الدُّبُّ الجريح والكَتْكُوتُ الفصيح

 
 

الدُّبُّ الجريح والكَتْكُوتُ الفصيح

 

الجزء الثاني:

الوقوع في الشرك

 

وقف الدب الكندي العجوز يلقى كلمة الترحيب بالدببة الوافدين على مخيم الدورة التدريبية المصطفين أمامه:

 

·        " أعرفكم بنفسي، أنا براين ستيوارت، مدير هذا المخيم والمشرف العام على هذه الدورة المخصصة لتدريب وتلقين صغار الدببة المهارات الدببية اللازمة لمواجهة مصاعب الحياة عند الإنخراط فى معتركها. وقبل أن القى على مسامعكم التعلميات الواجب عليكم إتباعها أثناء فترة تواجدكم فى هذا المخيم، وتعريفكم بالبرنامج الذى ستتبعونه فى هذه الدورة التدريبية التى ستستغرق مدتها ستة عشر أسبوعاً، أود أولاً أن أرحب بكم جميعاً فى هذا المخيم، وأذكركم بأننا كلنا هنا أخوة فى الدبوبية، وليس هناك فرق بين المشرفين على الدورة وبين أي دب منكم .. ".

 

وما أن فرغ الدب العجوز براين من إلقاء كلمة ترحيبه بصغار الدببة الوافدين على المخيم، حتى ألحقها بتعليماته لهم حول النظام المتبع فى داخل المخيم، وتعريفهم بالبرنامج المقرر للدورة، ثم قام بتوزيع الجدول اليومى للنشاطات التى سيتم إتباعها خلال فترة الدورة عليهم. ثم أمر بعض من أعضاء مخيمه من المشرفين على هذه الدورة بالقيام بتوجيه صغار الدببة الوافدين إلى غرفهم المخصصة لهم فى هذا المخيم، حتى يغيروا ملابسهم ويستعدون للمشاركة فى حفل التعارف الذى تنظمه إدارة المخيم للوافدين الجدد.

 

وكان دبنا بهلول الموهوب الذى لم يعتاد منذ ولادته على عمل أي شيء فى حياته، قد واجه صعوبات جمة منذ أن وطأت قدمه أرض هذا المخيم، حيث بدأت مشاكله مع أول المهام التى كان عليه أن يعملها بنفسه بعد استقراره فى الحجرة المخصصة له فى المخيم، وذلك عندما وجد نفسه مضطراً لإفراغ حقيبته من ملابسه وحوائجه الخاصة، والتى كانت بالنسبة له تُشكل نوع من الصعوبة والمشقة التى لم يعتاد عليها، لكنه وجد أنه لا مفر له من عمل ذلك، فهو مضطر للقيام به طالما أن والدته التى أعتادت أن تقوم بكل شيء بالنيابة عنه غير موجودة الآن معه.

 

وهذا ما يعزز من صواب فكرة أباه الدب عصام البهبهاني فى إلحاقه بهذه الدورة، التى حتماً ستعود عليه بفائدة كبرى، وذلك لما فيها من تعويل على تمكينه من تعلم كيفية إعتماده على نفسه فى قضاء أمور حياته اليومية.

 

ولم يكد يمض يومان على إلتحاق لهلوب  بهذا المخيم حتى كانت أمه الدبة فريحة الشريحة قد زارت أرض المخيم أكثر من خمس عشرة مرة، وذلك حتى ترى أبنها ولو من وراء السياج المضروب حول هذا المخيم، حيث كانت لوائح وتعليمات إدارة المخيم تمنع أهالى الملتحقين بالدورة من زيارتهم خارج الأوقات المحددة للزيارة، وهى مرة واحدة فى الأسبوع بين الساعة الرابعة والسادسة من مساء يوم الأحد.

 

ولكن هيهات للصبر أن يعرف طريقه إلى قلب تلك الأم الحنون، فكانت تصر على زوجها الدب عصام البهبهاني ـ رغم تذمره من ذلك ـ على أخذها لرؤية أبنها الذى لا ينقطع شوقها له ولرؤياه لحظة واحدة.

 

وبإنقضاء الأسبوع الأول من التدريب فى ذلك المخيم الدببي، كان لهلوب قد بدأ بالفعل فى ممارسة كثير من الشئون الخاصة، التى لم يكن فى السابق يقوى على عملها؛ وبذلك تكون فكرة أباه بإلحاقه بهذا المخيم قد بدأت تجنى ثمارها.

 

وفى صباح أول يوم من أيام الأسبوع الثاني لتلك الدورة التدريبية جمع الدب العجوز براين صغار الدببة الملتحقين بالدورة فى ساحة المخيم، ووقف يشرح لهم تعليماته بخصوص مهام ونشاطات ذلك اليوم الواجب عليهم إتباعها وتطبيقها، والتى كانت تقضى بأن يقوم الدببة الصغار بهذا النوع من التدريب بالتجوال فى الغابة المحيطة بذلك المخيم، للبحث عن هدف معين عن طريق إقتفاء الأثار التى تم وضعها وزرعها مسبقاً فى أماكن متناثرة من الغابة بواسطة المشرفين على الدورة، بطريقة تقود إلى ذلك الهدف المطلوب والذى يتعين عليهم الوصول إليه.

 

وما أن فرغ الدب براين من شرحه للدببة الصغار المطلوب منهم عمله، وأذن لهم بالبدء فى جولة البحث، حتى أنطلق هؤلاء الدببة الناشئة فى إتجاهات متفرقة بحثاً عن الأثار التى تقودهم إلى الهدف المنشود.

 

وكانت الطامة الكبرى فى سوء طالع الدب الصغير لهلوب أنه ظل طريقه فى الغابة وخرج عن نطاق الدائرة المرسومة له ولإقرانه بالبحث فيها. حيث دخل فى نطاق الغابة الكبرى المشاعة لجميع المخلوقات فى تلك البلاد الشاسعة، ولم يكن هذا هو آخر المشاكل التى سيواجها هذا الدب الصغير، فهذا لم يكن إلا بداية مشاكله منذ أن وطئت قدمه أرض تلك الغابة المخيفة والموحشة وحشة الموت ذاته.

 

بينما كان لهلوب يمشى الهُوينَى بعد أن بدأ القلق والخوف يتسربان إلى نفسه الغضة، أحس فجأة بآلة حادة تقبض على رجله اليمنى بشدة بالغة، مطبقة بأنيابها الحديدية على لحمها الطري محدثة ألماً شديداً لا يحتمل.

 

سقط لهلوب على أثر ذلك على الأرض، ليكتشف أن رجله قد داست على فخ أحد الصيادين المنصوب للإيقاع بالحيوانات الجائلة فى تلك الغابة المترامية الأطراف.

 

ولم يطل بدبنا الصغير التفكير كثيراً ليعرف أنه قد وقع فريسة هذا الشرك المنصوب، والذى أطبقت قواطعه الحديدية الحادة على رجله وأوقعته صريعاً على الأرض، نهبة لآلام تكاد أن تفتك به لشدة قسوتها.

 

وعلا صراخ الدب الصغير طلباً للنجدة، ولكن لم يجد لآنات صراخه صدى فى تلك الغابة الموحشة.

 

ومضى الوقت على دبنا الصغير بطيئاً ومريراً، فكانت الدقائق لا تكاد تمر لطولها، وكان هذا الدب التعيس يئن من آلامه مستغيثاً بين الحين والآخر بأعلى صوته طلباً للنجدة، آملاً فى أن يسمع صوته أحد أعضاء مخيمه فيهرع لنجدته، أو أن يصل صوته لأحد رجال حرس المحافظة على الغابات والبيئة، التى تجول دورياتها بين الوقت والآخر فى تلك الغابة لملاحقة الصيادين ومنعهم من إيذاء حيواناتها؛ ولكن لا حياة لمن ينادى، فقد كان صدح صراخه يذهب أدراج الرياح.

 

وبعد أن مضى وقت غير قليل على معاناة لهلوب الصغير، وبينما كان هذا المسكين فى إطراقته التعيسة التى جرته لها شدة عياه من البكاء والصراخ، خُيل إليه أنه سمع صوتاً قادماً من بعيد.

 

سمع لهلوب صوت شخص يتكلم بإسترسال، فأنتشى فرحة، وداعب الأمل شجيته، ودبت روح الحياة فى نفسه مجدداً. فلعل هذا الصوت القادم يكون لأحد أعضاء المخيم الذين بكل تأكيد قد أنتبهوا لغيابه، وقد بدأوا فى البحث عنه، وهاهم على وشك الوصول إليه، أو قد يكون الصوت القادم لرجال دورية حرس المحافظة على الغابات والبيئة. وأياً كان القادم، فذلك لا يهم، فالمهم لديه الآن هو أنه هناك أحد قادم لإنقاذه من براثن هذه الورطة المميتة.

 

وبينما هم الدب الصغير بالصراخ مستنجداً بالقادم ليأتى إليه ويخلصه من آسر هذا الشرك اللعين، حتى داهمته فكرة سوداء مغزاها أنه ماذا لو أن القادم لم يكن أحد فريق المخيم الجارى البحث عنه لإنقاذه ! وماذا لو لم يكن أحد رجال حرس المحافظة على الغابات ! وماذا لو كان القادم هو ذلك الصياد الذى نصب هذا الشرك ؟ وماذا لو كان القادم حيوان مفترس يبحث عن ما يسد به رمق جوعه ! ماذاوماذا … وماذا.

 

العديد من التساؤلات والتصورات طافت بذهن هذا المسكين الصغير، وكانت اللحظات القليلة التى ساورته فيه هذه التساؤلات المفعمة بالأفكار القاتمة، ربما هى أشد وطأة عليه من أنياب الشرك الحديدية التى تقبض على رجله وتدميها.

 

ووجد لهلوب الصغير نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، أولهما أن يصرخ بملىء رئتيه للقادم لكى يعرف مكانه، على أمل أن يكون أحد أعضاء مخيمه أو أحد رجال حرس حماية الغابات. وثانيهما أن يلزم الصمت خشية أن يكون القادم هو الصياد ذاته الذى نصب الشرك، أو أن يكون حيوان جائع يبحث عن فريسة له يقتات عليها.

 

وقلب لهلوب الصغير الأمر على جانبيه، فوجد أنه إذا لزم الصمت خوفاً من يكون القادم أحد غريميه المفترضين، فأنه بذلك أنما يفوت الفرصة على نفسه فى النجاة إذا ما كان القادم أحد الأطراف المنقذة، هذا من ناحية.

 

أما من الناحية الأخرى، فأن إلتزامه للصمت لن يمنع قدوم الصياد إليه، فهو فى جميع الأحوال سوف يستدل على مكانه بكل بساطة، لكونه هو الذى نصب هذا الشرك فى هذا المكان الذى يعرف طريقه إليه جيداً، فالصياد لا يحتاج لصراخ لهلوب لكى يستدل على مكان شركه، فقدومه لهذا الشرك سيكون حتمياً لتفقد ما إذا كان قد غنم فيه بصيد من عدمه. كما أن الأمر لن يختلف كثيراً فى حالة ما إذا كان القادم إحدى الحيوانات المفترسة الباحثة عن فريسة لها، لأنها لن تجد صعوبة فى الوصول إليه بحاسة شمها القوية التى فُطرت عليها.

 

إذن فالأمر فى كلتى الحالتين هو تحصيل لحاصل. ومن هنا وصل دبنا لهلوب فى نهاية الأمر، إلى التخلى عن فكرة إلتزام الصمت وإختيار اللجوء إلى الصراخ بكل ما تقوى عليه حبال حنجرته الصوتية، طالباً للنجدة من ذلك القادم المجهول. وهو يرى بإن إختياره هذا سوف يضمن له عدم فوات الفرصة عليه فى النجاة، إذا ما كان هذا القادم من الأطراف المسالمة.

 

وبدأ لهلوب فى الصدح بالصراخ بأعلى صوته منادياً على القادم ليأتى إليه، وبعد هُنَيْهَةُ توقف عن صراخه للحظة من أجل أن يتبين ردة فعل مناداته على صاحب الصوت القادم، فهل يا ترى قد سمعه أم لا ؟.

 

وما أن توقف دبنا الصغير عن صراخه، حتى سادت المكان سكينة تامة ولم يعد يسمع لذلك الصوت المسترسل صدى، فقد توقف عن لغطه الذى كان لهلوب قد سمعه قبل إطلاقه لصراخاته المستغيثة.

 

وهنا بدأ القلق يتسرب إلى نفس لهلوب، لكنه لم يجد بُداً من مواصلة الصراخ مرة أُخرى، مستعطفاً القادم المجهول بعبارات الرجاء والتوسل للقدوم إلى حيث كان يقبع طريح الأرض، مكبل القدم بقبضة ذلك الشرك اللعين، معلناً للقادم المجهول أنه محتاج للمساعدة وأنه جريح من جراء وقوعه فى فخ منصوب، وما أن فعل ذلك حتى بدأ يسمع من جديد أصداء الصوت القادم يقترب منه بمشية خفيفة الوقع لكنها حثيثة الوتيرة.

 

*****

 

أضغط على الجزء المراد الإطلاع عليه من مقالة " الدب الجريح والكتكوت الفصيح ":

 

1.    الجزء الأول: الحوار العاصف.

2.    الجزء الثاني: الوقوع في الشرك.

3.    الجزء الثالث: المنقذ.

4.    الجزء الرابع: الكتكوت الفصيح من البيضة يصيج.

5.    الجزء الخامس: حديث في السياسة.

6.    الجزء السادس: نهاية سعيدة.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

 

Advertisements

Posted on February 6, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: