الدُّبُّ الجريح والكَتْكُوتُ الفصيح

 

الجزء الرابع:

الكتكوت الفصيح من البيضة يصيح

 

قال لهلوب بأسارير منفرجة:

 

·        " حدثنى أيها الكتكوت الفصيح عن القصة التى كُنت ستذكرها قبل أن تنهمك فى فك الشرك، والتى كانت وراء إكتسابك لأسم الكتكوت الفصيح ".

 

إبتسم الكتكوت الفصيح كعادته وقال:

 

q       " حسناً، كما قلت لك فى البداية بأنها قصة طويلة وأنى سأختصرها لك على قدر المستطاع، فأنا منذ أن ولدت، ومن اللحظة التى كسرت فيها جدار البَيْضَةُ التى باضَتها والدتى، وأنا أتكلم بطلاقة تامة، وهذا ما أثار عجب أسرتى وكل المحيطين بنا من أهالى قريتنا القوارشة التى ترعرعت وعشت بها، ولهذا أطلقوا علي منذ الولادة أسم الكتكوت الفصيح ".

 

وهنا أبتسم لهلوب لأول مرة منذ أن وطئت رجله تلك الغابة المشئومة وقال:

 

·        " هذا أمرُُ عجيبُُ، إذن أنت عبارة عن تطبيق حي للمثل المعروف القائل بأن الكتوت الفصيح من البيضة يصيح، فيبدو أنك قد صُحت من أول لحظة خروجك من بيضة مولدك، ولذا وصِفت بالكتكوت الفصيح ".

 

فرد الكتكوت الفصيح قائلاً:

 

q       " ليس بالضبط يا لهلوب، صحيح أننى قد نطقت من أول خروجى من البيضة، ولكن كنية الفصاحة التى علقت بأسمي، جاءت فى أكثرها لأننى كُنت أتكلم بطلاقة الذين قضوا أعمارهم الطويلة فى هذه الدنيا منكبين على دراسة المعارف العامة، فقد كُنت منذ ولادتى طليق اللسان بالمعرفة، فأنا لست فقط أتحدث الكلام اللغوى الذى يتفاهم به الجميع فيما بينهم، ولكننى فوق ذلك أنطق بالمعرفة، فقد ولدت بعقل يحوى بين ثناياه مناهج المعرفة العامة، ولهذا لُقبت بصفة الفصاحة تشبيهاً لي بشخصية الفلاح الفصيح ".

 

فقال لهلوب وعلامات التعجب مرتسمة على وجهه:

 

·        " الفلاح الفصيح ! ومن هو هذا الفلاح الفصيح ؟ ".

 

فقال الكتكوت الفصيح مجيباً:

 

q       " الفلاح الفصيح هو، وكما يدل عليه شطر أسمه الأول، فلاح بسيط، عاش فى أحد العهود الفرعونية، وعُرف فى زمانه وفى الأزمنة اللاحقة وحتى عصرنا الحالى بفصاحته البلاغية المنقطعة النظير، والتى لم يُشهد لها مثيل عبر التاريخ. فقد كان هذا الفلاح ذا موهبة بلاغية فذة، إلى جانب تملكه لرجاحة عقل يكتنز المعرفة العامة، متوج بمنطق جميل، وفصاحة عذبة، وطلاقة فى اللسان تجذب إليه العقول قبل الأسماع عندما ينطق بالكلام فى حديثه إلى الآخرين. وتقول أَضابيرُ التاريخ المنقول بأن قصة إكتشاف موهبة هذا الفلاح الخطابية والمعرفية، قد تمت عندما كان يتردد على القائمين على الجهاز الإداري فى منطقته بخصوص مشكلة تتعلق بأرضه التى يزرعها ، وحين .. ".

 

قال لهلوب مقاطعاً:

 

·        " كيف يمكن لفلاح بسيط أن يلم بالمعرفة وطلاقة المنطق واللسان دون أن يكون قد درس ذلك وتعلمه ؟ ".

 

فأجاب الكتكوت الفصيح على إستفسار لهلوب قائلاً:

 

q       " إن كلامك صحيح، فالمعرفة من الأمور المكتسبة فى الحياة، وليست من الصفات التى يُفطر المخلوق بها، مثل الذكاء وما على شاكلته. فالمعرفة يكتسبها المرء بالإطلاع والتحصيل والنهل من مصادرها المختلفة. ولكن يا لهلوب هناك الكثير من الظواهر التى تشذ عن قواعدها، ولا يعرف لها تفسيراً، مثل أن يولد مخلوق ما بقدرات تفوق المتعارف عليه والسائد بين المخلوقات الأخرى. ولو أن بعض الباحثين والعلماء يرجعون حالة ولادة المعرفة مع أي مخلوق إلى الموروثات الجينية. بمعنى أنَّ المخلوقَ المولودَ ملمُ بالمعرفة يكون قد استقاها فى الأساس من أجداده عن طريق الوراثة، أي أنه يتم إنتقال الصفات الفكرية والعلمية والمعرفية بوجه عام لمن هو حاملُ لها، إلى سلالته الذين يأتون من بعده عن طريق الوراثة. وحسب هذا التصور الذى يرى فى صحته بعض العلماء، أنه ليس بالضرورة هنا أن يرث المخلوق صفات الأجداد المباشرين، فمن الممكن أن تتم وراثته للصفات المعنية عن طريق أجداد تفصله عنهم مئات السنين أو حتى عشرات القرون ".

 

فقال لهلوب بحماس:

 

·        " ولكن حتى لو صدقت هذه النظرية، فإن المعرفة التى كانت سائدة منذ قرون ليست هى ذاتها المعرفة السائدة فى العصور التى تعقبها، فالمعرفة مثل أي شيء آخر متطورة بحكم التواتر الزمنى والإضافة الحادثه عليها ".

 

فرد الكتكوت الفصيح بإبتسام :

q       " وهذا أيضاً صحيح، ولكن ما ذكرته مجرد رأي لبعض من العلماء الذين حاولوا تفسير هذه الظواهر بأنها نتاج لوراثة الجينات غير المباشرة. ثم توقف لحظة يا لهلوب، أنك أعطيتنى الإنطباع منذ أن قابلتك بأنك لست من ذلك النوع الملم بالمعرفة أو الحوار العلمي المبنى على التسلسل المنطقي، وها أنت تفاجأني بأسئلة لا تصدر إلا عن شخص له مدارك معرفية وعلمية واسعة، أو على الأقل قدرة على المحاورة المنطقية، أنك خطير يا لهلوب، فقد أستطعت أن تخدعني لبعض الوقت ".

 

فقهقه لهلوب ضاحكاً وقال:

 

·        " أبداً أيها الكتكوت الفصيح، فأنا لا أملك من المعرفة إلا القدر القليل، خاصة فى المجال العلمي، ولكن أُحب الأدب وأطالعُ بعضاً من مذاهبه ".

 

فقال الكتكوت الفصيح الذى غرق فى الضحك هو الآخر:

 

q       " وأظن أنك ستقول لي أدب السوبرمان والرجل الوطواط والرجل العنكبوت وغيرهم، أليس كذلك ؟ ".

 

فقال لهلوب الذى لازال مستغرقاً فى ضحكه:

 

·        " نعم، حقيقة أننى أستمتع بقراءة مجلات هذه الشخصيات لما فى قصصها من خيال علمي يوسع أفق العقل نحو حدود اللامعقول. المهم، دعنا من ذلك وأكمل لي قصة الفلاح الفصيح التى كانت سبباً فى إكتسابك لأسمك الذى تحمله ".

 

فأسترسل الكتكوت الفصيح فى سرده لقصته حول الفلاح الفصيح:

 

q       " كان هذا الفلاح يتردد، كما ذكرنا، على المسئولين عن الجهاز الإداري فى منطقته بخصوص مشكلة تتعلق بأرضه أو شيء من هذا القبيل، وبدأ يسرد على مسامعهم قضيته أو مشكلته، ومن شدة عذوبة لسانه وجمال منطقه فى الكلام والوصف، وقع الموظفون فى الجهاز الإداري تحت أسر سحر فصاحة خطابه، فأخذوا يستزيدون منه فى الحديث، ولا يقضون له مصلحته التى أتى من أجلها، وذلك حتى يتسنى لهم رؤيته مجدداً وسماع جمال حديثه وعذوبة منطقه السلس. وأستمرت هذه الحكاية لسنوات حتى سمع الفرعون ذاته به، فأرسل فى طلبه ليحضر فى معيته، وعندما مثل أمامه وسمع الفرعون  جمال كلامه وعذوبته، وأنتشت نفسه بلطافة منطقه فى الحديث، وقع هو الآخر تحت تأثير سحر فصاحته، فقام على الفور بضمه إلى حاشية بلاطه حتى يستمتع كل يوم بحديثه الساحر. وهكذا أصبح هذا الفلاح عبر التاريخ مثالاً للفصاحة التى يتم إصباغها على كل من يظن الآخرون أنه يحاكيه فيها، وهذا ما حدث معي ".

 

قال لهلوب متنهداً:

 

·        " فعلاً أنها حكاية غريبة، لكنها شيقة جداً، وأظن أن قومك لم يخطأهم الصواب عندما أطلقوا عليك أسم الكتكوت الفصيح تيمناً بذلك الفلاح الفصيح، فأنت مثله إن لم تكن أفضل منه بمراحل ".

 

فقال الكتكوت الفصيح متلعثماً فى الكلام وقد أحمرت وجنتاه من إطراء لهلوب له:

 

q       " أشكرك، ولو أن ذلك به بعض من المجاملة الممزوجة بالمبالغة ".

 

فقال لهلوب وهو يضحك بملىء شدقيه:

 

·        " أبداً، فأنا لا أعرف المجاملة ولا المبالغة، لكننى لم أكن أعرف بأنك تخجل من الإطراء، أنظر وجنتيك وقد إحمرتا خجلاً، إن هذه سمة لا تتمشى مع شخصيتك المعتدة بنفسها، هههههههه ".

 

فقال الكتكوت الفصيح:

 

q       " هذا صحيح، وهو طبع لم أستطع التخلص منه رغم محاولاتى الكثيرة، فأنا أخجل من إطراء الآخرين لي، وهذا يحدث معى كثيراً ".

 

فرد لهلوب قائلاً:

 

·        " لا تعير ذلك أية أهمية، فهذه ميزة، وتُعد من ضمن الخصال الحميدة التى يمكن للمرء أن يتحلى بها، فهى تدل على التواضع الشديد، فلو كُنت من ذوى النفوس المتكبرة والمتعجرفة لكان إطراء الآخرين لك محط طرب ونشوة فى نفسك، ولتحولت معه إلى مخلوق متغطرس يقتات على إعجاب الآخرين به، فأحمد الله على أنك ولدت بنفس سمحة ومتواضعة، فهذا من مكارم الأخلاق ".

 

فقال الكتكوت الفصيح ولازال الإحمرار يلون وجنتيه:

 

q       " الحمد لله من قبل ومن بعد، أشكرك يا لهلوب على حسن تفسيرك لهذا الأمر ".

 

*****

 

أضغط على الجزء المراد الإطلاع عليه من مقالة " الدب الجريح والكتكوت الفصيح ":

 

1.    الجزء الأول: الحوار العاصف.

2.    الجزء الثاني: الوقوع في الشرك.

3.    الجزء الثالث: المنقذ.

4.    الجزء الرابع: الكتكوت الفصيح من البيضة يصيج.

5.    الجزء الخامس: حديث في السياسة.

6.    الجزء السادس: نهاية سعيدة.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Advertisements

Posted on February 6, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s

%d bloggers like this: