بعد قد جاء من تحقيق الشخصية، وكان عليه لهذا أن يمكث في الحجز بلا إفراج حتى يجىء، انفجر ولعن الدنيا والحظ والفقر والذين كانوا السبب؛ ولولا الملامة للعن الضابط النوبتجي هو الآخر.

 

يتبع ..

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Advertisements

Posted on January 28, 2009, in الأقلام المبدعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: