الدُّبُّ الجريح والكَتْكُوتُ الفصيح

 

الجزء السادس:

نهاية سعيدة

 

 

وهنا قال لهلوب مقاطعاً:

 

·        " متى كان ذلك أيها الكتكوت الفصيح ؟ متى تم إعلان إستقلال ليبيا ؟ ".

 

قال الكتكوت الفصيح مجيباً ومسترسلاً فى حديثه:

 

q       " فى 24 ديسمبر 1951م. وبالطبع كان للسيد إدريس السنوسي، الذى كرس جل حياته فى الكفاح من أجل تحرير ليبيا من مستعمريها، دوراً هاماً فى تحقيق ذلك الإستقلال، وهذا ما ترجمه الليبيون عرفاناً منهم له بهذا الدور الجليل بالقيام بتتويجه ملك على البلاد بعد حصولها على الإستقلال. وقد صاحب إعلان الإستقلال وتأسيس الدولة الجديدة تحت نظام الحكم الملكي، إرساء القواعد القانونية المنظمة لعلاقات أفرادها بالمؤسسة الحاكمة والمؤسسات السياسية التابعة لها من خلال دستور يقسم هيكل الحكم فيها إلى السلطات الثلاث التقليدية المعمول بها فى معظم ديمقراطيات العالم (السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية) بلوائح قانونية تفصل بينها وتحميها من التجاوزات غير الشرعية لأي منها إزاء الأخرى ".

 

فقال لهلوب مقاطعاً مرة أُخرى:

 

·        " هل كان هذا فعلاً موجوداً فى ليبيا فى بداية الخمسينات من القرن المنصرم ؟ ".

 

فرد الكتكوت الفصيح قائلاً:

 

q       " نعم يا لهلوب كان موجودُ، ومطبقاً على أرض الواقع، ولكن هذا لم يمنع من حدوث بعض التجاوزات القليلة التى خالفت نصوص الدستور والقوانين المنظمة لإداء حركة عمل الدولة، وهذا كان سببه بالدرجة الأولى لفساد بعض الأقطاب فى دائرة الحكم، والذى كان بعضه قد غذته سموم العنجهية القبلية. لكنه فى مجمل الصورة الكلية، كانت هذه المملكة تحبو نحو إعتلاء درجات سلم التطور التدريجي والطبيعي لأي دولة لها ركائز ودعائم تنظم العلاقات بين شعبها ومؤسساتها السياسية. وصارت المملكة الليبية تنمو مع نمو أحلامها فى تحقيق الرفاه والأمن والأمان والحرية لأفراد شعبها، فكانت تتعلم من عثراتها الناتجة عن بعض أخطاء الممارسة، لترقى بنفسها نحو الاقتراب من تحقيق أحلام أمتها. وفى هذا الجو المفعم بالآمال السامية والأحلام الوردية الذى كان يظلله التنعم بثروة البلاد النفطية التى فاض الله بها على شعبها، جاء القذافي على سطح دبابة مدجج مع زمرته الإنقلابية ببنادق ومدافع، متجاوزاً الشرعية القانونية فارضاً نظام حكمه العسكري على البلاد بإستيلائه على السلطة فيها ".

 

وهنا قاطع لهلوب ـ لمرة أُخرى ـ الكتكوت الفصيح متسائلاً:

 

·        " متى كان ذلك ؟ متى قام القذافي بإنقلابه على النظام الملكي ؟ ".

 

فقال الكتكوت الفصيح مجيباً ومسترسلاً فى حديثه:

 

q       " فى أول سبتمبر سنة 1969م. وياليت القذافي قصر الأمر على سلبه للسلطة وتمكين نفسه بالقوة حاكماً على البلاد، رغم أن ذلك فى حد ذاته يُعدُ خرق صارخ للشرعية القانونية التى كانت سائدة فى البلاد، من خلال إختيار ورضا الشعب وقبوله بإقامة النظام الملكي الدستوري عند إعلان إستقلال ليبيا. وقد كان من الممكن للتاريخ من ناحية، والشعب الليبي من ناحية أُخرى أن يغفران هفوة ثلة العسكر الذين تأمروا على الإطاحة بالنظام الشرعي فى ليبيا، ويقبلان بالقذافي حاكماً شرعياً على البلاد إذا ما أقام نظام حكم يقوم على تطبيق العدل ويحقق أحلام الأمة الليبية فى الحرية والرفاه والمساواة. لكن هذا لم يحدث، فقد أقام القذافي منذ اللحظات الأولى لإنقلابه العسكري نظاماً ديكتاتورياً يقوم على سلطة الفرد المستبد، ويحيا على القمع ومصادرة الحريات، وعلى فرض الفقر والجهل والتعتيم الثقافي. وبإختصار، فقد جند القذافي كافة الوسائل المتاحة فى عالم الشر القمعي من أجل تحقيق إستمرار نظامه، دون منهاجية أو خط سياسي لتطوير ليبيا أو النهوض بها، وهو ما كان يراه بأنه أحد أسلحته فى التحكم فى مقاليد الأمور، وذلك إنطلاقاً من أن الشعب الجاهل والخائف والجائع وغير المتمتع بالإستقرار الاجتماعي والسياسي والإقتصادي، هو شعب أقرب إلى قطيع الأغنام الذى يسهل إنقياده وتوجيهه. وهو بالفعل قد نجح إلى حد كبير فى سياسته التى جنت عليه ثمار إستمرار نظامه لمدة تسع وثلاثون سنة وينيف. هذا هو بإختصار الوضع فى ليبيا، وأيضاً الرد على سؤالك الذى تدور فحواه حول معرفة مدى فساد وصلاحية نظام القذافي من عدمه؛ فبالشرح السابق ـ كما ترى ـ فأن نظامَ القذافي فاسدُ حتى النخاع ".

 

تنهد لهلوب وقال:

 

·        " هذه كانت هى نفس فكرتي عن النظام كما أشرت قبلاً، ولكن لدى سؤال آخر، إذا سمحت وتكرمت أن تُجيب عليه ".

 

 

فقال الكتكوت الفصيح:

  

q       " على الرحب والسعة، أسأل ما شئت يا لهلوب، فأنا وما أعرف رهن بنانك ".

 

فقال لهلوب:

 

·        " أشكرك أيها الكتكوت الفصيح. سؤالي هو: لماذا لا يثور شعب ليبيا على هذا النظام الفاسد ويُخلص نفسه من ظلمه ؟ ".

 

وهنا إبتسم الكتكوت الفصيح وقال:

 

q       " أيها العزيز لهلوب لو عُدت إلى ما قلته لك منذ قليل عن تسخير القذافي لكافة الوسائل المتاحة في عالم الشر لقمع الشعب الليبي ومنعه من الثورة عليه، وإتباعه لسياسة صناعة الشعب الجاهل، والخائف، والجائع، وغير المتمتع بالإستقرار الاجتماعي والسياسي والإقتصادي، لكى يجعل منه أداة طيعة سهلة الإنقياد والتوجيه. ولكن مع كل ذلك فأن ثورة الشعب الليبي ضد هذا النظام لابد لها من أن تندلع، فهى حتمية تاريخية لا يمكن تجنبها أو تفاديها، فهناك دائماً نقطة تنتهى عندها كل الظواهر المتولدة عن السلوك الإنساني. وسلوك أو وممارسة الظلم والإستبداد، وفرض نظام الحكم بالقوة والقمع والقهر ـ له هو الآخر ـ كظاهرة سلوكية أَوْجُ يصل إليه ثم يصطدم بالأَوْجُ المقابل له، وهو المتمثل فى نفاذ سعة إستيعاب قدرة الشعب على تحمل المزيد من هذا الظلم الواقع عليه، وهذا ما يدفع به إلى الثورة لإنهاء حالة التردى والظلم المفروضة عليه من قبل النظام الجائر الذى يحكمه. وهناك نقطة غاية فى الأهمية، وهى ان محاولة حساب أو قياس مدى ثبات واستمرار نظام الحكم الديكتاتوري، وتأخر قيام ثورة الشعب عليه، بالعامل الزمني، أي بالمدة التى أمضاها مثل هذا النظام فى الحكم، يُعد من الأخطاء الجسيمة الشائعة بين الناس. فطوال المدة الزمنية فى استمرار الأنظمة الدكتاتورية فى الحكم لا يوقف حتمية حدوث الثورة عليها، فمهما طال أمد هذا الزمن وعدد سنواته، فأن حتمية قيام الثورة الشعبية على هذه الأنظمة لا مناص منه، ولا يمكن إجتنابه. وهذا ما ينطبق على الوضع فى ليبيا، حيث أن التسع وثلاثون سنة التى أمضاها نظام القذافي فى حكمها، لا تعنى البتة خلوده فى هذا الحكم أو استمرار نظامه، بل على العكس من ذلك فهى تعنى ان العد التنازلي لسقوطه قد بدأ كره، فظلمه للشعب الليبي قد وصل أَوْجُه ومُنْتَهَاه، وهذا ما يعنى ـ ويُبشر ـ بقرب إندلاع ثورة هذا الشعب التى ستسقط نظامه الجائر وتقتلعه من جذوره العفنة ".

 

وفى هذه اللحظة سمع الأثنان بعض الأصوات المتفرقة تتنادى بأسم لهلوب. وعرفَ الأثنان بأن هؤلاء المناديين ما هم إلا أعضاء من مخيم لهلوب يبحثون عنه.

 

فقال الكتكوت الفصيح:

 

q       " أبشر يا لهلوب، هؤلاء رفاقك قد أتوا لنجدتك ".

 

فرد لهلوب مبتهجاً:

 

·        " أنهم لا يعرفون بأن هناك كتكوت فصيح وعظيم قد سبقهم لإنقاذي ".

 

 

فقال الكتكوت الفصيح وقد بدأت وجنتاه يعلوهما الإحمرار:

 

q       " أشكرك على هذا الإطراء. فى الحقيقة لقد أستمتعت بالحديث معك، وقد نالنى شرف التعرف عليك، أرجو أن تعطينى عنوانك فى بلدك، هذا إذا لم يكن لديك مانع، وذلك من أجل أن أراسلك فى المستقبل. وعلى فكرة أنا، وحتى هذه اللحظة لم أعرف ما هو بلدك الذى قدمت منه ".

 

فقال لهلوب وهو يبتسم:

 

·        " إن الشرف كان من نصيبي لأنى تعرفت عليك، وأنا سعيدُُ وفخورُُ بهذه المعرفة التى أرجو أن تدوم إلى الأبد. أم بلدي فهو ذاته بلدك !. فأنا من ليبيا وبالتحديد من منطقة جردينة، وهى كما تعلم قرية قافرة تقع بين مدينة سلوق ومدينة بنغازي وبالتحديد على خط الطَّسَّانُ* الدولي .. هههه .. والذى يشمل سلوق وأنتلات وقمينس والطيلمون وأجدابيا وغيرها من تلك المناطق والقرى والمدن الصحراوية والشبه صحراوية ".

 

فقال الكتكوت الفصيح والدهشة تعلو وجهه الصغير:

 

q       " من ليبيا ‍!. لماذا أخفيت عني ذلك أيها الشقي المشاكس ؟. إذن نحن من نفس البلد ! كم أنا فرح بذلك. فهذا بكل تأكيد سيساعد على إستمرار صداقتنا إلى الأبد ".

 

فقال لهلوب ضاحكاً:

 

·        " لقد تعمدت أن أخفي عنك ذلك، لأني كُنت أريد أن أسمع رأيك فى نظام القذافي بدون أدنى تحفظ من جانبك، فقد خشيت إن عرفت أنني من ليبيا وأعيش تحت ثقل مرارة حكمه الجائر، فربما تُحجم عن التوسع فى الشرح والتحليل حول هذا النظام الكريه ".

 

فقال الكتكوت الفصيح مبتسماً:

 

q       " هذا يفسر معرفتك الواسعة للوضع السياسي في ليبيا، وليس كما قلت بأن مصدرها مما تستقيه من الكتب ومتابعة الأخبار فى وسائل الإعلام. أحمد الله أنك لست من اللجان الثورية أو المخابرات القذافية لكُنت (أنا) الآن فى خبر كان، وعلى فكرة كان هذه مدينة فى فرنسا .. ههههه .. وهى معروفة بمهرجان السينما الشهير الذى يقام فيها كل سنة على غرار مهرجان الأوسكار الذائع الصيت والذى يقام فى أمريكا .. "".

 

فقهقه لهلوب ضاحكاً على دعابة الكتكوت الفصيح:

 

·        " ههههه .. هاهاها .. ".

 

وهنا عادات الأصوات إلى المناداة وقد أقتربت وأصبحت واضحة مما يدل على أن أصحابها قد دنوا منهما.

 

فقال الكتكوت الفصيح:

 

q       " من الأفضل أن تنادى على رفاقك، فهاهم قد أصبحوا قريبون منا وعلى مرمى من البصر ".

 

فنادى لهلوب على القادمين بأعلى صوته، فهرعوا إليه، وبعد الترحيب وشكرهم للكتكوت الفصيح الذى أنقذ رفيقهم، قاموا بدعوته للذهاب معهم إلى المخيم، وإستضافته لبضعة أيام، وذلك كعرفان منهم لجميله بمساعدة لهلوب. وقبل الكتكوت الفصيح الدعوة بإستضافته فى مخيم الدببة.

 

وفى أثناء سير الجميع نحو المخيم الدببى، قال لهلوب موجهاً كلامه إلى الكتكوت الفصيح:

 

·        " على فكرة، لم نكمل حديثنا حول نظام الحكم فى ليبيا، فهناك الكثير من النقاط حول هذا الموضوع التى أحتاج إلى سماع رأيك فيها ".

 

فقال الكتكوت الفصيح بإبتسامته المعهودة :

q       " أطمئن، سوف نكمل حديثنا ونزيد عليه الكثير فى أثناء إقامتى معك فى المخيم خلال الأيام القادمة، فلا تنسى أنه لدينا أيام كثيرة سنقضيها فى الحديث عن كثير من الأمور، والتى سيكون نصيب الأسد فيها للوضع فى ليبيا، ونظام القذافي الفاسد. فلا أظن أنه سيكون هناك ما سيشغلك لمدة أيام عديدة، فأنت ستكون معفي من ممارسة أي نشاط فى المخيم، وذلك حتى تتماثل للشفاء ويطيب جرحك تماماً. وهذا سوف يمنحنا الفرصة للتسامر والحديث عن الكثير من الشئون العامة ".

 

وضحك الأثنان متطلعين بدافع من الشوق الذى كان يداعبهما إلى مواصلة الحوار.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الطَّسَّانُ : العَجَاجُ (الغُبار أو إثارته فى الجو) .

 
 
 
 
 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Advertisements

Posted on February 6, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: