الدُّبُّ الجريح والكَتْكُوتُ الفصيح

الجزء الثالث:

المنقذ

 

ما هى إلا لحظات حتى رأى لهلوب أمامه كتكوت صغير ترتسم على محياه إبتسامة صغيرة. وقبل أن يفيق دبنا من هول المفاجأة بادره الكتوت قائلاً:

 

q       " طاب مساؤك أيها الدب الموقر، أرى أنك قد وقعت فى فخ أحد الصيادين اللعناء، دعنى أساعدك على الخلاص من هذا الشرك المقيت ".

 

وهنا رد لهلوب الذى لازالت الدهشة تغمره:

 

·        " وكيف لمثلك أن يساعدنى وأنت بالكاد تستطيع أن تحرك قشة من مكانها على الأرض ولو بقيد أنملة ؟. ألا ترى بأن هذا الشرك يحتاج لمن هو أقوى منك بمئات المرات ؟ ".

 

أزدادت إبتسامة الكتكوت الصغير المعتد بنفسه عرضاً، وقال فى تؤدة:

 

q       " نعم، معك كل الحق، لو أنك قست هذا الأمر وقصرته على سعة ومقدار القوة فى حد ذاتها، وهذا ما يُعد أكثر الأخطاء شيوعاً بين كافة المخلوقات. ولكن الأمر له وجهُُ آخر من الحقيقة، فالقوة ليست دائماً هى الطريق الوحيد لحل المعضلات الناشئة فى الأصل عنها، أو التى يترأى لأصحابها بأنها تحتاج لإستعمال القوة، فهناك ما هو أبلغ من القوة فى قدرته على سبر غور أعتى المعضلات وحلها. إنه العقل، وحسن القدرة على إعماله وإستخدامه ".

 

فقال لهلوب:

 

·        " كيف ؟ افهمنى، هل تُريد أن تُقنعنى بأنك تستطيع أن تفك قبضة هذا الشرك الفولاذى من على رجلى بدون إستعمال القوة ؟ ".

 

فقال الكتكوت دون أن تبرح الإبتسامة الودودة وجهه الصغير:

 

q       " نعم، هذا ما أُريد قوله بالضبط ".

 

فرد لهلوب وأمارات التعجب على محياه:

 

·        " كيف ؟ هلم، أرنى كيف يمكنك فعل ذلك ؟ ".

 

فقال الكتوت المبتسم:

 

q       " ببساطة، بقليل من إستعمال العقل، فالعقل قادر على حل أي معضلة مهما كانت صعوبتها، وبدون حاجة لإستعمال القوة ".

 

فرد لهلوب بحدة:

 

·        " مع كل الإحترام لرأيك، إلا أن هذا يُعد هراء أيها .. الكتكوت، ما اسمك حتى أستطيع أن أناديك به ؟ أنا أسمى لهلوب الموهوب ".

 

فقال الكتكوت الصغير وإبتسامته لازالت ترتسم على وجهه الصغير:

 

q       " وأنا أسمى الكتكوت الفصيح ".

 

فقال لهلوب :

·        " لا أفهم، أنت بالفعل كتكوت ، لما يُسمونك بنوع جنسك الحيواني، أليس لك أسم يخصك كمخلوق، ثم ماذا عن كلمة الفصيح ! لماذا تم نعتك بهذه الصَّفَة، هل هى كنية أُطلقت عليك لفصاحتك أم ماذا ؟ ".

 

فرد الكتكوت الفصيح وهو يبتسم:

 

q       " أنها قصة طويلة سأختصرها لك على قدر ما أستطيع .. ".

 

وقبل أن يُكمل الكتوت الفصيح كلامه، قاطعه الدب لهلوب قائلاً:

 

·        " أليس من الأفضل قبل أن تسترسل فى سرد القصة من وراء تسميتك بالكتكوت الفصيح أن تساعدنى قبلها على التخلص من هذا الشرك اللعين، فأنا لم أعد أطيق ألم جرحي المستمر بسبب ضغط قواطع هذا الشرك الحديدي عليه ".

 

فرد الكتكوت الفصيح وقد أختفت الإبتسامة من على وجهه:

 

q       " صدقت، أعذرني يا لهلوب على قلة ذوقى، فقد كان الأجدى والأجدر بي أن أُساعدك فى التخلص من الشرك، ومداواة جرحك، بدلاً من أن أحدثك عن أمر أسمى أو غيره من الشئون الأخرى، أعذرني أيها الأخ الكريم على هذه البلادة المفرطة التى أبديتها نحوك ".

 

فقال لهلوب:

 

·        " لا عليك أيها الكتكوت الودود، فكم أنا فرح وممتن للأقدار التى ساقتك إلي ".

 

وقبل أن يشرع الكتكوت الفصيح فى شرح خطته لمساعدة لهلوب على فك أسره من الشرك المطبق على رجله، بادره هذا الأخير بالقول:

 

·        " بقدر ما أتطلع بصبر نافذ للتخلص من قبضة هذا الشرك المقيت، بقدر ما أتوق شوقاً لمعرفة الكيفية التى ستتمكن بها من فكه بدون الإحتياج لإستعمال القوة كما ذكرت ".

 

فقال الكتكوت الفصيح وقد عادت الإبتسامة إلى وجهه الصغير:

 

q       " الأمر فى منتهى البساطة، بإستعمال قليل من الفيزياء والرياضة يمكن لنا أن نفك هذا الشرك من على رجلك دون احتياج للقوة المطلوبة لمثل هذا الأمر ".

 

فقال لهلوب بلهفة:

 

·        " كيف ؟ ".

 

فقال الكتكوت الفصيح وهو لازال على إبتسامته:

 

q       " هل سمعت عن قوانين نيوتن للحركة ؟ ".

 

فرد لهلوب قائلاً:

 

·        " إن حدود معرفتى بهذا العالم الشهير قاصرة على أنه صاحب قانون الجاذبية، ولا أعرف من الأساس كنهة  الجاذبية فى حد ذاتها، فالجاذبية بالنسبة لي تعنى انجذابي إلى عيون إبنة جيراننا الساحرة وجمالها الباهر الخلاب، الذى يفعم قلبى بمحبتها كلما رأيتها تتطلع من شباك نافذتها ".

 

فضحك الكتكوت الفصيح وقال:

 

q       " لا يهم، سأحاول أن أشرح لك بإختصار شديد ماهية هذه القوانين، التى صاغها إسحق نيوتن فى سياق تعريفه للقوة، وذلك من خلال تأثيرها على الأجسام المتحركة، والتى عُرفت بقوانين نيوتن للحركة. ويتلخص القانون الأول منها فى: أن القوة الدافعة، أو كمية تحرك جسماً ما، تكون ثابتة، إلا إذا دخلت عليها قوة خارجية. أو بمعنى آخر أن أي جسم، سواء كان فى حالة حركة ثابتة، أو مستمرة، سيظل على حالته المستقرة، أو المتواصلة فى خط مستقيم، إلا إذا دخلت عليه قوة خارجية. ويتلخص القانون الثاني فى: أن معدل الوقت لتغير كمية تحرك جسم ما، هى مساوية لمقدار القوة الفاعلة على الجسم. أما القانون الثالث فيتلخص فى: إن لكل فعل (قوة)، ردة فعل مضادة ومساوية له فى القوة. هذه هى قوانين نيوتن للحركة التى سأستعين بهداها فى فك قيدك، هل فهمت ما أعنى يا لهلوب ؟ ".

 

فرد لهلوب وملامح الدهشة على وجهه:

 

·        " أنا بالكاد أعرف قانون عبور المشاة، وأنت تُحدثني عن قوانين للحركة، فأنا لا أعرف عن الحركة هذه إلا ذلك المثل الذى تردده والدتى فريحة الشريحة دوماً، وهو: إن الحركة بركة … وما لا يمكن كتابته على الماء يتم كتابته على الورقة. وتأتى أنت الآن لتسألنى إذا ما كُنت قد فهمت هذه الطلاسم المعقدة لما يسمى بقوانين الحركة. أننى لست من ذوي العقول الفيزيائية أو الرياضية أو الكيميائية، ولا أفهم فى العلوم إلا القسط اليسير من الخيال العلمي الذى تجود به القصص الواردة فى مجلات السوبرمان والرجل الوطواط والرجل العنكبوت وما شابهها. فأنا لا أفقه من العلوم التطبيقية شيئاً، كما أنى لا أحبها ولا أستصيغها. ومن الآن فصاعد لا تهتم بشرح التفاصيل العلمية فى خطتك لفك هذا الشرك الذى أدمى قدمى. فبربك قم بفكه حسب أية قوانين تراها أنت مناسبة، فالذى يعنينى ويهمنى فى الأمر هو فك الشرك فى حد ذاته، وليس التقنية العلمية من ورائه، وأنا واثق من أنى سأفهم الطريقة المتبعة عند مشاهدتى للتطبيق العملي لها ".

 

وما أن فرغ لهلوب من كلامه، حتى قال الكتكوت الفصيح الذى لم يستطع أن يكتم ضحكته:

 

q       " لك ما تشاء، وبالمناسبة لقد أعجبنى المثل الذى ذكرته، لابد أن تكون والدتك هذه سيدة حكيمة، لكونها تستخدم مثلاً مفعم بالحكمة والموعظة البليغة. المهم، دعنا نبدأ فى فك هذا الشرك. إن فكرتي فى فك هذا الشرك تتلخص فى أن أقوم بسحب هذه السلسلة المتصلة بالشرك وإمرارها من بين فتحات قواطع هذا الشرك المطبق على رجلك، ثم القيام بسحب السلسلة حتى تلك الصخرة القريبة، ومن ثم ألفها حولها، وبعدها تقوم أنت بجر نفسك حتى جدع الشجرة التى من خلفك وتلف يديك حولها، ثم تقوم بسحب نفسك إليها، وهذا الضغط منك فى أتجاه الشجرة بقوتكِ الدافعة سيقابله بنفس الدرجة سحباً من السلسة المربوطة حول الصخرة، وهذا فى محصلته سوف يضغط على أحد شطرى الشرك من قبل السلسلة المربوطة حول الصخرة، ليبتعد تدريجياً عن شطره الآخر ويترك فراغاً بينهما، مما يفسح المجال أمامك لسحب رجلك من بين طرفى الفخ المفتوح. هل فهمت فكرة الخطة والكيفية التى سيتم بها فك قيدك يا لهلوب ؟ ".

 

 

فقال لهلوب وقد بدأ الأمل يداعب شجيته:

 

·        " نعم، أنها خطة جيدة، أبدأ أيها الكتكوت الفصيح وليعيننا الله ويكلل جهدنا بالنجاح ".

 

 

قام الكتكوت الفصيح بالخطوات التى شرحها منذ قليل من خطته، وقام لهلوب هو الآخر بإتباع الخطوات الموكلة إليه فى خطة الكتكوت الفصيح وتحت إرشاداته، وما هى إلا لحظات حتى كان لهلوب يهلل فرحاً بعد أن تخلصت رجله من قيدها وأصبح حراً طليقاً من جديد.

 

وقام الكتكوت الفصيح بجلب بعض من أعشاب الغابة الطبية التى يعرف عن ظهر قلب مدى فاعليتها السريعة فى مداواة الجروح، وشرح للهلوب كيفية فركها ودعكها حول جرحه.

 

وفى إنتظار أن يستعيد لهلوب عافيته وقدرته على المشى من أجل العودة إلى مخيمه بمساعدة من الكتكوت الفصيح الذى يعرف طريقه جيداً فى تلك الغابة الشاسعة، بدأ الأثنان يتجاذبان أطراف الحديث.

 

*****

 

أضغط على الجزء المراد الإطلاع عليه من مقالة " الدب الجريح والكتكوت الفصيح ":

 

1.    الجزء الأول: الحوار العاصف.

2.    الجزء الثاني: الوقوع في الشرك.

3.    الجزء الثالث: المنقذ.

4.    الجزء الرابع: الكتكوت الفصيح من البيضة يصيج.

5.    الجزء الخامس: حديث في السياسة.

6.    الجزء السادس: نهاية سعيدة.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on February 6, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: