عسل أكثر .. خل أقل

 

عسل أكثر .. خل أقل !!

 

محمد ياغي

 

 

تنشغل مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة منذ أربع سنوات في صراع فكري ضارٍ حول أفضل الطرق الممكنة لإحداث تغيير في العالم العربي والإسلامي، وإذا كان الإجماع متحققاً بين هذه المراكز بشأن ضرورة التغيير باتجاه الحرية والديمقراطية كأفضل خيار لأمن الولايات المتحدة على المدى الطويل، وكبديل لسياسة الحفاظ على الأمن والاستقرار التى دمغت السياسة الأميركية في القرن العشرين، والتى دفعتها لاحتضان الأنظمة الاستبدادية حفاظاً على مصالحها، فقد تبين بعد أحداث أيلول 2001 أن هذه الأنظمة هى النقيض للاستقرار والأمن في المنطقة، وأن الحرية لشعوب المنطقة هى ما يمكن أن يُعيد الاستقرار إليها.

 

لكن الخلاف بين هذه المراكز حادّ في كيفية إحداث التغيير، فمنهم من يرى بضرورة الاعتماد على قوى المجتمع المدني لإنجاز المهمة، مستشهدين بقدرة هذه القوى على ملء الفراغ في دول المعسكر الشيوعي سابقاً، وعلى أخذها المبادرة والقيادة بعد انهيار حائط برلين في العام 1989، وحتى قدرتها على الوقوف في وجه محاولات تزوير الانتخابات في أوكرانيا، وقبل ذلك الخلاص من نظام الحكم في جورجيا بتنظيم اعتصامات وتظاهرات حاشدة.

 

ومنهم من يرى خصوصية للعالم العربي وضعفاً لقوى المجتمع المدني فيه، بسبب غياب الأحزاب السياسية التي لا يزال اضطهادها ومنعها من حرّية العمل وإبداء الرأي والتظاهر السلمي ميزة لم يعد يتمتع بها أحد غير النظام العربي الرسمي، وبالتالي يرى هذا الـمعسكر أنه ودون تدخل عسكري مباشر في المنطقة لن يكون بالإمكان إحداث التغيير المطلوب.

 

وهؤلاء يرون أن " المزيد من الخلّ " في مواجهة النظام العربي الرسمي، بمعنى عزل هذه الأنظمة، وممارسة عقوبات دبلوماسية واقتصادية عليها، والتدخل العسكري المباشر، إن لزم الأمر ضد البعض منها، مع " القليل من العسل " للبعض الآخر إن أبدى رغبة في التغيير الذاتي، بمعنى منحه بعض التسهيلات الاقتصادية والسياسية، هو ما قد يُحدث التغيير المنشود. مقابل هؤلاء هنالك مَن يرى بضرورة تقديم عسل اكثر للنظام الرسمي لإيجاد الحافز لديه للتغيير الذاتي، وهو ما يستدعي التفكير.

 

مجلة " الفورين أفيرز " نشرت مؤخراً مقالاً مطوّلاً للباحث ستيفن كوك بعنوان " الطريق الأفضل لتعزيز الإصلاح في العالم العربي "، وفيه يذكر الكاتب أن فشل الإدارة الاميركية في إحداث التغيير سببه، أساساً، خطأ فرضياتها الاستراتيجية، وهى تحديداً:

 

·        إن الاستثمار في قوى المجتمع المدني في العالم العربي سيؤدي الى التغيير.

·        وفي خطأ فرضيتها الثانية بأن الرخاء الإقتصادي لشعوب المنطقة سيؤدي الى الديمقراطية.

·        وفي خطأ فرضية التدخل المباشر؛ فالمجتمع المدني في نظره عاجز عن القيام بمهة التغيير لأسباب أهمها ارتباط العديد من هذه المؤسسات بالنظام الرسمي.

 

ويدلل على ذلك بقوله إن هنالك اكثر من تسعة عشر ألف منظمة غير حكومية في مصر، لكن العديد منها مرتبط بالقصر الجمهوري، وإن القوى غير المرتبطة به لا يمكنها أن تؤدي دورها، إن لم تتوفر لها القوانين والمؤسسات التى تساعدها على ذلك.

 

كما أن الرخاء الاقتصادي بإمكانه أن يساعد في الحفاظ على النظام الديمقراطي، لكنه لا يجلب الحرية والديمقراطية، ويقول إن النظام المصري تمتع منذ العام 1978 بمساعدة اميركية قدرها 2.2 مليار دولار مقابل الحفاظ على السلام مع إسرائيل، لكن سياسة الانفتاح التى انتهجها النظام لم تخلق اقتصاداً مؤسساتياً منتجاً، وإنما شركات تعتاش على الحكومة، وأصبحت لاحقاً جزءاً منها.

 

كما أن التدخل المباشر في العراق والفوضى الأمنية الموجودة فيه قد تدفع الناس للتفكير بأن الاستقرار والأمن الشخصي أهم من الحرية، وأن حكم الفرد إن كان يحقق لهم الأمن أهم من حكم المؤسسة، وبالتالي فإن التدخل المباشر ليس حلاً.

 

كما أن العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية ليست كذلك، لأنها مكنت نظام صدّام مثلاً من توجيه الكراهية لأميركا دون أن يتأثر هو بها.

 

كوك يشكك أيضا في فرضية أن النظام العربي الرسمي قادر على الاستغناء عن الولايات المتحدة لأنها الدولة الاكبر نفوذا في العالم العربي، ولأن إمكانية ايجاد بديل لها مسألة غير ممكنة. وهو يتساءل إن كانت دولة مثل مصر تستطيع الاستغناء عن عبور قطع الاسطول الاميركي لقناة السويس. ويخلص الى استنتاج بسيط بأن على اميركا أن تقوم بتقديم عسل أكثر للنظام الرسمي ـ أموال اكثر ومحفزات ـ مقابل قيام النظام الرسمي بمسألة عملية الاصلاح.

 

وبدلاً من الاقتراح الذى تقدم به عضو مجلس النواب توم لانتوس بخصم 325 مليون دولار من قيمة المساعدات العسكرية المقدمة لمصر، من اصل ـ 1.3 مليار دولار ـ وتحويلها كمساعدات اقتصادية؛ كوك يقترح زيادة قيمة المساعدات العسكرية 700 مليون دولار أخرى، لكن هذه الزيادة يجب أن تكون مشروطة بإصلاح مؤسساتي، ومن ضمن الحوافز التي يمكن تقديمها لهذه الأنظمة، تسهيل دخولها لعضوية منظمة التجارة العالمية ولبعض النوادي الاقتصادية التى تتمتع أميركا فيها بنفوذ كبير، موضحاً أن الحافز الذي قدمته اوروبا لتركيا وهو اشتراط قبولها في الاتحاد الاوروبي باجراء عملية اصلاح شاملة، قد دفع تركيا إلى تغيير العديد من الأنظمة والقوانين التى مكنتها من وضع أقدامها بشكل راسخ في الاتجاه الديمقراطي، ومستشهداً أيضاً بتخلي أوكرانيا عن تصديرها للتكنولوجيا النووية مقابل علاقات تجارية ومساعدات أكبر من الولايات المتحدة وأوروبا.

 

إن المقدمات التى ساقها كوك والتى توضح أسباب ضعف بنية الـمجتمع الـمدني في البلدان العربية، وعدم قدرتها منفردة على إحداث التغيير باتجاه الحرية والديمقراطية، ورفضه سياسة العقوبات والتدخل العسكري المباشر كأداة للتغيير، لا تبرر الاستنتاج بأن المزيد من الاموال المشروطة والمحفزات الاخرى للأنظمة الرسمية ستسمح بالتغيير الذي تريده شعوب المنطقة.

 

إن ضعف نظرية كوك يكمن اساساً في عدم إدراكه طبيعة الأنظمة الاتوقراطية والثيوقراطية في المنطقة، فهي أنظمة على استعداد لتقديم كل شيء والاستغناء أيضاً عن كل شيء، مقابل الحفاظ على بقائها في السلطة. فنظام صدّام كان جاهزاً لتقديم كل ما لديه ـ حسب الوسيط اللبناني ـ للولايات المتحدة مقابل بقائه حاكماً للعراق من الساحة الخضراء.

 

ولو تم عرض عضوية الاتحاد الاوروبي على دولة مثل ليبيا مقابل الموافقة على تعديل الدستور، والسماح بحرية الاحزاب والتعبير ومقابل انتخابات حرة، فمن المؤكد أن العقيد سيرفض ذلك ومثله سيفعل جميع القادة العرب الذين يمتلكون الهواء والماء والأرض ويمتلكون شعوب المناطق التي يحكمونها.

 

إن المزيد من الاستثمار في المؤسسات اللاشرعية لا يمكن أن يحوّلها الى مؤسسات شرعية، بل يساعدها على البقاء لمدة أطول وعلى ادعاء الشرعية أمام شعوبها، ما دام العالم يتعامل معها ويقدّم لها المساعدات. وحتى لو قبلت هذه الأنظمة الـمحفزات التي يقترح كوك عرضها عليها، فإن القبول بها لا يعني تنفيذ الشروط المصاحبة لها، فهنالك خبرة طويلة لدى النظام الرسمي تؤهله للاستفادة من هذه المحفزات دون أن يقدم مقابلاً لها.

 

إن دفع قضية الحرية إلى الأمام في العالم العربي، هي مهمة مركّبة لا يمكن ان تقوم بها الولايات المتحدة وحدها، ولا يمكن إنجازها فقط من خلال مساعدة قوى المجتمع المدني، بل يجب أن يتم إدخال الأمم المتحدة كلاعب جديد، شرعي لتنفيذ هذه المهمة، فحرية شعوب المنطقة وحقوقها الطبيعية التي تمكّنها من العبادة، والتعبير، والتظاهر السلمي، وتشكيل الاحزاب، والتبادل السلمي للسلطة عبر الانتخابات، لا يمكن النظر إليها في إطار سيادة الدولة، أية دولة، بل يجب تجريد الدولة القطرية من الوصاية على هذه الحقوق، واعتبارها حقوقاً عالمية غير قابلة للنقض او التصرف من قبل أية دولة مهما ادعت لنفسها من شرعية، وهذا فقط، ما سيسمح بتسريع عملية التغيير .. ولمزيد من الوضوح، لماذا على الأمم المتحدة أن تستقبل سنوياً العشرات من الحُكّام في مقرّها ممن ينتهكون هذه الحقوق ؟!.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on February 13, 2009, in كتابات سياسية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: