هذه تجربتي أنا

هذه تجربتي أنا

الصادق النيهوم 

 

حكايتي عجيبة ..

 

أردت أن أجعل كلماتي تضىء .. أن تقول بالضبط ما أريدها أن تقوله، وقد أعطيتها مهلة كاملة لكي تفعل ذلك، فقد ظننت أن الكلمات مثل ثمار الشماري تحتاج إلى تسعين يوماً مشمساً لكي تنضج ..

 

وعندما قرأت مرة أن الكلمات تتغذى على التجارب انطلقت كالمجنون أجوب الأرض والأحداث، وأبحث عن التجارب في شوارع العالم وفي الأزقة وفي سفن الصيد والجامعات عبر آلاف الأميال الموجعة .. وبعد أن قطعت كوماً مقززاً من السنين اكتشفت فجأة أن ذلك كان خداعاً لا قيمة له، كان كذباً كله منذ البداية.

 

وكان يجب أن أتوقف .. أن أدق رجلي في الأرض مثل مسمارين وأتوقف .. ولكن ثمة أمراً بشعاً كان قد حدث في داخلي، ووجدت نفسي أقف في نقطة الوسط حيث تلتقي جميع الطرق الصاعدة والهابطة .. حيث كان من المفروض أن لا يقف أحد.

 

وفي ملايين اللحظات المتتابعة، التى تسير في جميع الاتجاهات، اكتشفت برعب قاتل أن تلك منطقة الصفر .. وأنني أقف عارياً في فراغ حاد .. ومتوحداً وحدة كاملة. وكان لابد أن يحدث انكسار في داخلي، فلم تعد لديَّ أية قدرة على التكيف، تماماً كما ينكسر الشراع المتصلب في وجه الريح.

 

ولقد حدث الإنكسار فعلاً، ولكني لم أغرق، بل ظللت أطفو مثل حوت متعفن امتلأت أمعاؤه بمخزون هائل من الهواء، وظلت عيناي مفتوحتين ممتلئتين بالحياة تجوبان المحيط على مدي البصر، وتريان إلى فقاقيع الضوء الأزرق الغامق، التى شرعت تحتشد في الأفق عبر آلاف من الذكريات المتوهجة والميتة، وآلاف أخرى من الأفكار المتوحشة، المنطلقة كالجياد البرية في غير اتزان.

 

ووجوه الأصدقاء والأماكن، وكلمات الود على طول الطريق، وأضواء القطارات والمدن، والحجرات الصغيرة الغارقة في الدخان وروائح النبيذ والسأم، وآلاف الوداعات المشحونة بالأحزان والتوتر، دنيا كاملة مربكة إلى أبعد الحدود، وعشرات القمم المترامية والشموس الساطعة بلا إنقطاع، وملايين حقيقية من الأصوات الحادة المحرقة، لم يكن ثمة نهاية أبداً، لم يكن ثمة حد حقيقي على أي من الممرات.

 

وكانت رحلتي قد طالت، وتمزقت. وكنت أشعر بوحدة هائلة فجلست في المساء وكتبت إلى أحد أصدقائي، قلت له : ( خليفة يا صديقي، أنا ضائع ووحيد مثل ريشة سقطت من جناح طائر، وكلماتي لا تزال مطفأة مثل عيني خنزير ميت، أنا لن أستطيع أن أفعل شيئاً).

 

وكتب صديقي: (لا تعد تقل ذلك .. أن ملايين الطيور تعبر المحيط كل عام، ورقع الأرض المترامية بحزمة من الريش، وبضعة زقزقات .. ).

 

وفي تعب متناه انطلقت أتبع طريقي .. كانت مشكلتي واضحة تماماً .. ولكني لم أستطيع أن أقرر قط من أين أبدأ في حلها .. وقد بدأ الأمر بالنسبة لي وكأنني أقف في جردل فارغ وسط بئر مظلمة مملوءه بالأصداء .. ولقد خيّل إليَّ ـ عبر ليالي وحدتي ـ أنني بدأت أضيع بدقة متناهية في عالم أملس تنزلق قدماي على أرضه بلا انقطاع.

 

كنت أريد أن أعرف ـ في الدرجة الأولى ـ كيف استعمل كلماتي بحرية أكثر .. كيف أعطيها كل ما  تحتاج إليه من الضوء .. وكنت أحس بأن ثمة قوانين غامضة تتحكم في قدرتها على النمو .. وأنني مطالب بأن أعرف تلك القوانين فوراً، ودون شك من أي نوع، إذا كنت أرغب في مواصلة طريقي.

 

وفي بادىء الأمر خيّل إليَّ أنني يجب أن أصرف انتباهي إلى تاريخ اللغة نفسه، ولكن ذلك المنهج بدأ بعد شهور قليلة محدودأ على نحو ما، كان يمدني بكل شىء عن الكلمة التى أرغب في البحث عنها، ولكني لم أستطيع أن أنفذ خلاله إلى حقيقة المشكلة ذاتها، وبدأ ـ في النهاية ـ منهجاً أكاديمياً عقيماً غير قابل للتطور بأي شكل.

 

وعدت أبحث عن طريق آخر .. وقد تقرر في ذهني أن أشرع في البحث بطريقة مفتوحة منذ البداية .. فتركت كل أشيائي جانباً، وبدأت أقرأ ما أجده أمامي وأراقب كلماتها بلا تحديد .. بلا ضبط أو أي رغبة من أي نوع .. وكنت أسأل نفسي كلما قرأت عملاً فنياً ناجحاً : أليس ثمة سبيل لأن أعرف كيف حدث ذلك .. ؟.

 

وبعد سنين طويلة مملة .. وآلام لا حد لها، اكتشفت أنني مازلت غير قادر على إيجاد منهج أكاديمي يمكن قبوله، وأن تلك الأشياء ـ التى قررت التعامل معها ـ غير قابلة للتحديد المنهجي بأي شكل، وكان عليَّ أن أقرر فيما إذا كنت أرغب في مواصلة البحث وحدي، أو أن أتخلى عن الموضوع كلية .. وأذهب للجحيم.

 

وقد رأيت أن لا أذهب إلى هناك الآن، بل أبقي معكم ريثما أقول لكم كيف تمت هذه العملية المرهقة .. وماذا بقى لديَّ منها بصورة ثابتة، منتظراً أن أجد لديكم استعداداً ما للمضي إلى الخطوة التالية، ولعل بينكم الآن من يستطيع أن يكون أكثر إيجابية مني، وعلى أي حال، أرجو أن لا ينسى أحد أن ما أقوله في الأيام القادمة يعني بكل إخلاص ثلاث كلمات فقط (هذه تجربتي أنا) .. ولكل منا الحق في أن يقول تجربته على نحو ما.

 

1966

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Advertisements

Posted on February 8, 2009, in الأقلام المبدعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s

%d bloggers like this: