جحا المحزن المبكى

جحا المحزن المبكى

 

إن الحذاء وحده لا يقود صاحبه للوجهة التى يرغبها، ولكنه يحمى أقدامه من وعر

دربها. العقل ـ من ناحية أُخرى ـ هو المسئول عن إختيار الطريق الذى يسلكه

الإنسان، كما هو مسئول عن كل خطوة تطأها أقدامه منذ لحظة تعلمه مهارة المشي.

ـ نم تانب يراكفا ـ

 

 

للناس فى أحذيتهم شئون ..

 

هناك أحذية نفيسة ذات أثمان باهظة، يتجاوز سعر بعضها ألآف من الدولارات، ويستخدمها أصحابها من الأثرياء لمرات معدودة، لتأخذ لها ـ من بعدها ـ مكاناً فى خزانات أحذيتهم الفسيحة، أو يلقون بها فى قماماتهم العامرة بكنوز فضلات تبطرهم.

وهناك أحذية فقراء العالم البالية، التى يتم ترقيع نِعالها بمطاط أُطُر السيارت القديمة المهترئة، ويتم ستر عورة ثغرات مقدماتها الكاشفة عن أصابع أقدام أصحابها بقطع خِرَق من أقمشة قديمة بائدة.

وفى هذا المقام، هناك حذاء نيكيتا خروتشوف رئيس الإتحاد السوفيتي أبان حقبة الخمسينات والستينات من القرن السابق، الذى خلعه أثناء إجتماع لقيادات العالم ـ كان منعقداً فى الجمعية العامة للأمم المتحدة فى شهر أكتوبر 1960م ـ وهوى به على المنصة التى أمامه، فى أول سابقة من نوعها فى تاريخ البشرية الحديث.

وهناك حذاء غاندي الذى وقعت فَرْدة منه على الأرض، بينما كان يحاول صعود قطار على وشك مغادرة رصيف المحطة، فما كان منه إلاّ أن خلع الفردة الآخرى ورمى بها إلى جانب قرينتها. وقال لرفيقه الذى أستعجب من تصرفه، بأنه أراد لمن يعثر على الحذاء أن يستفيد منه بهيئته الكاملة، فإحتفاظه بفردة الحذاء لن يفيده فى شيء، وبالمثل فلن يستفيد ـ شيئاً ـ من يعثر على الفردة الآخرى بمعزلها.

وهناك ـ بالطبع ـ حذاء أبو القاسم الطنبوري الشهير، وحذاء علاء الدين المسحور، وحذاء أشعب الطماع، وحذاء سندريلا الأسطوري، وحذاء الفيلاني الذى كان شائعاً إرتدائه بين نساء ليبيا فى الأزمنة القديمة وحتى مطلع ستينات القرن الماضي.

لكن حديثي فى هذا المقال، سيدور معظمه حول حذاء جحا، الذى يُشكل أحد رموز المعانى فى حكايات صاحبه ـ مثله فى ذلك ـ مثل حماره ومسماره وعمامته وغيره من مقتنياته الآخرى التى وردت فى الحكايات التى تناولت شخصيته العجيبة فى الأدب الشعبي المتوارث بين الأجيال.

 

وجحا الذى شدت فكاهاته إعجاب معظم الناس به (صغارهم وكبارهم)، أنقسم المهتمون بشأن كينونة شخصيته إلى قسمين، فبعضهم يزعم بأنه شخصية حقيقية، بينما يعتقد البعض الآخر بأنه شخصية مختلقة، تم إبتكارها من أجل التعبير عن محن ومآسي الأفراد الإجتماعية والسياسية فى قالب فكاهي يشد إنتباه الناس إليها، وتبعث الفضول والتوق فى أنفسهم لسماع حكاياتها المشوقة.

وسواء كانت شخصية جحا حقيقية أم خيالية، فالذى لا ريب فيه أنه قد نال مكانة أثيرة فى نفوس الناس عبر القرون المتواترة، فكتبت الأقلام فى وصف فكاهاته مقالات ودراسات، وصدرت مجلات وصحف بإسمه، ونُشرت الكتب حوله، وتم تجسيد شخصيته المرحة فى أعمال مسرحية وأفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية مختلفة.

 

*****

 

عالم الرمز ..

 

بقدر الحيز القليل الذى تتيحه هذه المقالة القصيرة سوف نتعرف سوياً على لعبة الرمز فى اللغة، التى تقوم ركائزها على إخفاء المعنى المقصود وراء المعنى الظاهر، فى مهمة يراد من ورائها تلقين فكرة أو معلومة (ما) للمتلقى فى صورة غير مباشرة بسبب ظروف قاهرة تحول ـ فى أغلب الأحيان ـ دون إعلانها فى صورتها الأصلية، أو أن يتم اللجوء إليها من باب البلاغة اللغوية التى ينشدها كاتبيها.

وكلما أتقن الكاتب ـ فى هذا الصدد ـ حبكة الكتابة فى تصوير المعانى المستترة فى نصه الموجه للآخرين بسلاسة لغوية وأسلوب مشوق، كلما زادت حدة تشرب المطالعين لتلك المعاني بعمق يثير مشاعرهم ـ بإيجابية بالغة ـ نحو الوجهة الفكرية التى يرغب صاحب النص المطروح فى تلقينها لهم.

 

ولنأخذ، فى هذا السياق، مثالاً يوضح لنا كيف يمكن للمرء التلاعب بمفردات الكلم فى النص اللغوي، وتسخيرها لحمل المعنى المستتر ـ والمقصود ـ من وراء المعنى الظاهر، ولعل أقرب مثال يمكن الإستشهاد به فى هذا الصدد، نجده بوضوح فى المزاح الذى دار بين (الصديقين) الشاعرين أحمد شوقي الملقب بأمير الشعراء، وحافظ إبراهيم الملقب بشاعر النيل.

 

حيث قال حافظ إبراهيم لصديقه مداعباً:

يقولون أن الشوق نار ولوعة      فما بال شوقي أصبح اليوم بارداً

 

فرد عليه أحمد شوقي على نفس النسق والمنوال:

لقد حملنا الكلب والإنسان أمانة      فخانها الانسان، والكلب حافظ

 

وعلى الرغم من ولوع بعض الكتاب بإستخدام الأسلوب الرمزي فى كتاباتهم، ليس فقط ـ من باب ـ تورية أفكارهم بإسلوب الرمز لأسباب قهرية، بل أيضاً لرؤيتهم بأن النصوص اللغوية المباشرة من شأنها أن تقضى على الشكل الجمالي لفن الكتابة الأدبية. ومن هذا المنطلق، يرون بأنه كلما عبر الكاتب عن مضمون نصه اللغوي بإسلوب رمزي (إيحائي) كلما كان أقرب للبلاغة الأدبية من النصوص التى يلجأ أصحابها إلى الكتابة بإسلوب مباشر.

وفى معظم الأحيان، يكسب هؤلاء الكتاب فئات مختلفة من القراء المطالعين لنتاجهم الفكري، حيث يكون هناك فئة الشغوفين بسلاسة اللغة وبلاغتها فى النصوص المعنية الظاهرة، إلى جانب الفئة التى يجذبها جمال وجودة أسلوب الرمز المستتر فى قوالب النص المحكمة الإبداع، والتى يستطيع أفرادها بعلو ثقافتهم قراءة المعاني التى تُشير إليها الكلمات والعبارات المكتوبة فى النصوص المعنية.

 

وهكذا، فتاريخ البشرية القديم والحديث يعج بالكثير من الكتاب والشعراء، من أصحاب ثقافة الأسلوب الرمزي، الذين دفعتهم (لتبنيه) الرغبة الكامنة فيهم لتحقيق مستوى متميز لكتاباتهم، وذلك بعد أن تراءى لهم ـ سبيله ـ كخطوة متقدمة فى طريق تحقيق البلاغة الأدبية الراقية لفن الكتابة التى يحترفونها.[1] أو أنه أضطرهم إليه حسهم الإنساني لإستخدام وسيلته من أجل نشر الأفكار الخيرة بين الناس، فى مناورة (مقصودة) للإلتفاف حول الظروف والعوامل القهرية التى أجبرتهم على عدم المجاهرة بها عن طريق الأسلوب المباشر.

 

ومن ناحية مختلفة،  يرى البعض الآخر، بأن الرمزية فى اللغة تُعد أداة تزييف للحقيقة والواقع، وهى لا تعدو ـ فى نظرهم ـ عن كونها نزعة يميل أصحابها من رواد المدرسة الرمزية لإصباغ نصوصهم بغموض الطلاسم اللغوية غير المبررة.

 

*****

 

جحا ..

 

تتركز المحاولة التى أزمع إتباعها فى هذه المقالة للتعرف على ديناميكية عمل الرمز اللغوي فى التعبير عن الأفكار المستترة والمعانى الدفينة التى تم توريتها خلف المدلولات المباشرة للكلمات اللغوية، على إنتقاء نموذجٍ من حكايات جحا المتخصصة ـ أكثر من غيرها ـ فى مثل هذا النهج من الأساليب اللغوية المختلفة.

بمعنى، إن مبتكري حكايات جحا الذين أبتدعوا لها هذه الشخصية التى تكاد تكون فريدة فى نوعها، كان غرضهم من ورائها أن تنقل لهم فى طياتها الأفكار المتعذر نقلها وإيصالها لعامة الناس بالنهج اللغوي المباشر، فقاموا ـ من ثمة ـ بتذويبها فى قالب متعة الفكاهة الناجمة عن تصرفات وسلوك جحا إزاء المواقف المتفرقة التى تصادفه فى أثناء تعاملاته اليومية مع سلاطين وأمراء وقضاة وفقهاء وتجار وأفراد المجتمع الذى ينتمى إليه.

والرمز فى الحكايات التى تم تسطيرها حول مواقف جحا، جعلت منه هو (ذاته) رمزاً للفكاهة والحكمة معاً، وجحا من هذا المنطلق قد جمع فى حكاياته من الرموز اللغوية المبطنة ما يضاهى كافة الرموز التى وردت فى نصوص الأدب العربي التى صاحبت فترة ظهوره ـ وربما ما قبله وما بعده ـ مجتمعة، بما فى ذلك ما تضمنه كتاب عبد الله بن المقفع الشهير كليلة ودمنة.

 

" جحا الضاحك المضحك " كما أشار إليه عباس محمود العقاد فى كتاب له يحمل ذات الأسم، فى مواربة واضحة إلاّ أن جحا يضحك مع الناس قبل إضحاكهم، فهو الضاحك من السلوك غير السوى عن طريق سخرية (ماهرة) تُحيل الموقف المتناول إلى مادة مثيرة لإضحاك الآخرين عليه، وتظهر ـ فى نفس الوقت ـ الحكمة المستترة وراء المفارقة التى تحملها الحكاية الساخرة.

 

ومن ناحية أُخرى، يرى الصادق النيهوم فى كتابه " محنة ثقافة مزورة "، إن جحا صاحب الشخصية الإسلامية (المميزة) قد ظهر فى تراث الأدب الشعبي ليعبر عما تجيش به نفس المواطن العادي من نقد لإدارة الحكم، وإن نكاته ـ فى هذا الصدد ـ تمثل صوت الناس المكتوم، فتُعلن عن شكاويهم إزاء الفساد الذى تمارسه أجهزة الحكم، وتنقل إعتراضاتهم التى يتهامسون بها ـ فيم بينهم سراً ـ إلى العلن، وتعمل فى هذا السياق كوسيلة إعلامية تؤدى عملها اليومي بإتقان ونجاح مفرط.

 

*****

 

حذاء جحا ..

 

لم يكن حذاء جحا العجيب، المستقى لشهرته من صاحبه الأكثر عجباً، هو الرمز الوحيد ـ كما سبق التلميح ـ فى حكايات جحا، فهناك أبنه وجلبابه وعمامته وحماره ومسماره وغيرها من الرموز العديدة التى ساعدت فى إبراز الحكمة المنشودة من وراء رموز حكايات هذه الشخصية العجيبة.

 

وقد أخترت فكاهة واحدة من بين حكايات جحا العديدة التى تدور حول حذائه[2]، على أمل أن ترشدنا الحِكم الواردة فيها إلى المدلول الرمزي الكامن فى فكاهة أُخرى (محزنة) لحذاء آخر إستخدمه صاحبه كرمز لأفكاره البائسة تجاه أفراد الشعب الليبي، ويمكن فى هذا السياق إعتباره جحا من نوع آخر !.

لكن، حكاياته مضجرة، مليئة بالتعاسة والغم والعبث، ومفتقرة للحكمة والعبرة التى ترتكز عليها حكايات جحا الأصلي، وأكاد أتخيل أنه لو قدر للعقاد تأليف كتاب حول هذا الجحا المزيف، لأطلق عليه " جحا المحزن المبكى " على غرار كتابه المشار إليه أعلاه " جحا الضاحك المضحك ".

 

دعونا ـ إذن ـ نقرأ سوياً فكاهة جحا الأصلي، ونرصد الرمز المؤدى للعبرة والحكمة فيها، ونرى بعد ذلك رمز التعاسة المستتر فى حكاية جحا الآخر (المحزن المبكى).

 

*****

 

الطريق الخفي ..

 

عندما خطط مجموعة من أفراد المجتمع ـ الماكرين ـ  الذى ينتمى له جحا لسرقة حذائه، طلبوا منه أن يتسلق نخلة ليقطف لهم منها بعض التَّمر، ولم تكن حيلتهم لتنطلى على فطنة جحا وذكائه، الذى إنتبه من أول وهلة للمؤامرة المحاكة حياله لسرقة حذائه الأثير، فما كان منه إلاّ أن طوى حذائه تحت إبطه وهم بصعود النخلة تلبية لمطلب أولئك المتآمرين، فصاح هؤلاء فيه بأن يترك حذائه ورائه لعله يعيقه فى الصعود، وقالوا له فى سياق ذلك:

§        " ماذا أنت فاعل بحذائك فوق النخلة يا جحا ؟ ".

فرد عليهم جحا الذى لم تكن تعوزه الحيلة بعد أن توجس منهم الغدر:

§        " من يدرى، فقد يجعل الله لي طريق خفي من فوق النخلة، وأحتاج فى إرتياده لإرتداء حذائي ! ".

 

المعاني المستخلصة من الفكاهة ..

 

إلى جانب المعنى الظاهر الذى تفصح عنه الفكاهة السابقة، هناك معانى مستترة وكامنة فيها، ترمى مفاهيمها إلى تبصير عموم الناس بحقوقهم المشروعة، وتعمل على خلق الوعى الجماعي بمكتسباتهم ومقدراتهم، وتدفع بهم ـ من ثمة ـ إلى الذود عنها. فالمعانى المستترة فى داخل هذه الفكاهة وغيرها، التى تسلط الضوء ـ للناس ـ على حقوقهم المغتصبة، وتحفزهم لضرورة الدفاع عنها أو إسترجاعها، هى بمثابة سعة فكرية تساعد الناس على إستخلاص الحكمة والعبرة التى تفصح عنها أحداثها المسخرة لنشر الوعي الجماعي بالحقوق المهدورة.

 

المعنى الظاهر:

إن جحا قد رغب فى التدليل لأولئك الأفراد بأنه (قد) لا يحتاج للحذاء فى تسلق النخلة، ومع ذلك فقد حمله معه لأنه يعلم بما يضمرونه فى أنفسهم لسرقته، وأنه قد أبتدع لهم (عن عمد) حاجته للحذاء لإرتياد الطريق الخفي الذى تعلل بإحتمال ظهوره ـ بقدرة من الله عز وجل ـ فى مناورة ذكية تُعلن لهم بأن حيلتهم لم تنطل عليه البتة.

 

المعنى الباطن:

لقد إستنبط جحا حيلته الذكية لمجابهة حيلة أولئك النفر ـ المتآمرين عليه ـ لسرقة حذائه، من الحذاء (ذاته)، فالحذاء فى مفهومه العام لدى الناس يتحدد فى كونه وسيلة لحماية أقدامهم من مخاطر الطرق وشعابها، وهو بالتالي لا حاجة له (إلاّ) فى أثناء السير، ويتم خلعه عندما تنتفى الحاجة لإستخدامه، على سبيل المثال، عند النوم، أو الصلاة، أو تسلق جحا للنخلة .. إلخ.

ومن هنا، جاءت فكرة الطريق الخفي التى تفتق ذهن جحا عنها،  كحجة ساقها لأولئك الأشخاص المتآمرين لسرقة حذائه، كى يصعب ـ أو ربما يستحال ـ عليهم دحضها بروح المنطق المبني على قوة الإيمان الديني.

بمعنى آخر، إن حيلة جحا فى هذا المضمار، لا يمكن تفنيدها من قبل مجموعة المتآمرين عليه (إلاّ) من خلال قيامهم بالتشكيك فى قدرة الله (ذاته) على شق طريق خفي لجحا فى أعلى النخلة !. وهذا أمر لا يقوى مؤمنُُ على إقترافه، فالله الذى يحي العظام وهى رميم لا يعجز بقدرته ـ التى تفوق كل وصف ـ عن إظهار طريق خفي من فوق النخلة لجحا أو لغيره.

والمعنى المستتر فى هذا الإطار، والذى أراد جحا أو مبتكري شخصيته إيصاله لأفراد مجتمعاتهم الذين يتابعون حكاياته ويتداولونها فيم بينهم، يتحدد فى ثلاث أمور:

1)    التبصير بالإستغلال البين لأفراد المجتمع من قبل أصحاب السلطة الفاسدة، والذى تعبر عنه الفكاهة بجلاء فى صورة إستغلال المتآمرين لجحا ـ الذى يمثل فى هذا الصدد أفراد مجتمعه المغلوبين على أمرهم ـ من خلال تسخيره لقطف التمر لهم من عراجين النخلة، بغض النظر هنا عن أن مطلبهم له بقطف التمر لا يتعدى كونه ـ مجرد ـ حجة تم إبتداعها من أجل تسهيل عملية سرقة حذائه.

2)    تبصير أفراد المجتمع ـ المتناول ـ فى واقع الحياة اليومية، بأن التآمر لسرقة حذاء جحا، هو فى صورته الرمزية التى تعكسه الفكاهة، تآمر من قبل أصحاب السلطة لسرقة مقدراتهم الأساسية، التى لا غنى لهم عنها، وهى المتمثلة فى حقوقهم الشرعية، التى يعكسها حذاء جحا فى الفكاهة، والذى لا يستطع صاحبه بدونه تذليل مخاطر السير على الطرق، كما هو الحال بالنسبة لحقوق الفرد فى الحرية والعدالة والمساواة التى بدونها لن يستطع التمتع بحياة كريمة تليق بإنسانيته.

3)    تبصير أفراد المجتمع بأن الحل الوحيد للخروج من وطأة الإستغلال والنهب اللذين يمارسونهما طغاة الحكم حيالهم، يكمن فى الإتجاه إلى درب الله الذى فتحه لهم من أجل أن ينصرهم على ظلم حكامهم الفاسدين. ذلك الدرب الذى يمثله فى الفكاهة طريق جحا الخفي التى تمتد أولى خطاها من فوق النخلة، والتى تعنى بإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي أنه على أفراد المجتمع المعنى خلع ثوب الخناعة والذل والإهتداء بطريق الله فى مواجهة القوم الضالين.

 

وجهة نظر معاكسة ..

 

وعند هذا الحد من تحليل القوالب الرمزية فى الفكاهة السابقة، أجد من باب الإنصاف أن أطرح وجهة النظر المعاكسة فى هذا الخصوص، والتى يرى أصحابها بإن فكاهات جحا لا تتعدى حدود بساطتها التى أُلفت من أجلها. أي أن غرض تأليفها يقتصر فى هدفه الأساسي على إشاعة روح الدعابة والسخرية بين الناس فى قوالب فكاهية طريفة، وهى فى هذا الإطار لا تعدو عن كونها فكاهات شعبية دارجة، لا تزيد المعانى الكامنة فى حكاياتها عم تبينه أحداثها فى صورتها المباشرة والظاهرة لمتابعيها.

ويُشير أصحاب هذه الرؤية، بأنه حتى لو تم الإفتراض جدلاً، بصحة وجود إشارات رمزية فى داخل نصوص فكاهات جحا، وتم ـ طبقاً لذلك ـ التسليم بوجود معانى مستترة تكمن فى إطار الأحداث والحوارات الدراجة فيها؛ فإن ذلك لا يعنى البتة إستيعاب كافة متابعيها ـ بإختلاف درجات ثقافتهم ووعيهم ـ للمعانى المستترة وراء نصوص معانى الكلمات الظاهرة.

بعبارة أُخرى، يرى أصحاب هذا التصور بأن إخراج المعنى الباطن من المعنى الظاهر فى تلك الروايات الطريفة ـ بحسب النسق الذى تم إتباعه أعلاه ـ لا يسهل أمره على محدودي الثقافة من أفراد المجتمع الذين يكونون غالبية سكانه، فى كافة العصور والأزمنة المتعاقبة.

ومن هنا، فإن مثل هذا العمل ـ إذا تم إقراره ـ فإنه يحتاج إلى الفئة التى تقتنى مستوى ثقافي معين، لإظهار المعانى المستترة وتفسيرها، إما المواطن العادي، المتواضع الثقافة والتعليم لن يفهم من فكاهات جحا إلاّ ما يعبر عنه نسيجها اللغوي الظاهر.

 

الرد على أصحاب هذا الرأي ..

 

وللرد على أصحاب هذا التصور، يجب على المرء الإشارة إلى أن الحكايات الرمزية مثل فكاهات جحا أو روايات عبد الله بن المقفع وغيرها الكثير الآخر، لا تحتاج من المرء أن يكون على مستوى ثقافي معين حتى يفهم معانيها المستترة، فليس هناك شفرة يتوجب فك طلاسمها فى هذا الصدد، فالمعنى المستتر فى هذا النوع من الروايات يُعد خفياً عن العين لكنه واضحاً للعقل.

بمعنى أن فهم المعانى المستترة وراء العبارات والكلمات الظاهرة، تتجلى للمرء مع إعمال عقله، وهذا ما يتأت لأهل الشريحة المثقفة ـ ربما ـ منذ الوهلة الأولى لسماعهم لتلك الروايات الساخرة أو غيرها، ولكن هذا لا يمنع من أن يرآه أصحاب الثقاقة الفكرية المحدودة، خاصة مع تكراره عليهم، وهذا ما يتميز به طابع (تلك) الحكايات الشعبية الساخرة التى يتم تداولها بين الناس على فترات زمنية متلاحقة، مم يمنح الفرصة تلو الآخرى لإعمال العقل فى بواطن معانيها الموجهة لهذه الشريحة الكبرى التى يُشكل قوامها غالبية أفراد المجتمع المعنى.

ولعله من الجدير بالذكر ـ فى هذا الغمار ـ إن الأسلوب الرمزي فى حكايات الطرائف الشعبية التى تدور حول شخصية جحا يتشابه ـ من حيث تأثيره فى نفوس الناس ـ مع روايات أمجاد الملاحم الوطنية وقصص البطولات الشعبية التى تخلق القدوة وتولد الشجاعة فى نفوس مستمعيها (مثل: روايات وقصص أبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد والزناتي خليفة وغيرها) والتى تزخر كافة المجتمعات بنصيب وافر منها فى مختلف العصور وفى جميع الأزمنة.

 

*****

 

حذاء جحا المحزن المبكي ..

 

لعل القراء قد عرفوا منذ البداية من يكون جحا المبكي المحزن، الذى ما أنفكت حكاياته على جلب التعاسة والغم والهم لأفراد الشعب الليبي، منذ لحظة إستيلائه على السلطة فى ليبيا ـ وفرض نظامه الفاسد على ربوعها الآمنة ـ فى صبيحة أول سبتمبر 1969م، وحتى لحظة الإنتهاء من كتابة هذه السطور.

 

الحكاية ـ المتناولة ـ بسيطة ومعانيها عميقة، لا تخف عن العين أو العقل، فقد فوجىء الليبيون فى إحدى الأيام العصيبة بتصدر حذاء رأس النظام الفاسد لشاشات تلفزيوناتهم !. هكذا، بدون مقدمات، لا برامج، ولا مذيعين، ولا تعليق، فقط حذاء صاحب النظام الفاسد، الذى ظل على شاشات التلفزيونات طيلة ذلك اليوم الكريه.

 

ولا يحتاج الوقوف على المعانى المستترة خلف القوالب الرمزية فى حكاية حذاء هذا الجحا (المحزن المبكى)[3]، لجهد مضني لمن عايشوها أو سمعوا عنها أو قرأوا تفاصيلها فى المطبوعات المنشورة، فقد أختلطت المعانى المستترة بالمعانى الظاهرة، بطريقة تلاشت معها الفواصل التى تميز بينها فى قرارة الحدث الذى تدور حوله هذه الحكاية (الصورة). بعبارة أُخرى، لقد تطابقت المعانى الصورية ـ لهذه الحكاية ـ مع مدلولاتها الرمزية فى وحدة تعبيرية متكاملة بدرجة إنتفى معها ضرورة وجود الرمز فيها.

 

المعانى المستقاة ..

 

عندما وجه رأس النظام الفاسد حذائه لعدسات كاميرات التصوير التللفزيوني، كان يذيع رسالته للشعب الليبي بأسره، والتى كان يقول لهم فى حيثياتها:

·        نعم، هذا حذائي، أمعنوا النظر فيه، فسوف أسحق به هاماتكم مثل حشرات ضئيلة لا تملك من أمر نفسها سوى الطاعة لصاحبه.

·        وأمعنوا النظر مرة أُخرى لهذا الحذاء الذى لن يتهاون صاحبه عن الدوس بنعله على كل من يجسر منكم برفع رأسه عالياً.

·        وأعيدوا الإمعان مرة تلو الأخرى فى هذا الحذاء، فقاماتكم لن تبلغ فى طولها عن حد ملامسة نعله.

 

وهكذا إنعكست ـ مع الأيام ـ معانى ومدلولات رسالة جحا المحزن المبكى التى أرسلها للشعب الليبي من خلال صورة حذائه الكريه. فجرد أفراده من كافة حقوقهم الإنسانية، ونهب ثروتهم القومية، وقمع بالقوة من تجرأ منهم على مناكفته، بموت وسجن وما بينهما من تعذيب وقهر وإذلال.

 

وفى هذا المنوال، يفرض السؤال المشروع التالي نفسه: هل كان رأس النظام الفاسد يملك الجرأة على إرسال إشارته المهينة لكافة أفراد الشعب الليبي ـ من خلال بث صورة حذائه الكريه على شاشات تلفزيوناتهم ـ لو كان يعلم بأن ذلك سوف يخلق ردة فعل شعبية عنيفة، لن يهدأ إعصار زوبعتها الغاضبة إلاّ بسقوط نظامه ؟.

والجواب المنطقي يقول: بالطبع لا. فلم يبعث رأس النظام الفاسد رسالته المهينة لشعب ليبيا بأسره إلاّ بعد أن ملك اليقين بإن هذا الأمر لن يمر بسلام وأمان (بالنسبة له) فحسب، بل أن قمعه الشرس وإستبداده المقيت وتسلطه المطلق على أفراد الشعب الليبي سوف يصبح إحدى الركائز التى يقوم عليها حكمه الفاسد فيم سيأتي، وذلك بعد أن جنى ثمار ممارسته (القمعية) طوال فترة حكمه السابقة، التى مكنته من الإفلات من نتائج مبالغته فى إهانة الشعب الليبي من خلال سلوكه غير السوي السالف الذكر.

 

وإذا تساءل أحدُ عن السبب الكامن وراء إستمرار هذا الوضع الشاذ الذى أستمر ثمان وثلاثون سنة، فإنه سيجد إجابته مجسدة فى المثل ـ التالي ـ الشائع فى كافة العصور التى تلت عهد سيدنا موسى (عليه السلام)، والذى يقول:

" لماذا تفرعنت يا فرعون ؟ فرد فرعون بالقول: لأنني لم أجد من يتصدى لي ".

 

وفى سياق الحديث عن التصدى، روى لي الأستاذ مصطفى بن حليم فى إحدى المرات، قصة طريفة لأحد شخصيات العهد الملكي إبان فترة الخمسينات، حيث وجه صاحب هذه الشخصية سؤالاً للشيخ عبد الجواد فريطيس (رحمه الله) يستفسره فيه عن معنى كلمة تصدى، فجاء جواب الشيخ عبد الجواد فريطيس بتوجيه سبابته تجاه سائله ثم قال له: " أمبش ".

ولعل الجميع ـ فى المجتمع الليبي ـ يعرفون بأن نطق كلمة " أمبش " مع توجيه السبابة لشخص ما، تعنى تحذيره من مغبة الإقدام على إداء عمل غير مرغوب فى فعله من قبل الشخص المتصدى له فى هذا الشأن.

وعلى هذا النهج، متى يحين الوقت ليضع الليبيون سبابتهم فى أعين رأس النظام الفاسد ثم يقولون له: أمبش ؟.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] على سبيل المثال: جورج أورويل الذى تجسدت لغة الرمز لديه فى كتابه الشهير مزرعة الحيوانات، والشاعر توماس ستيرنز إليوت الذى صورت أشعاره المعاني فى قوالب رمزية.

[2] هناك العديد من حكايات جحا التى تدور أحداثها حول حذائه، والتى لا يتسع مجال المقالة لسردها، ولكن من باب الإستشهاد، سأورد فيم يلي فكاهتين من بينها:

·         صفقة العمر: ضاع حمار جحا، الذى أعتاد على الضياع، وكان جحا يشقى كثيراً فى البحث عنه فى كل مرة يضيع فيها منه قبل أن يجده، فأخذ على نفسه عهداً أن وجده فى هذه المرة، أن يبيعه بدينار واحد، نكاية فيه ـ لعقوقه ـ وتبخيساً لقيمته أمام أقرانه من الحمير الآخرى. ووجد جحا حماره، وزال غضبه عنه، فندم على العهد الذى قطعه على نفسه ببيعه بدينار واحد.

وهكذا، لم يغلب التفكير جحا كثيراً، فقد تفتق ذهنه عن حيلة جهنمية يكمن فى دهائها تخليصه من ورطته العويصة، بتمكينه من الإحتفاظ بحماره بدون أن يخل بالعهد الذى قطعه على نفسه والتزم به فى لحظة من الغضب الشديد.

حيث قام جحا بتعليق حذائه على رقبة حماره وتوجه به إلى سوق المدينة، وأعلن لرواد السوق بأنه راغبُُ فى بيع حماره بمبلغ دينار واحد، ولكن بشرط أن يتم بيع الحذاء معه فى صفقة واحدة غير قابلة للتجزئة.

فهرع الناس إلى مكان جحا وتجمعوا من حوله فى تنافس ضاري فيم بينهم لشراء الحمار من خلال صفقة العمر، فقد كان الحمار العادي فى تلك الآونة يفوق ثمنه مئتي دينار، فما بالك بحمار جحا (العتيد). وهكذا، لوح المتنافسون من رواد السوق بدنانيرهم لجحا سائلين عن ثمن حذائه.

فقال لهم: " الحمار بدينار والحذاء بألف لمن يرغب فى الشراء ".

أنفض القوم متذمرين من مبالغة جحا فى تثمين حذائه، متجاهلين أنهم لم يعترضوا على بخسه لثمن حماره.

 

·         الخوف أبلغ شدة من القوة: ذهب جحا إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، فخلع حذائه عند باب المسجد بجانب أحذية المصليين الآخرين. وعندما أتم صلاته، خرج إلى موضع الأحذية، فلم يجد حذائه؛ فوقف بصرامة وإعتداد تنم قسمات صاحبها على شدة عزيمته وبأسه، ثم صاح فى جمع المصليين:

" هنا تركت حذائي، ومن هنا أختفى حذائي، فإن لم يرجعه سارقه إلى مكانه على الفور فسوف أفعل بكم ما فعله أبي بالقوم الذين سرقوا حذائه ".

فتمتم الناس فيم بينهم بغمغمة غير مفهومة، ثم تقدم أحدهم ووضع حذاء جحا فى موضعه بين أحذية المصليين، وقال لجحا: " بربك حدثنا عم فعله أباك بأؤلئك القوم الذين سرقوا حذائه ؟ ".

فقال جحا مجيباً بعد أنفرجت أساريره بعودة حذائه إليه:

" بكل بساطة، رجع إلى بيته حافى القدمين ".

[3] هذا إذا صح التقدير بإعتبارها حكاية، فى الوقت الذى لا تعدو ـ فيه ـ عن كونها صورة كريهة لحذاء رأس النظام الفاسد، ولكن ـ ربما ـ يوجد فى معانيها التى تعكسها ما يكفى لجعلها حكاية، وإذا جاز ذلك، فإنه بلا ريب سوف يتم تصنيفها ضمن كادر الحكايات المريرة الساقطة.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on January 30, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. 1 Comment.

  1. هههشصبهستجطخأكلا ةؤلاةلعقاحثختاطااهشتطياهيفتايى

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: