الدُّبُّ الجريح والكَتْكُوتُ الفصيح

 

الجزء الخامس:

حديث في السياسة

 

 

قال لهلوب موجهاً حديثه للكتكوت الفصيح:

 

·        " لقد أشرت فى بداية حديثك عن قصة الفلاح الفصيح بأنك تعيش بمنطقة القوارشة، أين تقع القوارشة هذه ؟ فأنا لم أسمع بها من قبل ".

 

فأجاب الكتكوت الفصيح قائلاً:

 

q       " أنها إحدى مناطق ليبيا ".

 

فقال لهلوب:

 

·        " إذن أنت من ليبيا ! وماذا أتى بك إلى هنا ؟ ".

 

فقال الكتكوت الفصيح مجيباً على سؤال لهلوب:

 

q       " إننى مبعوث من قبل وزارة الزراعة، أو ما يطلق عليها فى النظام السائد فى ليبيا أمانة الزراعة، وذلك لإستكمال دراستى العليا ".

 

فقال لهلوب متسائلاً:

 

·        " ما هو مجال بعثتك الدراسية ؟ وماهى الدرجة التى تسعى لنيلها ؟ وماهى الجامعة التى تدرس بها ؟ ".

 

فأجاب الكتكوت الفصيح قائلاً:

 

q       " مجال الزراعة بالطبع، وتخصصي هو فى عوامل تأثير المقويات والأسمدة المعالجة كيماوياً على خصوبة التربة الطينية، والدرجة التى أطمح لنيلها هى الماجستير، والجامعة التى أدرس بها هنا هى جامعة بريتش كولمبيا ".

 

فقال لهلوب:

 

·        "  طالما أنك من ليبيا، دعنى أسألك أيها الكتكوت الفصيح سؤالاً يتعلق بنظام الحكم فى ليبيا، هذا النظام الذى أثار الكثير من الجدل حوله عبر سنين حكمه الطويلة وحتى هذه الساعة ".

 

فرد الكتكوت الفصيح قائلاً:

 

q       " تفضل، أسأل ما شئت ؟ ".

 

فقال لهلوب:

 

·        " هل هذا النظام الذى يتربع فوق قمته العقيد القذافي ويتحكم فى مصير شعب ليبيا على مدى التسع وثلاثون سنة الماضية هو نظام سيء ومستبد وظالم كما يتردد أصدائه فى الكتب والصحف ووسائل الإعلام وعلى ألسنة معارضيه فى الخارج، أما هو نظام وطني يسعى إلى تحقيق خير البلاد كما تدعى ماكنته الإعلامية، وعلى ألسنة مسئوليه والمستفيدين من إستمراره والعاملين على حمايته  ؟ ".

 

فقال الكتكوت الفصيح مجيباً على السؤال:

 

q       " لو تمعنت فى واقع الحال الذى آلت إليه ليبيا بعد حكم هذه النظام الذى أستمر لتسع وثلاثون سنة، ستجد الإجابة على سؤالك دون معاناة فى طرحه من الأساس. ودعنى أسألك سؤالاً يحمل معظم الإجابة على سؤالك، ثم أوضح لك بعد ذلك ما يغمض عليك فهمه منه. وسؤالى له شقين، أولهما ماذا تعرف عن ليبيا قبل حكم نظام القذافى ؟ والشق الثانى ماذا تعرف عم آلت إليه ليبيا بعد حكم القذافى ؟ أجبنى بما تعرفه عن شقى هذا السؤال حتى أُجيبك على سؤالك الذى طرحته ".

 

إبتسم لهلوب وقال:

 

·        " إننى لا أشك لحظة فى ذكائك الوقاد أيها الكتكوت الفصيح، فلقد سمعت عن أبى عصام البهبهاني الذى له أقوالاً كثيرة ترقى إلى مستوى الحكمة، بأنه إذا أردت أن تختصر إجابتك على سؤال تم توجيهه إليك، وتتطلب الإجابة عليه تقديم شرح طويل أنت فى غنى عنه. فما عليك إلا أن تعكس السؤال ذاته وتوجهه لسائلك؛ وهذا لن يوفر عليك إختصار إجابتك على السؤال المطروح فحسب، بل أنه يدفع بسائله إلى الإجابة عن سؤاله بنفسه. ويقول والدي فى تفسير هذا التكتيك الذى يُستخدم فى إطار فن براعة إدارة الحوار مع الآخرين، إن معظم المخلوقات عندما يقومون بطرح أسئلة عن مواضيع عامة على بعضهم البعض، لابد وأن تكون مخيلتهم تحتوى مسبقاً على جزء أو معظم ـ إن لم تكن كافة الإجابة ـ على تساؤلاتهم المطروحة، ولكن وبحكم طبيعتهم وغريزتهم فى الفضول، هم دائماً يرغبون ويبحثون عن رؤية مختلفة تنبع من آراء الآخرين حول هذه التساؤلات المعنية ".

 

وهنا ضحك الكتكوت الفصيح وقال:

 

q       " ممتاز يا لهلوب، أنت تدريجياً تفاجأنى بنباهتك وقدرتك على تحليل الأمور، وما قاله لك والدك صحيح فيما يخص هذا النوع من التكتيك الذى يستعمله البعض، خاصة فى الجزء الذى يشير إلى أن غالبية المخلوقات عندما يقومون بطرح أسئلة عن مواضيع بذاتها على بعضهم البعض، لابد وأن تكون أذهانهم تحمل فى ثناياها على جزء أو معظم أو كافة الإجابة على تساؤلاتهم المطروحة، لكن طبيعتهم الفضولية تدفعهم إلى التعرف على مدى فهم الآخرين للموضوع الذى هم بصدده، أي مدى تطابق معرفة الآخرين عن موضوع السؤال المطروح مع ما تحوزه معرفتهم ـ هم ذاتهم ـ عن هذا الموضوع. فإذا ما لاقت إجاباتهم تطابق مع إجابات الآخرين ترتاح سجيتهم لما يملكون من معلومات عن هذا الشأن، وإذا أختلفت عنها، يقوم هؤلاء على الفور بإستعراض ما يعرفونه بصدده، خاصة إذا كانوا واثقين من أن إجاباتهم هى الأقرب إلى الصحة. ولنأخذ مثالاً حياً على ذلك وهو يتمثل فى سؤالك الذى طرحته علي منذ قليل .. ".

 

وهنا قال لهلوب مقاطعاً:

 

·        " تقصد سؤالي حول مدى صحة فساد نظام القذافي من عدمه ".

 

فرد الكتكوت الفصيح قائلاً ومسترسلاً فى حديثه:

 

q       " نعم، هو بعينه. فأنت عندما تساءلت عن حقيقة نظام القذافي فى ليبيا، وما إذا كان هذا النظام سيئاً أم صالحاً ؟. فأنك فى هذا الصدد قمت يا لهلوب بإسناد فساد النظام وسوئه إلى ما تردد فى وسائل الإعلام والكتب وأقوال المعارضين. ومن ناحية أُخرى، فأنك عندما تساءلت عن مدى مصداقية القول بصلاح هذا النظام قمت بإسناد ذلك إلى إدعاء ماكنته الإعلامية وما يصدر عن ألسنة مسئوليه والمستفيدين من إستمراره والعاملين على حمايته. ومعنى كلامك هذا الذى حواه سؤالك هو أنك فى قرارة نفسك لديك إجابة جاهزة عن سؤالك الذى طرحته علي، وذلك من خلال كلماتك الدامغة بأن وطنية هذا النظام هى إدعاء من قبل ماكنته الإعلامية وعلى ألسنة ما يصرح به مسئوليه والمستفيدين من إستمراره والعاملين على حمايته. وفى نفس الوقت فإنه كان لديك القناعة والإجابة على سؤالك من خلال إشارتك فى مطلع سؤالك إلى أن هذا النظام يتحكم فى مصير شعب ليبيا على مدى التسع وثلاثون سنة. فأستخدامك لكلمات تردد فى إضفاء صورة الفساد على النظام، وإدعاء عند صبغه بصورة الصلاح، وكلمة تحكم عند الحديث على علاقته بالشعب الليبي. فهذه الكلمات الثلاث لم تقم بتلوين سؤالك بأحكام مسبقة متواجدة فى مخيلتك فحسب، بل أنها أعطت الدليل القاطع على أنك تحمل فى ذهنك ـ سلفاً ـ الإجابة على تساؤلك الذى طرحته علي، ألست صائباً فيما أقول أيها العزيز لهلوب ؟ ".

 

فضحك لهلوب وقال :

·        " إنك شعلة من الذكاء أيها الكتكوت الفصيح. نعم، فأنا لا أخفى عنك أن لدى إطلاع واسع حول الوضع فى ليبيا، ولدى أيضاً الإجابة على سؤالي الذى سقته إليك، ولكننى كُنت أرغب فى سماع رأيك الحكيم، والإستزادة من المعلومات الغزيرة التى تحوزها. إذن فأنت قد طبقت علي نظرية والدي فى قلب السؤال بسؤال مضادٍ ومطابقٍ له فى نفس الوقت، وذلك حتى أُجيبك بنفسي على سؤالي الذى وجهته لك، هههههه ".

 

فقال الكتكوت الفصيح مجيباً:

 

q       " رغم صدق نظرية والدك، كما أشرت لك من قبل، إلا أننى الآن لم أكن أطبقها عليك، فأنا بالفعل أردت أن أسهل لك الإجابة، حيث أننى أردت من وراء طرح سؤالي أن أعرف مقدار معلوماتك عما يجرى فى ليبيا قبل حكم نظام القذافى وبعده، وبناءاً عليه كُنت سأتمكن من الإجابة على سؤالك منطلقاً فى ذلك من تقييم مقدار حجم المعلومات التى تعرفها عن الوضع فى ليبيا قبل وبعد حكم نظام القذافي لها. وبالمناسبة، لدى تعليق بسيط حول أسرتك .. ".

 

فقال لهلوب بلهفة:

 

·        " ما هو ؟ ".

 

فأجاب الكتكوت الفصيح قائلاً:

 

q       " يبدو لي أن أسرتك عائلة تملك قدر كبير من الذكاء والإطلاع، ويزين عقول أفرادها النيرة حكمة وسداد فى الرأي. وذلك إنطلاقاً من المعيار الذى يرى بأن إحدى أدوات التعرف على المرء وتصنيف شخصيته يكمن فى رصد مدى سلامة منطقه، وصوابه، وسداده، وحصافته عند حديثه مع الآخرين. وهذا ما أثبته أنت يا لهلوب المرة تلو الأخرى طوال فترة حوارنا، فأنت إلى جانب فرط ذكائك اللامع، تملك قدرة فذة على تحليل الأمور، وإستنباط مواطن العلة والخلل فيها. أما والدتك من ناحية أُخرى فقد وضح أنها سيدة لها أهتمامها بالأمثلة الحكيمة ذات العمق الفكري فى المعنى والمدلول، ولابد لمثلها أن تكون حائزة على عقلٍ سديدٍ بالرجاحة والحنكة والحكمة الرشيدة، فكما هو معروف بأن الأفكار هى مرآة العقل فى داخل النفس، فعقل المرء يُعرف من خلال ما يحمله من أفكار، فإذا كان عقل أحدهم ضحلاً فأنه سيهتم مباشرة بالأفكار الضحلة التى تتناسب ومقدار عقله، والعكس فى ذلك صحيح بالنسبة لذوى العقول النيرة والواسعة الأفق. أما أبوك يا لهلوب فيكفى التعرف عليه من خلال فهمه لفن براعة إدارة الحوار الذى يُعد من الملكات التى لا يحوزها ويستنبطها ويفهمها إلا أصحاب العقول النيرة والذكية. دعنا الآن نرجع إلى شطري سؤالي الذى القيته عليك فى البدء، أجبني يا لهلوب عليهما، وسأُجيبك على سؤالك ".

 

قال لهلوب مغتبطاً:

 

·        " حسناً، سأجيبك بقدر معرفتى، ولكن قبلها أشكرك على إطرائك على عائلتي، فهذه شهادة أعتز بها كونها صادرة من عبقري مثلك ".

 

وهنا أحمرتْ وجنتا الكتكوتِ الفصيح كعادتهما خجلاً من الإطراء الذى تلقاه لتوه من الدب الصغير لهلوب الموهوب، ثم قال متلعثماً فى كلامه:

 

q       " إن هذا مدحُ مبالغ فيه. هل لك أن تجيبنى الآن على سؤالي ".

 

فضحك لهلوب على أحمرار وجنتى الكتكوت الفصيح وخجله من إطرائه له وقال:

 

·        " حسناً، إن الذى أعرفه عن الوضع فى ليبيا هو ما أستقيه من متابعة الأخبار فى وسائل الإعلام، وما يطرحه بعض الكتاب فى تحليلاتهم التى تحويها أعمدة مقالاتهم المنشورة ببعض الصحف المتداولة أو الكتب المنشورة أو مواقع الإنترنت المتناثرة. وهو يتلخص فى أنه كان يحكم ليبيا نظام ملكي قام على أثر تحررها من براثن الإستعمار الإيطالي. وإن القذافى جاء إلى الحكم على رأس إنقلاب عسكري أطاح بهذا النظام الملكي. وأستمر نظام القذافى العسكري مسيطراً على الحكم فى ليبيا بالقوة لمدة طويلة تقترب من أربعة عقود، ولايزال كر السنين مستمراً لصالح حكمه الذى يقع بين إدعاءات أبواقه بأن السلطة فيه بيد الشعب، وبين واقع الحال المدعم بالآف من الوثائق والمنشورات الصحفية والتصريحات والمقابلات المرئية التى تعج بها ذاكرة العالم، والتى تقول بأن الحكم المطبق فى ليبيا هو نظام حكم الفرد الواحد الذى يسيطر على كل مقاليد الأمور فيها بفعل القوة والقمع والإرهاب. هذا تقريباً كل ما أعرفه، ولذا سألتك من أجل معرفة حقيقة الوضع، فهل هو حقيقة حكم وطني الفيصل فيه هو كلمة الشعب، أم أنه كما تقول الآدبيات العالمية وصحافتها ومعارضي النظام بأنه حكم فردي دكتاتوري تتركز السلطة فيه فى يد القذافى وحده دون سواه ".

 

قال الكتكوت الفصيح:

 

q       " جميل. لمعرفة كنهة الوضع فى ليبيا لابد لي أن اخذك فى جولة تاريخية قصيرة جداً ومختصرة، تبدأ من الإحتلال الإيطالي لليبيا وتنتهى بحكم القذافي لها، ماراً فى أثنائها بالحكم الملكي الذى جاء إلى السلطة فى أعقاب الإستقلال، موضح كافة المعطيات والحقائق التى سادت عبر هذه المراحل، سواء بالفرض والقسر والقهر أو بالرضا والقبول. وبذلك يمكن لك بعدها أن ترى الصورة كاملة ويتضح لك منها الحقيقة حول الوضع فى ليبيا. وتبدأ الجولة التاريخية ـ التى أشرت لك عليها ـ بإحتلال الإستعمار الإيطالي لأرض ليبيا فى سنة 1911م، والذى قضى فيه رجال ليبيا ونسائها إحدى وأربعون سنة من الكفاح المرير والجهاد الباسل لتحرير تراب بلادهم من قداحة جور ضيمه وظلمه وقسوته، والتى أنقسمت بين كفاح وجهاد وقتال مسلح راح ضحيته قرابة المليون شهيد، وآخر سلمي وسياسي فى حلبات المعترك الدولي من أجل حث العالم على إعلان إستقلالها والإعتراف بها كدولة حرة ذات سيادة ".

 

*****

 

أضغط على الجزء المراد الإطلاع عليه من مقالة " الدب الجريح والكتكوت الفصيح ":

 

1.    الجزء الأول: الحوار العاصف.

2.    الجزء الثاني: الوقوع في الشرك.

3.    الجزء الثالث: المنقذ.

4.    الجزء الرابع: الكتكوت الفصيح من البيضة يصيج.

5.    الجزء الخامس: حديث في السياسة.

6.    الجزء السادس: نهاية سعيدة.

 

 

  

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on February 6, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: