رجل وامرأتان

ثريا الشهري

  

وُلد مُحرر العبيد «ابراهام لنكولن» والرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأميركية عام 1809، لأب يعمل نجاراً وأم بسيطة تتصف بالطيبة، فنشأ وحيداً لأسرة فقيرة تقطن كوخاً في إحدى مزارع ولاية كنتاكي، فكان طفلاً هادئاً لا يميل إلى اللعب والمزاح، وإنما إلى القراءة والاطلاع.

 

فلما ماتت أمه في التاسعة من عمره، تزوج والده من أرملة شابة لها ولد وابنتان، ومكتبة صغيرة تزخر بالكتب الثمينة، فلاحظت زوجة الأب أن ابن زوجها يقضي معظم وقته في قراءة كل ما تقع عليه عيناه، فكانت معينه الذي شجعه بتخصيص الساعات للقراءة معه ومناقشة ما جاء في كتب الأدب والشعر.

ولأنها كانت امرأة متدينة فقد غرست في الصغير تقوى الله، وأرست في عقله الناشىء معاني المساواة وحب الخير بغض النظر عن أجناس وألوان البشر، ولولا تلك المفاهيم لشب ابراهام وفيه ميل للطيش والعنصرية كمثل أرباب وقته آنذاك، خصوصاً أن جده كان قد قتل على أيدي الهنود الحمر، الشعب الملون الذي ينظر إليه الأميركيون بمنظور مغلف بالدونية.

 

لنتعرف على نموذج حنون ومختلف لزوجة الأب، فيكفي أنها من أقنعت والد ابراهام بضرورة تعليم الصبي حين أصر أبوه على تركه للدراسة ليعمل معه في النجارة، ليكون ابراهام بذلك من ضمن المحظوظين القلائل الذين حظوا ليس فقط بزوجة أب صالحة، ولكن بزوجة ناضجة متفهّمة تعين ولا تعوق. إنها «ماري تود» الفتاة الارستقراطية التي لم ترفض الاقتران بالريفي الفقير لاعتقادها بمستقبله المشرف، ولإيمانها القوي بقدراته التي كانت وراء ترشيحه لعضوية الكونغرس الأميركي، والمحفز الأول لإصرارها العنيد على ترشيح زوجها لرئاسة بلاده وفوزه بها.

كلمة أخيرة: قدر الإنسان عادة ما يهيىء له حياة يعيشها تسوقه إلى مصيره، فلا شيء يحدث اعتباطياً، ولكننا لم نتعوّد على تحليل مشاهدنا في مشوار الدنيا، فلم نحفل بمحاولات الربط أو الاستنتاج الذاتي مع أنفسنا، فزوجة أب ابراهام لنكولن ثم زوجته لاحقاً ليستا من باب الصدفة في حياته، وإنما هما من قبيل الحكمة التي تقف وراء الأسباب.

 

وكم من أبناء يعيشون في بيت واحد وظروف واحدة، وتشاء الأقدار أن تنزع أحدهم من وسط محيطه لتزرعه في بيئة أخرى مع أناس آخرين قد يصبحوا الأدوات التي تشكل ملامح شخصيته لأيامه المقبلة! فإن كان لنكولن قد قتل برصاصة أحد المتعصبين، إلا أن بلاده لا تزال تحتفل بمولده حتى بعد مضي 200 عام على وفاته، ذلك أن أجدر نهاية للإنسان هي حين يتوحّد مع قناعاته في لوحة واحدة حتى لو دفع حياته ثمناً لها.


وقالوا: «القدر هو أعظم الفنانين» بلزاك.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on February 16, 2009, in كتابات أعجبتني. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: