(II) دموع التماسيح وزئير الأسود فى مملكة الأرانب

 
 

 

أحضر التمساح رفاقه التماسيح غداة اليوم التالى، وتجمع الناس من حوله وسقط الملك وحاشيته وحكومته، ودخل معظمهم السجون بتهمة الفساد واستغلال النفوذ، وشُكلت حكومة من التماسيح يقودها ذاك التمساح الباكى.

 

وكان هذا التمساح يعلم بانه لن يكون له الامر فى حكمٍ مطلق، ولن تكون له سائر الامبراطورية يحكمها كما يشاء، إلاّ إذا استكمل خطته فى تحويل المواطنين إلى " أرانب "، فقد كان يعرف من تعاليم الحكماء الأولين، والتى تركوها لهذا الشعب، بأنه ستكون له الغلبة والسيطرة على مرحلتين، أولهما ان يصدق الناس دموعَه والتى ستمكنه من عزل النظام السابق أو " البائد " كما يحلو للتمساح تسميته.

 

واجتياز المرحلة الأولى لا يعنى ان التمساح قد تمكن من حكم البلاد، وفرض السيطرة التامة عليها، فبدون المرحلة الثانية، حسب ارشادات الحكماء، لن يكون له حكمٌ على الامبراطورية على المدى البعيد، بل على العكس من ذلك، فان أمر إزالته وارد، إذا ما خطت البلاد خطوات نحو طريق التحضر الذى يتطلب قادة عادلين يحكمون بالحق والعدل والحكمة والمشورة، وليس عن طريق التسلط والاستبداد وهو الطريق الوحيد الذى تعرفه التماسيح للحكم. فوجود التماسيح فى الحكم ـ إذن ـ سيكون مرفوضا كلما زاد تقدم البلد حضارياً، لأنهم لايملكون من القدرات الذاتية لتسيير دولة سوى أنيابهم الحادة والتى لاتفيد إلا فى حالة الاعتداء على الفريسة وليس لقيادة بلد نحو الحضارة.

 

فليس أمام التمساح ـ فى هذه الحالة ـ إلاّ ان يتبع الارشادات التى خلفها الحكماء الأولين كتحذير للمواطنين، فهاهو قد أنجز بنجاح المرحلة الأولى فى طريق الاستيلاء على المملكة والتسلط على أهلها، فضعف ذاكرة أهل المملكة ونسيانهم لتحذيرات حكمائهم مكنه من ان يوقعهم فى شرك دموعه، وليس أمامه الآن إلا ان يبدأ فى تطبيق المرحلة الثانية، والتى ستحول المواطنين من بشر إلى أرانب.

 

وبهذا فهو لن يملك الامبراطورية بمن فيها، بل انه سيفرض التجانس المنطقى لدولة حكامها من فصيلة الحيوانات وشعبها من فصيلة البشر،  فهو غير قادر كتمساح للتحول إلى بشر ليصبح قائداً عادلاً وحكيماً من أجل بناء دولة الحضارة، لكنه كتمساح يستطيع ان يحول البشر إلى أرانب، ومنها يحول الامبراطورية إلى إقطاعية خاصة به.

 

*****

 

خرج التمساح على أهل الامبراطورية ممسكاً بميكروفون بيده اليمنى، وممسكاً بمنديل بيده اليسرى، وقال للناس:

 

·        " أيها الاخوة .. ".

 

وتوقف لبرهة ليبكى، وتساقطت دموعه كأنها خيط من مطر، وتبلل منديله، ولم يكن قادراً على عصره، فناوله أحد حرسه الخاص علبة مناديل ورقية، لم تمض دقائق حتى كان قد أجهز عليها من شدة بكائه المفرط فى تواتره، وكانت الهتافات من حوله تشجعه على مزيد من البكاء، وكانت أكثر الهتافات طرباً فى قلب التمساح تلك التى كانت تقول:

 

" يا تمساح يا بكاي ….. كسرة خبزة وطاسة شاي "

 

واستمر الهتاف يعلو والتمساح يبكى ويكوم علب المناديل الفارغة الواحدة تلو الأخرى إلى جانبه، حتى صارت مثل تل صغير، وانكفأ التمساح على بطنه وأخذ يحرك أرجله فى حركات سريعة مثل طفل يلاعب نفسه فرحاً بعد ان نال إحدى رضعاته، ثم قام وأمسك بالميكروفون بيده الشمال وأمسك بمنديل بيده اليمين وقال:

 

·        " أيها الاخوة .. ان أعداءكم النمور والخراتيت لن يتركوكم تبنون دولة الحضارة، انهم يريدونكم ان تظلوا كما أنتم ضعفاء، متخلفين عن الركب الحضارى، انهم يريدونكم فريسة سهلة ولقمة طرية فى أفواههم، انهم لم ينفكوا يدبرون المؤمرات لاجهاض ثورتنا ويدسوا لنا المخربين وسماسرة العقول من العملاء لقتل جنين الثورة، الذى بدأ يتحول إلى ماردٍ خشية ان يحطمهم يوماً، ولكى نستطيع ان ننقذ ثورتنا لابد ان نتكاثف من أجل كشف المندسين بيننا، ولابد ان نحطمهم قبل ان يحطموا ثورتنا الخالدة، ولكى نصون هذه الثورة التى ستحول هذه الامبراطورية لاعظم حضارات التاريخ لابد ان ندوس بالاقدام على الخونة المتعاونين مع النمور والخراتيت ! ولابد من اقتلاعهم من بين صفوفنا قبل ان تسمم افكارهم الهدامة مبادئ ثورتنا التقدمية ".

 

وتوقف التمساح لبرهة حتى يلتقط أنفاسه، ثم واصل إلقاء كلمات خطابه الناري:

 

·        " نحن أبناء تماسيح النهر، منذ ان فوضتمونا لقيادتكم وإطاحة النظام البائد، نحمل على عاتقنا حماية ثورتكم، فسنغرس أنيابنا فى رؤوس الخونة أعداء الثورة وكل من يجاهر بمعاداة مبادئها الخالدة، ولكننا لكى نتمكن من إتمام مهمتنا على أفضل وجه، فاننا نحتاج إلى مساعدتكم لنا، فاننا نريد من كل مواطن حريص على ثورته ومبادئها السامية ان يتعاون معنا، فسنُشكل لجاناً ثورية لتحرس الثورة من أعدائها وتكون الوقود المحرك لمقصلة الثورة التى ستحصد رؤوس الخونة، فسنطاردهم حيثما ذهبوا وحيثما وجدوا، وسوف نسحقهم بالأقدام، ونطحنهم بالأنياب، فان يد الثورة سوف تطول كلَّ مخالف لمبادئها ".

 

وهكذا كان، فبإسم معاداة الثورة قتلت التماسيح كل مواطن يعارض ممارسات الفساد،  وباسم حماية الثورة قاسى كل مواطن انتقد جبروت التماسيح وطغيانها وظلمها ويلات السجون ومعتقلات التعذيب، فلم يعد هناك حدُُ فاصلُ بين " لفظة الثورة " و " مفهوم الثورة " وبين " شخص التماسيح "، فأصبحت الثورة هى الوجه الآخر لحماية التماسيح وفرض استمراريتها فى السيطرة على الامبراطورية.

 

وهذا كان منتصف الطريق لاتمام المرحلة الثانية من مخطط التماسيح، والذى تحول معه معظم المواطنين إلى أرانب، ولكنه لايزال بعضهم الآخر بشراً، وليصبح أهل الامبراطورية كلهم أرانب فلابد من اتمام المرحلة الثانية من المخطط باكمله.

 

*****

 

خرجت التماسيح يوماً فى الناس يتقدمها ذاك التمساح الباكى، وكان يمسك بمندلين أحدهم فى اليد اليمنى والآخر باليد اليسرى، بينما بقية التماسيح ممسكة بمنديل واحد. جمعت التماسيح أهل الامبراطورية بأرانبها وبشرها ليلقى التمساح ـ فيهم ـ الباكى كلمة ثورية، قال التمساح:

 

·        " أيها الاخوة الأرانب ان أعداءكم الحقيقيين هم الثعالب والذئاب، ان الثعالب تأكل الأرانب وتُحلى بالدجاج والأرانب ! أيها الاخوة الأرانب .. ان الأكلة المفضلة لدى الذئاب هى الملوخية !! هل تعرفون لماذا أيها الاخوة الأرانب ؟ لأنها تُطبخ على لحم الأرانب! ان الذئاب تحب ان تأكل الأرانب وتُحلى بالأرانب، ان البحار والأنهار تمنع الذئاب والثعالب من أكلكم، هل تعرفون لماذا ايتها الارانب ؟ لأن الذئاب والثعالب لاتعرف السباحة، لكن حدود إمبراطوريتكم لايحدها الماء إلا من جانب واحد وهو شمالها، أما بقية الجهات الثلاث الأخرى فهى مفتوحة على حدود برية تأتى منها الثعالب والذئاب وأشياء أخرى ".

 

وتوقف التمساح الباكي للحظات، أطلق فيها نظرة متمعنة على وجوه (جماهير) الأرانب المحتشدة لسماع خطابه الثوري، ثم واصل قائلاً:

 

·        " لحل هذه المعضلة فقد فكرت كثيراً، ونظّرت كثيراً؛ الذكاء وحده، أيتها الأرانب، الذى أوصلنى لإيجاد حلٍ لهذه المشكلة، مشكلة حماية الثورة من أعدائها الثعالب والذئاب، إن إلهامي وفكرى الفذ المتوقد أوصلنى إلى ابتكار نظرية فيها الحل الاوحد لمشكلة الامبراطورية، بل وكل امبراطوريات العالم !!  انها نظرية عالمية أممية كونية منبثقة من الإرادة الشعبية لهذه الامبراطورية، وهى أفضل النظريات الموجودة فى الكون كله، ويكمن فيها الحل الأوحد لمشاكل كافة الكائنات والمخلوقات. وفور إقتناعى بها أصدرت أوامري بتنفيذها، ومنذ صباح غدٍ ستبدأون جميعكم فى تطبيق خطواتها، فعندما تشرق شمس الغد تكونون قد حملتم معاولكم وفؤوسكم لتحفروا قناة بحرية تمتد من أطراف الجهة الشمالية لحدود الامبراطورية، لتشق الأراضي الممتدة حول حدود الامبراطورية من الجهات الثلاث الاخرى، أي أنكم توصلون طرفى النهر على أمتداد حدود الامبراطورية كلها ليصبح النهر يطوق امبراطوريتنا، وبهذا نضمن حماية ثورتنا وعدم تسلل الثعالب والذئاب لاقتناصكم ".

 

وهنا هتفت جماهير الأرانب للتمساح مشيدة بنير أفكاره ونفاذ بصيرته بالهتافات التالية:

 

" يا تمساح يا فكار      ….    رش الميه فوق النار "

" يا تمساح يا مُدبر     ….    انت فكر واحنا نحفر "

" يا تمساح يا بوناب    ….    عليك ريشة من بو عبعاب "

" يا تمساح يا بوذيل    ….    عليك ريشة من طير الليل "

" يا تمساح يا مُنظّر     ….    انت خمم واحنا نزمر "

 

وكانت هذه الهتافات من أجمل ما سمع التمساح من أرانبه طوال فترة حكمه السابق، فوصلت ذروة النشوة به مبلغاً لم يصله فى حياته، فبكى حتى الثمالة، وانكفأ على بطنه وحرك رجليه بحركات سريعة، ثم انقلب على ظهره، وحرك يديه القصيرة فى حركات بهلوانية كأنه طفل نال لتوه إحدى رضعاته، ثم زحف على بطنه والتهم أحد الأرانب المنهمكة فى الهتاف له، ثم شرب زجاجتين من البيبسي كولا، وتكرع بملئ فمه ثم بكى ومسح دموعه.

 

*****

 

ابتدأ العمل فى شق القناة البحرية صباح اليوم التالى، واستمر لفترة طويلة من الزمن، وهربت بعض الأرانب قبل ان تحيط بالامبراطورية المياه إلى امبراطوريات أخرى.

 

وفى اليوم الذى أحاطت فيه المياه بالامبراطورية من جميع جهاتها، ولم يعد يوصلها بأرض يابسة شيءُُ؛ هنا خرجت التماسيح على جماهير الامبراطورية، وجمعتهم أمام منصة اعتلاها ذاك التمساح الباكى وأحاطت بها تماسيح الحراسة وسحالى اللجان الثورية، وكان التمساح ممسكاً بيده اليمنى عصا، بينما يده اليسرى خالية الوفاض، ولوح التمساح بالعصا عالياً ثم قال:

 

·        " أيتها الأرانب، .. اننا معشر التماسيح لا نأكل إلا اللحوم، فبدونها لايطيب لنا عيش، اننا خُلقنا لنأكل اللحم وأفضل اللحوم لدينا هى لحوم الارانب. هل تعرفون لماذا أيتها الأرانب ؟ لأنها سهلة الهضم فلحوم البشر يصعب مضغها وبلعها وهضمها، لذلك فنحن نُفضل الأرانب عن البشر. اليوم فقط أصبحت امبراطورية التماسيح غنية بغذاء التماسيح المفضل، اليوم فقط لم يعد للبشر موطىء قدم فى أمبراطورية التماسيح، هل تعرفون لماذا أيتها الأرانب ؟ لأنكم أصبحتم جميعكم أرانب ! ومن الآن لم يعد أحد قادراً على ان ينازعنا فيكم. انكم معشر الأرانب خُلقتم للانجاب، وخُلقتم لكى تؤكلوا، فأنتم أكثر الحيوانات أنجاباً وأكثرها سهولة فى الاقتناص، ثم انكم لاتعرفون السباحة فستظلون تأكلون الحشائش الأرضية وتنجبون أرانب كثيرة، وستظلون أفضل اللحوم التى نحب أكلها ".

 

ويومها لم ترَ الأرانب دموعاً للتماسيح ولكنها رأت أنيابها التى تشبه الطواحين، ولم يبق من مواطني الامبراطورية من البشر أحد فقد تحولوا جميعهم إلى أرانب، وأذعنوا جميعهم إلى سلطة التماسيح إلا قليلاً منهم هربوا إلى الجبال واحتموا فى كهوفها، وأخذوا على عاتقهم تحرير أمبراطوريتهم من جبروت التماسيح، فبدأوا فى البحث عن تراث الحكماء الذى تناسوا منه ما حذروهم به، فى أن لا يصدقوا دموع التماسيح أو فلسفة النسور، ووجدوا فى تراث الاجداد انهم ان أرادوا ان يرجعوا بشراً، ويقضوا على حكم التماسيح، فلابد لهم ان يقنعوا التماسيح بانهم ليسوا أرانب وانهم " أسود ".

 

وذلك بأن يزأروا مثل الأسود، لأن التماسيح تخاف الأسود وتُخيف الأرانب، وقال لهم الاجداد الحكماء:

 

" ليعلموا ان نصف قوة الاسد فى زئيره "، فإذا صدقت التماسيح بذلك فانهم سيتحولون فعلاً إلى أسود حقيقية، وسيقضون يومها على التماسيح، وبنهاية التماسيح سيرجعون كما كانوا بشراً يسعدون بسذاجتهم ويحلمون ببناء امبراطورية أفضل ".

 

 

أضغط هنا للإطلاع على  ما سبق من " دموع التماسيح وزئير الأسود فى مملكة الأرانب ".

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

 

Posted on February 14, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. 2 Comments.

  1. §»ۗے็♥ٲپٶڣٱژڛ♥็ «§

    السلامعليكم انا ابوفارس

  2. §»ۗے็♥ٲپٶڣٱژڛ♥็ «§

    هلا هلا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: