سر الأجبان فى صنع جمال الفئران

 

فى صبيحة يوم من أيام فصل الربيع الجميلة خرج جيري ـ وهو الإِسم الذى يطلقه الجميع على فأر قصتنا هذه ـ إلى الشارع ومنه إلى مَرْأب سيارته الملاصق لجدار بيته الخارجي، وما أن وقف فى مواجهة باب المرأب حتى ضغط على زر فى جهاز التحكم الألكتروني من بُعد، والذى كان قد أخرجه من جيب سترته الأيمن، وما هى إلاَّ لحظات حتى بدأ باب المرأب فى الصعود إلى أعلى منطوياً على نفسه ليلاصق السقف، وليكشف عن سيارتين أنيقتين رابضتين على أرضية المرأب الفسيح.

 

تقول الشائعات إن الإِسم الحقيقي لفأرنا هذا لم يكن فى يومٍ جيري، فقد كان له أسماً آخر أطلقه عليه أبويه عند ولادته، لكنه أندثر ولم يعد يذكره أحد، حتى جيري ذاته لا يذكر الإِسم القديم، أما اسمه الجديد فقد خلعه عليه أقران الصبا لكثرة حبه وولعه بشخصية الفأر جيري فى سلسلة أفلام الرسوم المتحركة توم وجيري.

 

ولم يكن حب فأرنا المدهش للفأر الكرتوني العجيب خالى من الأسباب، أو وليد الصدفة، أو شىء من ذلك؛ ولكن كان له سبباً قوياً ومقنعاً لكل من يعرف فأرنا عن قرب، وهو أنه خلاف لشخصية الفأر الكرتوني، كان فأرنا بطل هذه القصة لا يملك فى الدور العلوى من جسمه ـ أي فى داخل جمجمته الصغيرة التى يقطن فيها مخه ـ أي قدر من الذكاء أو الفطنة.

 

ولهذا كان حلمه وأُمنيته الوحيدة منذ أن  شاهد الفأر الكرتوني على شاشة السينما لأول مرة، وأصبح من أشد معجبيه فى العالم، هو أن يصبح فى يومٍ مثله، وفى مستوى ذكائه الوقاد وقدرته على حبك الحيل والدسائس، والتى كان الفأر الكرتوني العجيب يوجهها دوماً إلى عدوه اللدود القط توم، ولكن هيهات أن يأتى الماء من عين ناضبة أو بئر جافة !.

 

وكان فأرنا هذا وبطل هذه القصة فى صغره سخى الدمع والبكاء، وكان بكائه وسرعة جريان دموعه يتم لأي سبب مهما كانت تفاهته، ولم تكن سرعة دفقان دموعه، كما قد يعتقد القارىء أو يتطرق إلى ذهنه، بأنها دلالة على رهافة فى الحس والمشاعر؛ كلا، لم يكن فأرنا المدهش هذا يملك أحاسيس أو مشاعر فى أساريره المتبلدة، ولم يكن يحرك وجدانه أو عواطفه أي حدث مهما عظم شأنه.

 

ولكن دموعه القريبة إلى خده كانت تتدفق بكرم منقطع النظير كلما حاول التصرف إزاء موقف ما بما يعتقده بأنه ذكاء ليجد نفسه قد وقع فى مغبة حماقته، وأن تصرفه الذى أملاه عليه غباءه المطبق قد جر عليه عواقب وخيمة، وعندما يحدث ذلك ـ وهو فى غالب الأحيان ومعظم الأوقات يحدث بكثرة ـ تخنق الحسرة جيري على قلة ذكائه الذى يحلم دوماً أن يكون مشابهاً لذلك الذى يملكه بطله الكرتوني، فينهار على الفور فى البكاء وفى الكيد والكيل للآخرين وفى قذفهم بسيل من الشتائم والسباب السوقي، لينتشى بعدها مبتهجاً، وتغتبط سريرته بالفرحة وكأنه قد فاز لتوه بقطعة جبن كبيرة.

 

ومنذ أن أكتسب جيري إسمه الجديد الذى أطلقه عليه أقران الصبا، لم يُعد يدمع بسهولة كما هى عادته، فقد شلت الفرحة بإكتساب هذا اللقب الذى يعتز ويفتخر به البواعث والحوافز البكائية فى مقلتيه، وأصبحت دموعه لا تنساب إلاَّ فى مناسبات ثلاث فقط:

 

أولها، عندما تغتبط نفسه برؤية الجبن الذى يعشقه عشق المحبين المتيمين فى هوى أحبتهم، فينخرط فى البكاء والنحيب كطفل صغير قد فقد لتوه أبويه، ثم يبدأ فى لعن وسب الأخرين بأقذع الشتائم السوقية.

 

وثانيهما، حسرة وحنقاً عندما ينطق لسانه بقول الصدق، فهو لا يقوى على لفظه، لأنه مذمن حتى آخر شعرة فى ذيله المدبب بالكذب، ومولع به إلى حد الموت، وعندما يحدث وينزلق لسانه بقول الصدق فأنه على الفور يصاب بدوار فى رأسه يشابه دوار البحر لمن يكره ركوبه، وينهار بالبكاء، ثم يكيل ويكيد للآخرين ويقذفهم بأعتى وأقذر الشتائم السوقية التى لا تليق حتى بفأر مثله.

 

أما ثالثهما، فهى عندما يفشل فى إشعال نار الفتنة بين الآخرين، فهو مولع بالإيقاع بين الغير وزرع الفتن بينهم، ولكن عندما تفشل محاولاته فى بذر الفتنة بين أي مجموعة أو أفراد بعينهم، فإنه فى حينها ينهار باكياً حتى الثمالة، ثم يبدأ عادته المفضلة فى قذف الآخرين بأعتى وأقذر عبارات السباب والشتائم السوقية التى لا تليق حتى بمكانة أقل الفئران شاناً.

 

والغريب أن هناك شائعة أُخرى تقول بأن جيري لم يكن يبكِ لأتفه الأسباب، ولم تكن دمعته قريبة من خده كما تقول الشائعة السابقة، وأن دموع فأرنا جيري كانت تسيل بسبب مرض الرمد الذى أصابه فى عمر مبكر وكاد يفتك بعينيه وجعل دموعه تسيل بغزارة من شدة حرقانه لها.

 

ولكن مما يزيد الأمر غرابة على غرابته الأولى أن هناك إشاعة أخرى وجدت طريقها إلى مجتمع الفئران، ومفادها أن فأرنا جيري لم يكن يدمع القط فى صباه كما تقول الشائعة الأولى المروجة حوله، وأنه لم يصب بأي مرض فى عينيه كما تدعى الشائعة الثانية، وأن إسم جيري لم يُطلق عليه من قبل أقرانه بسبب ولعه وحبه للفأر الكرتوني العجيب.

 

فهو، وبحسب هذه الشائعة التى تجد لها شيء من المنطق فى عقول الفئران، أنه لُقب باسم جيري لأنه كان وكعادته ـ وكما كان يظن ـ متألقاً فى ملبسه بتلك التركيبة الكرنفالية التى يحرص فيها دوماً أن تكون على هيئة بدلة، والتى كان يتحلى بلبسها على الدوام، إلى الحد الذى أطلقت معها عنان خيال الفئران لترويج إشاعة أخرى حولها، والتى تُفيد بأن جيري قد خرج لهذا العالم مرتدياً بدلة.

 

أو بعبارة أكثر دقة كان مرتدياً التركيبة الهندامية المشابهة للبدلة، وأنه لم يُلد كبقية الفئران الأُخرى عارياً، بل أن هذه الشائعة بالغت إلى الدرجة التى صورت فيها أن جيري لم يُلد لابساً بدلته الكرنفالية فقط، بل أنه أيضاً كان يضع منديلاً أبيضاً فى جيب سترته الصغير الخارجى الذى يعلو صدره، وذلك زيادة منه فى التألق والتأنق، اللذين كان هذا الفأر المدهش يفخر بهما ويحرص على تحقيقهما دوماً بغض النظر عن ذوقه الشاذ فى إنتقاء ألوان ملابسه وخاماتها وتفصيلها.

 

وعودة للإشاعة الثالثة والتى تُفيد بأن جيري لم  يدمع القط فى حياته، وإن اسم جيري الذى صار يتسمى به بين الجميع كان قد اكتسبه من وراء تأنقه وجمال محياه، وحسب ما ترويه هذه الشائعة التى يصدقها الكثير من الفئران، وبعض من الجُرذان، بأن فأرنا المدهش جيري وكعادته خرج فى صباه يوماً للعب مع أقرانه لابساً بدلته المعتادة التى ولد بها، متزيناً بمنديله الأبيض، فاغرُ فاهه بإبتسامته البلهاء، وشارعُ عينيه اللتان تُذكرك على الفور بعيون الضفادع العاشقة.

 

وفى أثناء خروجه رأته صبية آدمية تلعب مع قريناتها لعبة النقيزة[1]، وكادت أن تسحقه ببرنجيتها[2]، التى دفعتها برجلها نحو إحدى مربعات النقيزة التى تصادف دخول جيري فيها أثناء عبوره للشارع نحو الرصيف الآخر حيث ينتظره رفاقه.

 

وعندما وقعت عينا الصبية على فأرنا المدهش الذى كادت أن تقتله ببرنجيتها، شهقت صارخة خوفاً وذعراً كما هو متوقع عادة عندما ترى البنات الآدميات أحد الفئران، فهن لا يضاهى خوفهن من رؤية الفئران إلا خوفهن من البوبُرَيْصات[3] أو البوشُبوات[4]، ولكن سرعان ما تبدد خوف هذه الصبية عندما تمعنت فى سحنة فأرنا الذى صعقته هول الصدمة من البرنجية التى كادت أن تدهمه وتقضى على حياته.

 

وما أن حدقت وأطالت هذه الصبية الصغيرة النظر فى فأرنا المدهش، بعد أن أنجلى عنها ذعرها الطارئي، حتى صاحت بأعلى صوتها منادية صديقاتها اللاتى يلعبن معها:

 

·        " جيري، أنظرن يا بنات جيري، أنه جيري ".

 

 

فهرعت صديقاتها الثلاث إلى المكان الذى تسمر فيه فأرنا المدهش، ونظرن إليه ليصيحن فى صوت واحد:

 

§        " جيري ".

 

ثم عقبت إحدهن مهللة:

 

o       " إنه حقاً جيري ".

 

وعقبت أخرى قائلة:

 

·        " إذا كان جيري هنا، فلن يكن غريباً أن يكون توم مختبأ فى مكان قريب متربصاً لجيري كعادته فى محاولاته الدءُوبة لإصطياده ".

 

فقالت الصديقة الثالثة:

 

§        " دعونا نبحث عنه، لابد أن يكون وراء صفيحة القمامة التى هناك ".

 

وهرعت البنات إلى صفيحة القمامة بحثاً عن القط توم، فأنتهز فأرنا المدهش الفرصة ملتفتاً ذات اليمنة واليسرى لاَئذاً بالفرار، وكان رفاقه على الرصيف الآخر قد رأوا وسمعوا كل ماحدث لفأرنا مع البنات، ومنذ تلك اللحظة أطلقوا عليه إسم جيري.

 

وتُعد الشائعات من أكثر الأمور تداولاً بين الفئران فهى تأتى ـ بالنسبة لهم ـ فى المرتبة الثانية بعد حبهم للأجبان، فمعشر الفئران تتمتع وتتلذذ بتأليف الشائعات وإطلاقها، حتى يخال لك عندما تستمع إلى فأرٍ منها يروى لك حدثاً أو معلومة ما، أنه يقول الحقيقة، ولا يراودك الشك فى صدق ما يقول حتى تكتشف بعد تورطك فى حبائلها أنها لا تعدو أن تكون شائعة مغرضة.

 

وأياً كان السبب الذى أكتسب به فأرنا المدهش جيري إسمه، أو أي الشائعات أقرب للحقيقة، فأن الذى يهمنا أكثر من إسمه هو شخصيته التى لا تنفك أبداً عن إدهاشك مهما ظننت أنك قد خبرت وعرفت خصائصها.

 

ولكن عليك دائماً أن تتذكر بأن جيري قادر على أن يمتعك ويجعل حياتك نزهة ترفيهية دائمة يفوق مداها تلك المتعة التى ينالها الأطفال بمشاهدتهم للفأر الكرتوني العجيب جيري أو غريمه القط توم؛ ففأرنا المدهش شخصية فريدة من نوعها بكل المعايير والمقاييس، فهى تجمع بين حناياها متناقضات يندر اجتماعها فى أيٍ كان من البشر أو الفئران.

 

فهو مولع بنفسه إلى حد العشق والولهان، لدرجة يقضى معها ثلاثة أرباع وقته أمام المرآة يتزين مثل عروس فى ليلة زفافها، ولهذا فإنه لا تكاد تخلو بقعة فى بيته من المرايات التى تزدحم بها جدرانه وخزاناته وحتى أسقف غرفه وصالاته وحماماته.

 

وعندما يصفف جيري ما تبقى له من شعيرات قليلة على رأسه فذلك يستغرق منه ساعات طوال، أما إرتداء ملابسه عند الخروج فهو فى ذلك لا تضاهيه فيه حتى عارضات الأزياء المحترفات، لأنه يلبس كل ما فى خزانته من ثياب كرنفالية الواحدة تلو الأخرى حتى يستقر رأيه على أي الثياب أنسب لطلعته الأنيقة.

 

وهناك اعتقاد لم يبرح مخيلة فأرنا المدهش جيري، وهو أن السر وراء جمال الفئران يكمن فى أكلها للأجبان، وأكثرُ الأجبان تأثيرُ وصناعة لجمال الفئران، هى أجبان روكفورت القديمة المعتقة التى تفوح عليك رائحة عفونتها قبل حتى أن تقترب منها، والتى يُكثر فأرنا المدهش من أكلها حتى تمسح عليه رونقاً جمالياً يليق بمكانته النرجسية بين بقية المخلوقات.

 

وأما الذكاء، فهو وكما أسلفنا لا يملك فأرنا المدهش منه الكثير، فهو متواضع الذكاء إلى حد مميت، ولا يفصله عن الدخول فى دائرة الغباء إلا ذلك المقدار الذى يقل عن شعرة رقيقة لا تكاد تُرى بالعين المجردة، ومع ذلك فهو يظن بأنه لامع الذكاء بالدرجة التى تماثل ذكاء بطله الكرتوني ولا تقل عنه.

 

وهنا كان مكمن المعضلة فى شخصية فأرنا المدهش جيري الذى لم يتطرق الشك إلى نفسه لحظة بأنه على درجة عالية من الذكاء، بل أنه يتعدى ذلك بإعتقاده بأنه يملك ذلك القدر من الذكاء الذى يفوق به ذكاء الآخرين ويتجاوزهم، وهذه كانت هى غلطته القاتلة ـ التى يشترك فيها معه معظم الأغبياء ـ لأنه لم يلحظ بأن هذا الإعتقاد فى حد ذاته هو المؤشر الجلي والدليل الصارخ على أنه يتمتع بصفة الغباء.

 

ورغم هذا الغباء الحاد الذى يسيطر على فأرنا المدهش، والذى كان يوقعه على الدوام فى نتائج غير محمودة، فإن فأرنا هذا لديه أجندة خاصة يتطلع بها إلى تبوء مكانة تليق ـ حسب تقديره الشخصي ـ بفأر مثله فى مجتمع البشر والفئران.

 

والمؤلم فى هذا الصدد أن فأرنا المدهش كان قد تبنى لتحقيق مأربه، أو أهداف أجندته هذه  نهج بطله الفأر الكرتوني الحامل لإِسمه، ولكنه نسى فى غمار ذلك أن تبنيه لنهج بطله الكرتوني لن يؤدى به إلا إلى تبوء قاع الحضيض فى كلا المجتمعين، وذلك راجعُ لسببين:

 

أولهما، أن جيري الفأر الكرتوني العجيب وقصته الخيالية المراد بها الترفيه عن المشاهدين واضحاكهم فى إطار المقالب الكوميدية، لم يكن يستعمل فيها حيله الذكية إلا دفاعاً عن نفسه ضد محاولات القط توم لإفتراسه وتحويله إلى وجبة غذائية، وأنه لم يكن يؤذى الآخرين أو يكيد لهم الدسائس والحيل بسلسلة من الإفتراءات والكذب المفضوح، وعلاوة على ذلك فأن الفأر الكرتوني لم يخرج يوماً عن حدود اللياقة والأدب بالتلفظ بسباب وشتائم سوقية لا تليق حتى بأقل الفئران شأناً.

 

وثانيهما، أن شخصية الفأر الكرتوني العجيب قد صممت من قبل مؤلفيها ومنتجيها بسمات الذكاء الوقاد والفطنة الحادة، وهذا ما هو منعدم وجوده فى شخصية فأرنا المدهش جيري.

 

ومن هنا كانت سلوكيات فأرنا المدهش تقوده دوماً، ومرة تلو الأخرى إلى فضح نفسه وتعريتها أمام الآخرين، الذين سرعان ما يكتشفوا زيف شخصيته التى يحاول أن يرسمها لنفسه أمامهم، وهذا ما جعله يقع يوم بعد الآخر فى عزلة مقيتة لا فكاك منها.

 

ورغم كل أدواته التى يستعملها فى تزيين صورته أمام الآخرين لمحاولة إيقاعهم فى حبال شبكته، إلا أن تصرفاته الغارقة فى الغباء كانت تذيب له هذه الحبال، لتتحلل شبكته وتتلاشى متبخرة فى الجو كاشفة عن حقيقته المزرية.

 

وتشمل أدواته فى تزيين صورته ومظهره أمام الآخرين أساليب كثيرة وعديدة، ولكن أهمها إطلاقاً ثلاث أدوات:

 

§        تقع فى صدارتها صناعة " الكذب " الذى يتفوق فيه على نفسه.

§        وثانيها، " رسالتيه " اللتان بعث بإحداهما إلى رئيس بلدية المدينة التى يعيش فيها، والأخرى إلى محافظ المقاطعة التى بها مدينته، واللتان يطالبهما فيهما بسن قانون يعمل على إعتقال كافة قطط المدينة بل والمقاطعة بأسرها حتى تأمن الفئران شرها.

§        وثالثها، هى " المداخلة " التليفزيونية التى أجراها فى أحد البرامج الصحية الداعية إلى مكافحة إنتشار مرض الطاعون، والذى تُعد الفئران من أكثر وسائل نقله ونشره بين البشر.

 

ولم ينس هذا الفأر المدهش أن يجعل من رسالتيه اللتين بعث بهما إلى رئيس البلدية وإلى محافظ المقاطعة، وأيضاً نسخة الشريط المصور المحتوى على مداخلته المذكورة بمثابة كرت تعريف بنفسه يبعث به لأي كان، وذلك عندما يريد أن يُعرف الآخرين بنفسه، ولا يستطع أي أمرء أن يفلت من تسلم هذا الكرت منه، والذى يسارع فأرنا المدهش إلى إرساله له بمجرد حدوث التعارف الأول بينهما.

 

وقد سرت فى الآونة الأخيرة إشاعة جديدة بين الفئران تقول حيثياتها أن فأرنا المدهش جيري عاكف هذه الأيام فى صومعته لتحرير رسالتين أخرتين، لضمهما إلى كرت مؤهلاته ونشاطاته وفاعلياته، وأنه قد أصدر تعليماته لأعضاء أسرته وخدمه بأن لا يزعجه أحد منهم فى أثناء خلوته وإعتكافه لكتابة الرسالتين الجديدتين.

 

إن الوقت الوحيد الذى يسمح فيه لأى شخص منهم بالدخول عليه فى غرفة مكتبه وقطع خلوته، هو الوقت الذى يجلبون له فيه جبنته المفضلة ذات العفونة القادحة، وبإستثناء ذلك فأنه ممنوع منعاً باتاً على أي منهم التطفل بالدخول إلى مكتبه وقطع حبل تركيزه فى كتابة هاتين الرسالتين الهامتين.

 

وتقول نفس هذه الشائعة بأن الرسالتين المعنيتين سترفعان من رصيد وشعبية فأرنا المدهش حال فراغه من كتابتهما، وذلك لأنهما تعالجان قضيتين من أعوص وأصعب المشاكل التى تواجهها المجتمعات الفأرية.

 

حيث سيوجه إحدى هاتين الرسالتين إلى الإدارة الأمريكية احتجاجاً على قفلها لمصانع الأجبان فى ولاية أوكلاهوما، وما ترتب عليه من حرمان فئرانها من أكلها المفضل، خاصة وأن فصل الشتاء القارص البرد على الأبواب، وما يعنيه ذلك من أن فئران هذه الولاية ستعاني من نقص فى الطاقة الحرارية التى تُعد الأجبان من أهم مصادرها الأولية قاطبة بالنسبة لهم.

 

أما الرسالة الثانية فهى تُعد قطعة فنية بين الإنجازات الكتابية التى صاغها هذا الفأر المدهش، والتى تبرز مدى موهبته الفذة، وهى عبارة عن رسالة موجهة للسيدة سونيا غاندي احتجاجاً على تنحيها عن تولى رئاسة الوزارة فى الهند قبل أن تحل مشكلة الفئران الهندية المصابة بمرص نقص المناعة ضد صلصة الكاري.

 

*****

 

ونعود إلى بداية قصتنا بعد هذا التعريف البسيط بشخصية فأرنا المدهش جيري، وهى أنه بعد أن فتح جيري باب مأربه، صعد إلى إحدى السيارتين الفارهتين وأدار مفتاح تشغيل المحرك وأنطلق بها خارج المأرب، ثم ضغط على زر إقفال باب المأرب فى جهاز التحكم من بُعد، وما أن بدأ الباب ينسدل حتى أنطلق جيري فأرنا المدهش بسيارته إلى الشارع.

 

ولم ينس ـ فأرنا العجيب ـ أن يتطلع فى المرآة الصغيرة التى تتوسط الزجاج الأمامي والمعينة لرؤية المركبات التى تسير خلفه، ولكن لم يكن نظر فأرنا المدهش فى المرآة للإطمئنان على سير المركبات من خلفه، بقدر ما كان لرؤية جمال سحنته الرمادية، والإطمئنان على بهاء مظهره وهندامه.

 

إخترق جيري بمهارة فى القيادة شوارع وطرقات عديدة فى المدينة المزدحمة، مشجياً نفسه بالإستماع إلى أغنيته المفضلة التى يذوب فى عشقها أنا حلوة وعارفة أن أنا حلوة، والتى كانت تتنرنم بها مطربته الأثيرة شريفة فاضل. كان فأرنا يصدح بصوته عالياً معها مردداً كلمات هذه الأغنية المنبعثة من جهاز الستريو فى سيارته الفاخرة، ولم يكن بالإمكان للمرء أن يفرق صوت المطربة من صوت فأرنا المدهش لشدة تطابقهما سوياً.

 

وبعد رحلة استغرقت قرابة العشرين دقيقة أوقف فأرنا المدهش جيري سيارته أمام مرفأ المدينة، ثم نزل مترجلاً نحو أحد أرصفته التى كانت ترسو فى مياهه باخرة ضخمة كتب فى أعلى مقدمتها بخط كبير بارز سفينة الحرية، وكان يرفرف فى أعلى ساريها الشاهق علم تتوسطه نجمة وهلال أبيض بينما تتوزع ألوانه الثلاث بين الأحمر والأسود والأخضر.

 

نظر فأرنا المدهش جيري إلى السفينة بحنق ثم أخرج جهاز الموبايل من جيب سترته الأيسر، ولم يكد يفرغ من الضغط على أزراره حتى وضعه على أذنه، وماهى إلا لحظة حتى بادر محدثه على الطرف الآخر قائلاً:

 

·        " آلو … أيوه يا عامر، لقد وصلت إلى الرصيف الذى ترسو عليه الباخرة الملعونة .. نعم وأنا أنظر إليها الآن .. لا تقلق، أعرف ما علي عمله .. نعم سأتأكد أنه خرق لا يمكن رقعه أو ترميمه، وأنه سيؤدى حتماً إلى غرقها .. أطمئن، لن أدعها تبحر مهما كان الأمر .. مع السلامة، سنتحدث على البالتوك لاحقاً مع بقية الشلة، وسوف يكون لنا الضحكة الأخيرة، Bye .. Take Care ".

 

أتجه جيري نحو الباخرة الراسية فى مياه الرصيف البحري، وتسلل إلى داخلها خلسة، وبحذر شديد حتى لا يراه أحد طاقم بحارتها، وما أن وصل إلى سطحها حتى أتجه منه إلى دورها السفلي عبر السلالم الصغيرة التى تتوسطه، واخترق الممر الضيق الذى تصطف على جانبيه قمرات طاقم السفينة ليتجه إلى سلم صغير آخر يؤدى إلى قاع الباخرة حيث مخزن تموينها.

 

هبط فأرنا المدهش السلم، وما أن وطأت أرجله أرض قاع السفينة حتى بدأ يجوب فى أركانه، ولم يستغرق وقتاً طويلاً حتى وقعت عيناه على ركنٍ خالٍ، فخلع سترته ووضعها على أحد الصناديق المكومة بجانبه، ثم بدأ يقرض خشب السفينة الأرضي الذى يفصل ماء البحر عن جوفها، ومضى وقت غير قليل تمكن معه فأرنا المدهش من أحداث خرق فى الخشب وبدأت المياه تتسرب إلى داخل السفينة.

 

قفز فأرنا بسرعة وتلقف سترته من على الصندوق الذى تركها عليه وهم بالخروج من الباخرة حتى لا يتفاقم الأمر وتغرق وهو لا زال بداخلها. وبينما هو منهمك فى الهرب لمح صندوق كُتب عليه جبن روكفورت العتيق، ولم يستطع مقاومة حبه للأجبان، فاقترب من الصندوق، وما أن فعل حتى بدأت تفوح عليه رائحة عفونة هذا النوع من الأجبان الذى يعشقه أكثر من عشقه لزوجته البهية.

 

وبدأ فأرنا فى قرض الصندوق من الخارج حتى أستطاع أن يحدث فيه ثقب مكنه من دس فمه من خلاله وبدأ فى قضم جبنه المفضل، ومضى وقت غير قليل وهو منهمك فى أكله للجبن، دون أن ينتبه إلى أن المياه بدأت تعلو فى قاع السفينة إلى درجة كادت فيها أن تغمره بكامل جسمه، وهنا صعق فأرنا المدهش من هول ورطته القاتلة ونسيانه أمر الخرق الذى أحدثه، وأمر المياه التى كانت تتسرب إلى الباخرة.

 

وبكل ما أُوتى هذا الفأر المدهش من قوة، وبدفع من حيوية غريزة المحافظة على الذات والبقاء تسلق صندوق الجبن الذى كان منهمكاً فى أكله، حتى تمكن بشق الأنفس من الوصول إلى أعلى سطحه، وما أن أستقر فوق سطح الصندوق حتى بدأ فى الصراخ بأعلى صوته طلباً للنجدة.

 

ولحسن حظ فأرنا المدهش أن أحد طاقم بحارة الباخرة قد سمعه من قمرته فى الدور العلوى فأندفع مسرعاً إلى قاع السفينة ليفآجأ بالكارثة التى توشك أن تؤدى بالسفينة إلى الغرق، فعاد أدراجه مسرعاً إلى أعلى سطح السفية، ثم صاح فى كافة البحارة ليهرعوا لإنقاذ سفينتهم من الغرق.

 

وماهى إلا لحظات حتى كان الجميع يهرولون إلى قاع السفينة وأتجه كل منهم فى ركن من أركانها بحثاً عن الخرق الذى تدخل منه المياه حتى تمكن أحدهم من رؤيته، فصاح فى بقية الآخرين، فهرعوا إليه بسدادات خشبية قاموا بحشرها فى الخرق، وتمكنوا من سده وتثبيت أخشاب صلدة فوقه منعت تسرب المياه إلى السفينة كلية. ثم بدأ الجميع فى عملية نقل المياه الراكدة على القاع فى جرادل إلى السطح والرمى بها فى البحر، ولم يمض وقت كثير حتى كانوا قد أفرغوا كل المياه من القاع، وعادت السفينة بذلك إلى وضعها السابق الآمن.

 

وفى غضون ذلك كان فأرنا المدهش قد أُصيب بحالة هستيرية أطلق فيها العنان لقريحته فى سب الجميع بأقذر عبارات الشتائم السوقية، وكان فى نفس الوقت يوجه الإتهامات للجميع، ويحاول زرع الفتن بينهم، وذلك من خلال إتهام أحد بحارتها بأنه هو الذى وراء إحداث ذلك الخرق بالإشتراك والتواطؤ مع بحار آخر، ولم ينس فأرنا فى غمار هستيريته أن يلتهم له من وقت لآخر قضمة من جبنه المفضل من الصندوق الذى كا يرتكز على سطحه الأعلى.

 

وما أن فرغ الجميع من إنقاذ سفينتهم، حتى أتجه أحدهم إلى الفأر وأمسك به من ذيله، وصعد به إلى أعلى سطح الباخرة ورماه على رصيف الميناء ثم قال لزملائه:

 

§        " دعونا نُعيد ترتيب طاقمنا، ونصلح ما أفسده هذا الفأر اللعين فى سفينتنا، ونتعظ من هذه التجربة بأن نجعل الحيطة والحرص نصب أعيننا لمنع الفئران مستقبلاً من التسلل إلى سفينتنا وخرقها مرة أخرى، ولولا الحظ فى هذه المرة، لما استطعنا إنقاذها ".

 

وفى هذه اللحظة قام الفأر من الأرض التى رماه عليها البحار، ونفض ما علق به من تراب، وأعتدل فى هندامه الكرنفالي ثم أتجه إلى سيارته الفارهة، وما أن بدأ يقودها عبر الشوارع فى طريق عودته إلى بيته، حتى بدأ يلعن الجميع، ثم بكى بكاءاً مريراً لأن غبائه قد أوقعه مرة أخرى فى نهاية جديدة غير سعيدة له أو لرفاقه الآخرين فى مجتمع الفئران، لكنه سرعان ما توقف عن البكاء والنحيب على صوت أطفال آدميين يصيحون من السيارة التى كانت تقف بجواره عند إشارة المرور التى أوقفه ضوئها الأحمر عن مواصلة السير.

 

فتح فأرنا المدهش زجاج نافذته حتى يسمع ما يهلل ويصيح به الأطفال له، وما أن سجى زجاج النافذة فى مقره الأدنى من باب السيارة، حتى أستطاع أن يسمع أصوت الصبيان الثلاث الذين كانوا يجلسون فى المقعد الخلفي لتلك السيارة المحاذية لسيارته، وكان صياحهم يأتى إليه جلياً فى صوت واحد ونغمة واحدة وهم يقولون:

 

o       " جيري، جيري، جيري ".

 

ففرح فأرنا المدهش بهذا الهتاف، وأنتشت سريرته، ونسى أمر السفينة، وأدار قرص جهاز الأستريو ليسمع شريفة فاضل تصدح له بصوتها الممغنط أنا حلوة وعارفة أن أنا حلوة، وأخذ فأرنا يردد معها مقاطع أغنيتها المفضلة لديه وهو يتطلع إلى وجهه بإفتتان فى المرآة المخصصة لرؤية المركبات التى تسير خلفه، ثم أصلح من ترتيب شعيراته الباقية له فوق مسطح رأسه، وصاح بصوت غطى على صوت المطربة أنا حلوة وعارفة أن أنا حلوة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] النقيزة: لعبة قِوامُها أن تقفز البنت على قدم واحدة فوق مربعات مرسومة على الأرض من غير أن تمسّ قدمُها أضلاع المربّعات، وفى نفس الوقت تدفع برجلها قطعة صغيرة من الحجر أو البلاط تُسمى برنجية، تقوم اللاعبة بدفع هذه البرنجية من مربع إلى آخر حتى المربع الأخير، وأسم هذ اللعبة فى اللغة الإنجليزية هو Hopscotch.

[2] برنجية: قطعة الحجر الصغير المستخدمة فى لعبة النقيزة (أنظر فى شرح معنى النقيزة).

[3] أَبو بُرَيْصٍ: كنية الوَزَغة ، سامُّ أَبْرَصَ.

[4] البوشُبْو: الصُّرْصُورُ، أو الصرصار.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on February 2, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: