الدُّبُّ الجريح والكَتْكُوتُ الفصيح

الجزء الأول:

الحوار العاصف

 

قال الدب عصام البهبهاني لزوجته الدُّبَّةُ فريحة الشريحة، فى سياق محاولته لإقناعها بفكرته فى إرسال إبنهما الدب الصغير لهلوب الموهوب إلى الخارج لتلقى تعليمه هناك:

 

q       " دعيني أفرغ من شرح وجهة نظري أولاً يا فريحة يا حبيبتي، ثم لكِ بعد ذلك أن تقولي ما تشائين ".

 

ولكن لم يكن للدبة فريحة الشريحة التى كان يتملكها الغضب أن تُصغى لطلب زوجها الدب عصام البهبهاني لها بالتريث لسماع رأيه، فلم تفلح محاولته المضنية معها، ولم يلاق طلبه منها أية إستجابة، فقد أستمرت فى حديثها بصوتها الصادح الذى يكاد يسمعه سكان آخر بيت فى حيهم الصغير:

 

§        " كيف أتى لك أيها الدب القاسي أن تُفكر فى إرسال أبنك الوحيد إلى الخارج فى هذه السن المبكرة ؟ كيف يطاوعك قلبك على إقتراف مثل هذا الأمر ؟ ما أغلظ قلبك وأقساه، أنه فلذة كبدك . أيهون عليك فراقه وغربته وعيشه بعيد عنا ؟ ".

 

وأراد الدب البهبهاني أن يُرد على تساؤلات زوجته الثاثرة، لكنها لم تمنحه الفرصة لذلك، وتابعت كلامها بصوتها العالى الغاضب:

 

§        " قل لي بربكِ يا ذا القلب القاسي كيف يطيب لك العيش بدون أن تراه يكبر أمام عيناك عبر مراحل عمره المختلفة ؟ ألا تُريد أن يهنأ فؤادك به وهو يترعرع فى ظل توجيهاتك وإرشادتك الحانية عليه ؟ ألا ترغب فى أن تسعد نفسك وينشرح صدرك برؤية عوده وهو يشتد يوماً بعد يوم فى كنفك وتحت رعايتك المباشرة له ؟ ".

 

بلع الدب البهبهاني رِّيقُه، أثر هذا السيل المندفع من تساؤلات زوجته الغاضبة، ثم قال لها وهو يحاول أن يسيطر على رباطة جأشه من أجل إقناعها بفكرته:

 

q       " يا حبيبتي، أسمعيني جيداً، أنا مثلكِ لا يهون علي فراقه أو بعده عني، وكم أتمنى أن يظل معي طوال العمر، وهل هناك من يستطع أن يتحمل قسوة وشقاء ومرارة فراق أولاده وبعدهم عنه ".

 

فأنبرت الدبة فريحة الشريحة متسائلة:

 

§        " كيف إذن طاوعك هذا القلب على التفكير فى إرساله بعيداً عنا ؟ بربك أخبرني كيف ؟ إن كل الذى أُريده منك هو أن تُفهمني كيف ؟ ".

 

فقال الدب البهبهاني فى محاولته لتبرير فكرته لزوجته الغاضبة:

 

q       " للضرورة أحكام، فأنا مرغمُ على مغالبة مشاعري وأحاسيسي، والشد من عزيمتي وشكيمتي للإقدام على مثل هذا الأمر لما فيه من فائدة جمة لمصلحته ومستقبله ".

 

وفى هذه اللحظة بالذات كان الغضب قد أخذ من الدبة فريحة الشريحة مأخذه فى نفسها، فغلي الدم فى عروقها وثارت فى وجه زوجها الدب البهبهاني قائلة: 

 

§        " أي مصلحة هذه ؟ وأي مستقبل هذا الذى تتحدث عنه ؟ تباً لهذه المصلحة التى ستجعل أبني يعيش بعيداً عني ".

 

وبهدوء متصنع قال الدب عصام البهبهاني لزوجته:

 

q       " ألاَّ تُريدينه أن يتلقى أفضل التعليم الذى يمكنه مستقبلاً من تبوء أفضل المراكز وأعلى المراتب فى مجتمعنا الدببي ؟ ".

 

فردت الدبة الغاضبة على زوجها بصوتٍ مزمجرٍ:

 

§        " لا يهمنى المراكز أو المراتب التى قد يتبوءها فى المستقبل، ولا يهمنى التعليم فى حد ذاته، ولا يهمني ما سوف يُجنيه من سفره هذا ودراسته بالخارج، بقدر ما يهمني أن يعيش أبني معي، وفى حضني، وتحت نظري ".

 

فرد الدب البهبهاني وهو يربت على كتف دبته فريحة الشريحة فى محاولة لملاطفتها بغية تهدئة نفسها الثائرة:

 

q       " أهدئي يا حياتي، وأعلمي أننى قد رتبت الأمر بحيث يتسنى لنا رؤيته مرتين فى كل سنة، فهو سيأتى لنا خلال الإجازة الصيفية من كل عام، ونذهب نحن لزيارته فى إجازة منتصف العام من كل سنة، وبذا فإنكِ لن تحسين بفراقه أو بعده عنكِ، فكل ما تتوق نفسكِ إلى رؤيته ستجدين إحدى هاتين الإجازتين قد حلت، وتجدين نفسكِ إما هنالك معه أو تجدينه هو هنا معكِ ".

 

شاحت الدبة فريحة بيدها وهى لازالت فى أَوْجُ غضبها وقالت:

 

§        " لن أهدأ ولن يرتاح لي بال على الإطلاق إلا بعد أن تعدل عن هذه الفكرة السقيمة ".

 

وعندما لم تُجدِ كافة محاولات الدب البهبهاني فى إقناع زوجته بالموافقة على سفر إبنهما الدب لهلوب الموهوب للدراسة بالخارج، وجد نفسه فى نهاية المطاف لابد له من الرضوخ لرغبتها، ولكنه قرر قبل أن يعلن لها عن إذعانه لرغبتها وإقلاعه عن فكرته أن يتريث لبرهة حتى يُقدم على محاولة أخيرة من خلال فكرة بديلة طرأت عليه فجأة، والتى رأى فيها تعويضاً ـ ولو قليلاً ـ لفكرته الأصلية، حيث أنها ربما تحقق جزءاً من غرضه من وراء إرسال أبنه لهلوب لتلقى تعليمه فى الخارج، وفى نفس الوقت قد تلاقى هذه الفكرة الجديدة القبول وعدم ممانعة زوجته الدبة فريحة الشريحة عليها.

 

وتتلخص فكرة الدب البهبهاني الجديدة فى إلحاق أبنه لهلوب بدورة تعليمية قصيرة خلال فترة العطلة الصيفية فى غابات كندا، لتعلم بعض المهارات الدببية فى أحراشها على أيدي خبراء من الدببة الكنديين، ورغم أن فكرته الجديدة ليست هى التى كان فى الأصل ينشدها لأبنه لهلوب الموهوب، إلا أنه، فى نهاية المطاف، لو أستطاع إقناع زوجته الدبة فريحة الشريحة بها، فإنها ستعود على إبنه بفائدة عظمى، لأنها سوف تُكسبه ـ إلى جانب المهارات الدببية المنشودة ـ شيئاً فى غاية الأهمية، وهو استقائه لكيفية الإعتماد على الذات، وصقل وبناء شخصيته المستقلة، وهذا ما يعوزه أبنه لهلوب أكثر من أي شيءٍ آخرٍ فى هذه الحياة.

 

فقد كان الدب عصام البهبهاني لا يؤرقه ويضجع منامه أمراً فى الحياة، أكثر من علمه بمدى ضعف شخصية أبنه لهلوب، والتى لا تخطئها العين فى سلوكه الناعم إزاء تعاملاته مع شئون الحياة من حوله والتى لا تليق بدببة من أمثالهم.

 

وكان مرجع هذه النعومة فى تصرفات وسلوك أبنه لهلوب، فى نظر الدب البهبهاني هو تدليل أمه  ـ الدبة فريحة الشريحة ـ له منذ نعومة أظافره، وذلك من خلال حبها المفرط له، الذى جعلها تخشى عليه من نسيم الهواء الطائر، وتخاف عليه حتى من لفح أشعة شمس الشتاء الباردة.

 

وكان هذا الحب المفرط والمغالى فيه، من قبل الدبة فريحة الشريحة لأبنها لهلوب الموهوب، قد تحول إلى رعاية مفرطة ومبالغ فيها، والتى أصبح معها لهلوب لا يكاد يحرك قشة صغيرة من أمامه، حيث كانت أمه تقوم نيابة عنه بكل ما يحتاجه إلى درجة المبالغة. حيث وصل بها الأمر إلى أن تدعك له أسنانه بالفرشاة عندما يحين وقت تنظيفها بدلاً منه، وذلك حتى لا تجشمه عناء تحريك يده.

 

وبدون دراية من الدبة فريحة الشريحة لفداحة عواقب هذا التدليل المبالغ فيه، والذى كانت تترجمه فى عقلها على أنه حب أم حنون لوليدها الوحيد، تحول لهلوب مع الوقت إلى كيان ضخم من أرطال اللحم الذى لا يقوى حتى على دخول دورة المياه وقضاء حاجته دون عون أمه له، وبذا أصبح عالة على الغير حتى فى أشد الأمور إيغالاً فى الخصوصية الشخصية. ولم يعد مع مرور الوقت بقادرٍ على خدمة نفسه فى كل ما يصادفه من أمور الحياة، مهما قل شأنه أو عظم.

 

وهذا ما جعل البهبهاني، منذ البداية يميل إلى إرسال لهلوب للتعلم فى الخارج، حتى يرغمه على أن يعتمد على نفسه فى مقتضيات حياته اليومية، وفيما يصادفه فيها من تكاليف.

 

وما أن طرأت الفكرة الجديدة على ذهن الدب البهبهاني حتى كاد يطير من الفرح، وذلك أملاً فى أن توافق زوجته عليها كبديلٍ للفكرة السابقة بعد أن تعرف أن سفر أبنها لن يكن إلا لفترة فصل الصيف، والذى لن يتعدَ بأي حال أربعة اشهر، فلو أستطاع أن يثبت مهارته فى مساومة زوجته على أن تقبل بهذه الفكرة الجديدة فى مقابل أن يتناسى هو أمر الفكرة الأولى، فيكون بذلك قد حقق إنجازاً كبيراً لمصلحة إبنه.

 

ولم يمهل الدب البهبهاني نفسه وقتاً كثيراً، فما هى إلا لحظة حتى كان يقترب من زوجته الدبة فريحة الشريحة وقد أرتسمت على محياه إبتسامة ماكرة، وما أن صار قبالتها حتى ضمها فى حنو إلى صدره مطبقاً عليها بذراعيه الضخمتين، وقبل أن تبدى أي حركة طبع ثلاث قبلات وزعها بين وجنتيها وجبينها، وقبل أن تنبس الدبة فريحة الشريحة ببنت شفة بادرها البهبهاني قائلاً:

 

q       " حبيبتي فروحة، أنا لا أقوى البتة على زعلك أيتها الغالية، فلك ما تشائين فسوف أعدل عن فكرة إرسال أبننا لهلوب للدراسة بالخارج .. ".

 

وقبل أن يكمل الدب البهبهاني كلامه، كانت زوجته قد صرخت متهللة بأعلى صوتها وهى تسحب نفسها من حضنه، وقد أنفرجت أساريرها عن إبتسامة عريضة وقالت:

 

§        " صحيح يا عصومة يا حبيبي، الحمد لله أنك عدت إلى صوابك، لقد كُدت أجن عندما سمعت هذه الفكرة السمجة منك، فأنا لا أتخيل فى يوم أن يفارقني أبني الحبيب لهلوب، أشكرك يا عصومة .. يا دبي الحبيب، بحق أنك أفضل وأعظم دب فى العالم ".

 

وداعبت غبطة عابرة أسارير الدب البهبهاني لسماع هذا الإطراء الممزوج بالغزل من دبته الأثيرة، لكنه سرعان ما تمالك نفسه عندما تذكر بأنه لازال عليه أن يقنع زوجته بفكرته الجديدة.

 

بلع الدب البهبهاني ريقه وقال لزوجته التى لازالت إبتسامتها تملأ عرض وجهها المشعر:

 

q       " لكن يا حبيبتي فريحة هناك طلب صغير أود أن أطلبه منكِ، وأعرف أنكِ لن ترديني خائباً، هناك فكرة أخرى، وهى تختلف عن سابقتها ولا تتعارض مع رغبتك فى بقاء بهلول بيننا ".

 

وهنا تسمرت الإبتسامة المرسومة على وجه الدبة فريحة الشريحة، فقد أستشعرت بأن الموضوع لم ينتهِ بعد كما كانت تظن، وسألت زوجها بتوجس:

 

§        " ما الخطب يا عصام ؟ ما هى هذه الفكرة الجديدة ؟ ".

 

وما أن أنتهت الدبة فريحة من تساؤلها حتى أستجمع الدب البهبهاني كل شجاعته وقال:

 

q       " حبيبتي التى لا أحب سواها، ولم أحب فى حياتي سواها، دبتي الرقيقة يا ذات البهاء الساحر، يا صاحبة أجمل عيون رأيتها فى حياتي كلها، يا ذات القوام الفاتن الذى لم أشهد له مثيلاً بين كافة دبات العالم كله .. ".

 

وقبل أن يفرغ الدب البهبهاني من غزله المتملق لدبته فريحة الشريحة حتى كانت هذه الأخيرة قد قاطعته قائلة:

 

§        " كفاك غزلاً متصنعاً، فلن تجنى ولا تطال من ورائه شيئاً، وأدخل فى الموضوع قبل أن ينفذ صبري ".

 

ووقع البهبهاني فى إرتباك إنفضاح أمر تملقه الغزلي الذى كان يسعى به رشوة دبته الذكية، لكنه عاد والتقط أنفاسه وقال:

 

q       " نعم، نعم .. لديكِ حق. الأمر وما فيه، يا صاحبة الأمر، أن هناك دورة صيفية مخصصة لصغار الدببة فى إحدى غابات مقاطعة بريتش كولمبيا فى كندا، وهى عبارة عن معسكر ترفيهي، يتلقى فيه صغار الدببة بعض التدريبات البسيطة التى تعرفهم بمقدراتهم الدببية. وقد رأيت أن هذه فرصة طيبة لإرسال إبننا بهلول إلى هناك، ليستمتع بوقته أثناء الإجازة الصيفية، طالما أننا سنصرف النظر عن مسألة إرساله لتلقى تعليمه بالخارج. وفى نفس الوقت، أنها فرصة له ليتعلم بعض المهارات التى ستفيده فى معترك الحياة فيما بعد. ولا أظن أنكِ فى هذه الحالة ستمانعين من أن يستمتع أبنكِ الحبيب بإجازته مع أقرانه الذين فى سنه، وهى فترة قصيرة كما تعلمين. ما رأيكِ أيتها الدبة الحبيبة ؟ ".

 

وكان رد زوجته سريعاً وحاسماً:

 

§        " قد أوافق على ذلك، ولكن بشرط واحد ".

 

فقال الدب البهبهانى بتلهف، بعد أن أبدت زوجته الدبة فريحة الشريحة موافقتها المبدئية على فكرته الجديدة بسفر أبنهما بهلول الموهوب إلى كندا فى الإجازة الصيفية:

 

q       " شرط واحد فقط ! أشترطي كما تشائين أيتها الحبيبة الغالية، فكل شروطكِ مجابة يا أجمل دبة فى الوجود ".

 

فقالت الدبة فريحة الشريحة بثقة مفرطة:

 

§        " هو شرط واحد لا ثاني له، أن أسافر معه إلى كندا ".

 

وهكذا كان، وافق الدب عصام البهبهاني على شرط دبته فريحة الشريحة بالسفر مع أبنها، وقرر أن يسافر هو الآخر معهما، بحيث يتم إلحاق أبنهما بهلول الموهوب بمخيم تدريب الدببة الصيفي، ويمكث هو وزوجته فى إحدى فنادق المنتجع القريب من هذا المخيم، حتى تتمكن زوجته من زيارته من آن لآخر.

 

*****

 

أضغط على الجزء المراد الإطلاع عليه من مقالة " الدب الجريح والكتكوت الفصيح ":

 

1.    الجزء الأول: الحوار العاصف.

2.    الجزء الثاني: الوقوع في الشرك.

3.    الجزء الثالث: المنقذ.

4.    الجزء الرابع: الكتكوت الفصيح من البيضة يصيج.

5.    الجزء الخامس: حديث في السياسة.

6.    الجزء السادس: نهاية سعيدة.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on February 6, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: