ماذا حدث بالضبط ؟

 

 

ماذا يحدث حولنا ؟ وإلى أي منزلق نأخذ وجهتنا ؟.

إن كثيراً من الرعاع والغوغاء .. وكثيراً من المتسلقين والإنتهازيين، وكثيراً من أصحاب المصلحة في الإضرار بهذا البلد .. وكثيراً من الطائشين، وكثيراً من المنساقين وضعاف النفوس، وكثيراً من الجهلة وأنصاف المتعلمين، وغير هؤلاء من الذين لا يعرفون سوى صوت الصراخ، ولا يمدون أبصارهم إلي أبعد من مواقع أقدامهم.

كل هؤلاء .. خرجوا إلي السطح في أصعب فترة حرجة تواجه بلادنا .. وتناثرت كلماتهم في كل مكان .. وانطلقت إشاعاتهم الخبيثة في الأزقة والشوارع .. وقادوا المواطنين البسطاء إلي منزلق خطر .. لم يعد يهدد أحد إلا نحن .. ولم تعد خطورته تقترب من بلد إلا بلادنا.

وحتى يمكن أن يفهم الناس حقيقة الواقع .. وحقيقة الخطورة التي تواجهنا .. كان لابد من أن نناقش الموضوع بوضوح وبصراحة .. ثم بصرامة إذا أستدعى الأمر.

فعندما يصل الغدر إلي مصلحة بلادنا .. ومستقبلها .. ينبغي أن نقيد الأعصاب الطائشة .. الجاهلة .. وينبغي أن تسود المصلحة وتتهشم كل مصالح الأفراد، وتزول من كل وجودنا .. كل دواعي الخيال ..

فالواقع وحده هو الوسيلة الوحيدة للفهم .. والانطلاق الجاهل خلف الكلمات البراقة الزائفة، لا يخدم أحداً سوى العدو.

وبصراحة .. يجب أن يعرفها كل مواطن، ويجب أن يعيها تماماً.  تقف ليبيا هذه الأيام[1] موقفاً لا تحسد عليه .. ويتآمر عليها الأعداء والأصدقاء على السواء .. لتكون ضحية " موقف " إستغله أصحاب المصلحة بلؤم وخبث، خلف شعارات كاذبة .. وعلى كل مواطن أن يفتح عينية جيداً على حقائق واقعة، وعليه أن يتحسس مواقع قدميه بوعي .. قبل أن نسقط جميعاً ضحية عواطفنا المريضة .. وضحية انسياقنا المتهور خلف المتسقطين خسائرنا لتحويلها إلي مكاسب لهم. مستغلين عاطفتنا الوطنية، ومنتهزين فرصة انهماكنا في متابعة القضية.

 

والسؤال الآن هو: ماذا حدث بالضبط ؟.

ولكي نأخذ الموضوع من خيوطه الأولى يجب أن نقرر الآتي:

v    بمجرد بداية مشكلة مضيق تيران[2] .. إنتشرت عاطفتنا الوطنية كالنار في الهشيم، وتجمع الناس في ليبيا حاملين أعناقهم على أكفهم .. ولم يكن ذلك نتيجة لتعبئة كلامية، ولكنه كان وليد طبيعة أصلية متجاوبة مع وجودنا العربي، ومع قضايانا المصيرية.

v    وبمجرد أن بدأت الحرب[3] .. تحولت بلادنا إلي قطعة من اللهب .. وقام المواطنون بترجمة مشاعرهم عن طريق الصواب والخطأ .. وأمام أبصار المسئولين عن أمن البلاد، دون حركة قمع واحدة .. ثم أعلنت حالة الطوارىء، وتحركت مجاميع الشعب نحو مكاتب التطوع.

v    تبع ذلك تبرع من الدولة، لتدعم المجهود الحربي، وإعلان حالة الحرب الدفاعية، وتوحيد المجهود العربي في استعمال سلاح البترول.

v    وبمجرد وقف إطلاق النار تحركت الهيئات الحكومية والشعبية لتضميد جراح الضحايا، وتوالت النتائج الطبية، ووصلت إلي أصحابها والمنتفعين بها.

v    ورغم عودة الحياة الطبيعية إلي كل البلدان العربية التي تضررت والتي لم تتضرر، إلا أن حياتنا الطبيعية لم تعرف طريقها إلينا حتى الآن، ورغم عودة الابتسامة إلي وجوه كثير من الشعوب العربية إلا أن شعب ليبيا لا يزال غارقاً في الألم، ولا يزال الناس يتناقشون ويتعاركون ويحترقون داخلياً دون توقف.

وليس هذا سرداً محصوراً لكل ما حدث .. ولكنه سرد سريع للوجه الذي استقلت بلادنا به .. نكبة العرب. ولكن الواقع المؤلم … خرج كثيراً عن نطاق خدمة القضية .. وتحول إلى وسيلة للإضرار بنا، نحن وحدنا فقط.

v    فعمال الموانئ الليبية البسطاء الطيبون، الذين تزدحم نفوسهم وحدهم بالمشاعر الطيبة، خدعتهم كلمات المستقلين، ومرضى الشهرة وسواقط القيد في الوطنية، وخدعتهم تحريضات الإذاعات الأخرى التى أنشئت خصيصاً للتلاعب بمشاعرهم وأحاسيسهم.

وفي الوقت الذي رفضوا فيه تفريغ البواخر الأمريكية والانجليزية وبقية البواخر الأخرى التي تحمل إلينا مستوردات حياتنا، وأعمالنا ومستقبلنا، فتحت بقية المواني العربية أبوابها على سعتها، متلهفة على ذلك، ومنتهزة الفرصة السانحة، ومواصلة تحريض الإذاعات للبسطاء، حتى تستمر المهزلة خلف شعارات القضية وشعارات المعركة.

v    وتوقفت عمليات حفر البترول في بلادنا لعدم وصولv المعدات.

v    وتوقفت الحركة التجارية لدخول عنصري عدم الثقة وعدم الأمان في المعاملات التجارية.

v    ورفضت شركات التأمين في الخارج تحمل مسؤولية بضائعv مرسلة إلي ليبيا.

v    واستغلت شركات البيع الفرصة فرفعت أسعارها لندرة البضائع في البلاد.

v    وطلبت المؤسسات الموردة غطاء كاملاً من النقد لكل المستوردات وأوقعت تجارنا في مأزق الحاجة.

v    وارتفعت ساعات العمل في موانىء تونس ومصر وبيروت لتستقبل ما رفضته المواني الليبية.


وبقي ـ بعد ذلك كله ـ سؤال حائر يتقاذفه الناس ؟.

v    لماذا نرفض ما يرضى به أشقاؤنا ؟ وهل تتطلب القضية أن يموت الناس في ليبيا وحدهم .. وأن يكونوا ضحية القضية دون أية دواع معروفة ؟؟.

 

والإجابة .. واضحة وليست بحاجة إلي كثير من التفسير .. فعملية الاستغلال الرخيص للقضية .. لم تسلم منها النكسة العربية الآخيرة هي الأخرى .


وعملية إستغلال البسطاء الطيبين من مواطنينا .. إمتدت إليها أجهزة الإعلام العربية لتنشيط التجارة في بلد عربي على حساب بلد عربي آخر. والنتيجة .. هي أن كل مشاعرنا الوطنية، تحولت في نظر الغير إلي بله .. وعبط .. وسذاجة .. يجب أن تستثمر على أوسع نطاق !.

 
هذا جانب مؤسف واحد .. يجب أن يعيه المواطن ويجب أن يصححه .. وإذا لم يستطع المواطن تصحيحه بنفسه، فعلينا أن نقرر بان الدولة لا يمكن أن تقودها المشاعر الطائشة .. وعليه فإن الإجراء الحازم يجب أن يتخذ صيانة لكرامة هذا الشعب من جهة، وحفظاً لاستقراره من جهة أخرى ..


ويبقى بعد ذلك جانب آخر مؤسف .. وهو قضية المقاطعة البترولية .. والموقف الليبي من هذه المقاطعة .. لم يأخذ طريقاً شجاعاً .. حتى الآن، فإذا كانت المقاطعة عربية وجامعة .. فنحن معها على طول الخط .. وما قرره الإجماع العربي علينا نافذ ولا مفر منه ..


قالوا أمريكا وبريطانيا .. وحددوا هاتين الدولتين بالذات .. وانفرادنا نحن بموقف مخالف .. بأن حددنا الدول التي سنتعامل معها. وهذا في رأيي موقف غير صريح .. ويمكن أن يضر بمصلحتنا الوطنية ضرراً لا حد له ..

 
لأن الدول العربية والدول الصديقة المنتجة للبترول، أسرعت فأخذت بناصية هذا القرار، أخذ مستغل، بشع الوجه. وتسابقت الدول التي يعنيها الأمر، نحو أسواقنا الليبية التي تركناها وبدأت تحاول إحتلال مكاننا في جرأة وصلت إلي حد الوقاحة .. وكأن القضية العربية والنكسة الآخيرة كانت وسيلتهم الوحيدة لتحقيق المكاسب على حساب إنهيار اقتصادنا، وسلب ثروتنا.

 
والموقف من جانبنا .. موقف جبان وضعيف وطائش، والموقف من جانبهم .. موقف جرىء .. نهاز للفرص، مستغل من جميع الوجوه ..

 

ليت الدول الشقيقة والدول الصديقة إستولت على أسواقنا لظرف مؤقت حتى نتمكن من أن نستعيد رجولتنا ونحدد موقفنا دون خوف. بل إنها ـ بعميق الأسف والألم ـ أصبحت تملي الشروط على أسواقنا لتوقيع عقود طويلة الأجل، مقابل الحلول مكاننا في هذه الظروف الحرجة !.


والظروف الحرجة ليست من صنع أحد .. ولكنها من صنع أيدينا، فهم يعطوننا حبلاً لنشنق به أنفسنا .. وبدلاً من أن يتم تقدير موقفنا على أساس من العبط والسذاجة المتطرفين.

ودخلت القضية أساليب القرصنة والسرقة من جانب دول عربية، ودول صديقة في منظمة الأوبيك. وجميع هذه الدول تتناحر على السوق الليبي في ألمانيا هذه الأيام. لا لمدها بالبترول هذه الفترة حتى يعود الليبيون إلي عقولهم .. بل بإملاء شروط طويلة الأجل أقصره لمدة عامين.


وهنا يصبح من اللازم والضروري، أن نحمّل الحكومة مسؤولية إنهيار دخلنا القومي دون سبب. فالقضية العربية لم تطلب من ليبيا أن تتنازل عن مستقبلها مطلقاً لصالح دول عربية أخرى، والقضية العربية لم تطلب من ليبيا أن تمتهن نفسها، وأن تكون سلعة تجارية في أيدي التجار، على حساب الشعارات الوطنية الملفقة.


فإذا أقرت مصر وسوريا والأردن والكويت والعراق والسعودية وبقية الدول العربية مقاطعة ألمانيا أو غيرها، فإن على ليبيا واجب تحقيق المقاطعة.


أما أن تقاطع ليبيا سوقها الكبير في ألمانيا، لتتم عليه المساومة من قبل الدول العربية .. فهذا جهل .. وهذا جبن .. وهذا إضرار بمصلحة المواطن والوطن .. تظهر آثاره علينا بمجرد أن تضيع أسواقنا من بين أيدينا. ويصبح أملنا فيها مفقوداً.


ولذلك يجب أن نطبق المقاطعة حرفياً .. دون أي تطرف لا تلتزم به الدول العربية الأخرى .. فالدولة لا يمكن أن تتبع صرخات المهووسين والمرضى والمراهقين. الدولة يجب أن تحمي المواطن من نفسه .. ويجب أن تتحمل مسؤوليتها بسرعة.


فأمامنا الآن .. صراع خبيث مرير .. ينتظر السرعة وحدها .. وينتظر الشجاعة الوطنية التي لا تلتفت إلي الرعاع أو المتسلقين.

 

1967

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] عقب نكسة حرب 1967.

[2] بسبب إغلاقها أواخر شهر مايو 1967 أمام الملاحة الإسرائلية في البحر الأحمر قبيل حرب الأيام الستة.

[3] في 5 ينيو 1967.

 
 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on February 4, 2009, in كتابات أعجبتني. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: