(I) حكايات الترحال في حياة صرصار

 

 

كان سائق السيارة البيجو يربط الحبال حول الشنط المحملة فوق سطح سيارته بمساعدة أحد العاملين فى موقف سيارات الروميس، وكان بعض الركاب قد جلسوا على مقاعدهم فى داخل السيارة انتظاراً للانتهاء من تحميل الشنط حتى تنطلق بهم السيارة فى طريق رحلتهم إلى مصر.

 

وكان صرصارنا بطل هذه القصة واقفاً بجانب عمود إضاءة بالقرب من السيارة يراقب سائقها ويتطلع بين الحين والآخر إلى المارة على الرصيف فى الجانب الآخر من الطريق وعلى السيارات العابرة من أمامه .

 

§       " ممكن ولعة ". قال فتى صغير مر من أمام الصرصار ملوحاً بسيجارة بين أصابعه فى حركة تشير إلى انه يحتاج إلى إشعالها.

 

q       " اننى فى غاية الأسف ، فأنا لا أُدخن ". قال الصرصار مجيباً.

 

انصرف الصبى لشأن حاله، وهز الصرصار رأسه مستنكراً وقال لنفسه:

 

q       " ماذا تركت لشيخوختك أيها التعس ، انتظر ما سيصيبك من وراء التدخين ".

 

وما ان فرغ السائق من ربط حمولته حتى التفت إلى الصرصار الذى كان مستغرقاً فى التفكير والنظر إلى السيارات المسرعة على الطريق أمامه ونادى عليه:

 

·       " هيا يا أخ صرصار، فنحن جاهزون للرحيل ".

 

اتجه الصرصار نحو السيارة وفتح بابها الأمامى وجلس فى المقعد المجاور للسائق. لوح السائق بيده لبعض الأشخاص الذين كانوا يجلسون أمام مكتب السفريات وكان بينهم صاحب المكتب وبعض سائقى سيارات الروميس:

 

·       " مع السلامة ". قال السائق.

 

§       " مربوحة ". قال صاحب المكتب.

 

o       " احترس من الطريق، ولا تقود بسرعة أيها الطائش ". قال أحد السائقين الجالسين أمام مكتب السفريات وهو يضحك.

 

·        " هل تعتقد اننى أجهل القيادة مثلك أيها الغشيم، فلست أنا الذى لايكاد يمر عليه شهرٌ واحدٌ دون أن يرتكب فيه حادثة ". قال السائق وهو يدير محرك سيارته.

 

انطلقت السيارة بحمولتها العالية وركابها السبعة تسابق الريح فى اتجاه الشرق. ضغط السائق على زر تشغيل الراديو، وجاء صوت المذيع متشنجاً يصيح كأنه فى وطيس معركة:

 

v   " .. إن تحالف الأمبريالية العالمية مع الصهيونية العنصرية ضد الجماهيرية العظمى لمواقفها المساندة لقضايا التحرر، ولما تمثله من صمود وتحدى لكافة المخططات الاستعمارية التى تهدف لضرب القوى التقدمية فى المنطقة. لكن الجماهيرية بقيادتها العبقرية الوحدوية الأممية قادرة على الوقوف صامدة أمام قوى الأعداء والتصدى لمخططاتهم الإستعمارية ".

 

وما أن أنهى المذيع كلامه الملتهب، حتى صدحت فى أعقابه الأغنية الحماسية:

" خللى الثورة تولع نار .. نار يا استعمار نار .. نار .. نار … ".

 

وما أن أنتهت الأغنية حتى أطل صوت المذيع يقول:

 

v   " هنا إذاعة الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية الأممية العظمى، أيها الأخوة والأخوات موعدكم الآن مع برنامج هتافات ثورية ".

 

 

وجاء صوت صخب وضجة وصياح عال صاحبته الهتافات التالية:

 

" طز طز فى أمـريـكا         نجيبوا اللحمة من بلجيكا "

" طز طز فى الامريكان         نأكل خـبزة بالعصـبان "

" طز طز فى الصهيونية       عطهم حـبّة ولفعة حية "

 

غير السائق مؤشر الراديو على محطة أخرى، قالت المذيعة فيها:

 

o       " سيداتى وسادتى نصل بهذا الخبر إلى نهاية هذه النشرة التى أذعناها على حضراتكم من إذاعة الشرق الأوسط بالقاهرة، موعد نشرتنا القادمة سيكون فى تمام الساعة السادسة بتوقيت القاهرة، أما الآن عزيزى المستمع .. عزيزتى المستمعة فى كل مكان من السلوم وحتى أسوان، انتم على موعد مع برنامجكم المفضل كُل وبرنق عينيك أكلة وتحسبت عليك ".

 

حرك السائق مؤشر الراديو مرة أُخرى فجاء صوت مذيع يقول:

 

·       " أما الآن فسنستمع إلى أغنية عذاب للموسيقار الراحل فريد الأطرش ".

 

وبعد مقدمة موسيقية حزينة أطل صوت فريد الأطرش الأكثر حزناً:

" عذاب .. عذاب .. ليه يادنيا عذاب .. " .

 

أدار السائق مؤشر الراديو، فجاء صوت يقول:

 

§       " ان الجريمة عملية معقدة تنشأ فى رأس مرتكبها منذ مرحلة الطفولة، وتقع مسئوليتها على الاسرة أولاً، والبيئة المحيطة بمرتكب الجريمة ثانياً .. ".

 

أدار السائق مؤشر الراديو مرة أُخرى فجأت أصوات التهليل الصاخبة:

 

" طز طز فى أمريكا             واللي يحج مع امبيريكة "

" طز طز …… ".

 

حرك السائق مؤشر الراديو مجدداً وتوقف عند محطة قال مذيعها:

 

·       " .. لقد كانت هذه هى نشرة أخبار الواحدة قرأها عليكم من القسم العربى بهيئة الأذاعة البريطانية فؤاد حداد، وإليكم إعادة موجزة لاهم ماجاء فيها من أنباء: هدد العقيد معمر القذافي بأنه سيحول خليج سرت إلى مقبرة للقوات الأمريكية. كشف مصدر أسرائيلى أمس عن قرار لمصادرة أكثر من 500 دونم من أراضى القدس الشرقية المحتلة لأجل بناء حى للاستيطان اليهودى ومركز للشرطة ". هنا لندن، هيئة الأذاعة البريطانية، حضرات المستمعين فى الوطن العربي نوجه عناية حضراتكم إلى ان ارسالنا سيتحول من الموجة القصيرة .. ".

 

وأدار السائق مؤشر الراديو ليتوقف عند محطة مليئة بأصوات صاخبة وضجة عالية:

 

" طز طز فى أمريكا             نموت ونحيا فى الموزيكا "

 

أقفل السائق جهاز الراديو وفتح الصندوق الصغير الذى يقع فى واجهة الناحية اليمنى التى يجلس فيها الصرصار، ثم قال:

 

·       " هل ممكن يا أخ صرصار تناولنى الشريط الذى مكتوب عليه شعر شعبى، ستجده فى وسط الشرايط، ان لونه أحمر ".

 

أدخل الصرصار يده فى داخل الصندوق الذى يتصدر الواجهة التى أمامه، وأخذ يُقلب فى مجموعة الأشرطة الكثيرة التى تملأ الصندوق، حتى وقعت يده على شريط أحمر أخرجه وناوله للسائق.

 

·       " شكراً ". قال السائق.

 

q       " عفواً ". قال الصرصار.

 

دس السائق الشريط فى فتحة جهاز التسجيل المثبت فى الواجهة التى تتوسط المكان بينه وبين الصرصار ، وماهى إلا لحظة حتى أتى صوتُُ يقول:

 

" الحوش اللي قدامه خوخه     أندفه بكراعي المنفوخة "

" الحوش اللي قدامه تـل      أندفه بكراعي ينحـل "

 

أرخى الصرصار جسمه وأغمض جفنيه وأسلم نفسه للنوم، فقد كانت ليلة البارحة مضنية بالنسبة له، فلم يغمض له فيها جفنُُ.

 

أخذ النوم الصرصار إلى اعماق منطقة الأحلام، ليرى نفسه مستلقياً على شاطئ البحر مفترشاً الرمال الناعمة البيضاء وتغطيه ظلال شمسية كبيرة زاهية الالوان، وبجانبه منضدة صغيرة عليها زجاجة من عصير البرتقال المثلج وكوب مزركش من الخارج بخطوط متقاطعة مختلفة الألوان، وبينما الصرصار فى انسجامه واسترخاءه وقف بجانبه خادمٌ يلبس بزة سوداء وقميصاً أبيض ورباط عنق أحمر ويضع منشفة صغيرة بيضاء على ذراعه، وقال له:

 

o       " سيدى هناك من يريدك على التليفون ".

 

أزاح الصرصار النظارة السوداء التى كان يضعها فوق عينيه ونظر للخادم وقال:

 

q       " الم أقلْ لك ان لا تزعجنى ".

 

o       " اننى آسف ياسيدى .. انه مارتن لوثر كنج، وهو مصر على محادثتك ". قال الخادم.

 

قام الصرصار واقفاً، ونفض الرمال العالقة على جسمه ثم اتجه نحو الفيللا الفخمة التى تواجه البحر يتبعه الخادم من ورائه، ودخل إلى ردهة كبيرة مليئة بالأثاث الفخم واتجه إلى حيث يوجد التليفون وأمسك بالسماعة وقال:

 

q       " آلو .. أهلاً .. كيف حالك ".

 

§       " آلو .. أنا بخير. أسمع جيداً لما سأقول أيها الصرصار، لقد داهم رجال المخابرات بيتي ليلة البارحة، وكسروا جهاز الراديو وسرقوا خمسة وعشرين سنتاً وحرقوا كل كتبي، لا يهم أمر الكتب فسوف أشترى غيرها، لكنهم أخذوا مكبر الصوت الذى كنت سأخطب به فى الناس يوم الخميس. أيها الصرصار أنتبه، انهم يبحثون عنك ويريدون ان يقبضوا عليك فكن على حذر فهم فى طريقهم إليك ". قال مارتن لوثر كنج.

 

q       " اطمئن إنهم لايعرفون مكانى .. ".

 

وقبل ان يتم الصرصار كلماته دلف مجموعة من الرجال إلى الردهة وهم يصيحون:

 

o       " أقبضوا عليه، هاهو عدو الثورة ".

 

ذعر الصرصار من شدة الخوف، ووضع يديه فوق رأسه فى محاولة لحماية نفسه من الأيدى التى هوت عليه بالضرب المتتابع، وانتفض صارخاً من شدة هوادة ضربات رجال المخابرات الذين كانوا يغنون:

 

" الحوش اللي قدامه بيله       أندفه بكراعي الطويله "

 

وهنا كان الصرصار قد استيقظ من نومه على صوت الشعر الشعبى فى جهاز التسجيل، والذى هُيّئَ إليه فى حلمه على انه غناء رجال المخابرات، ومع انه كان قد استيقظ من نومه إلا انه لايزال يحس بضربات رجال المخابرات تهوى على رأسه. فرفع رأسه إلى أعلى فوجد أبنة أحد الركاب الجالسين بالمقعد الذى خلفه تضربه بيديها على رأسه، فأزاح رأسه إلى الأمام والتفت إلى الطفلة ثم قال لها فى محاولة لكسب ودها حتى تتوقف عن ضربه:

 

q       " أهلاً .. ما أسمك أيتها العروسة ".

 

§       " شنو دخلك فى اسمى يا وجه الحلوف ".

 

قالت الطفلة ذلك ولكمت الصرصار بيدها على وجهه. كظم الصرصار غيظه ونظر إلى والد الطفلة وأمها مستغيثاً بهما ليوقفوا ابنتهما عن مضايقته، ابتسم والد الطفلة للصرصار وقال له:

 

·       " انها مطلوقة، لاتستغرب أحداً، حوه .. تحب اللعب مع كل من تقابله ".

 

ابتسم الصرصار لوالد الطفلة على مضض، ونظر للطفلة فى محاولة أخيرة لاستمالة ودها حتى يأمن شرها بعد ان فشلت محاولته الأولى معها، فقال لها:

 

q       " هل تذهبين للمدرسة يا حواء، وفى أي صف أنتِ ؟ ".

 

§       " شن دخلك يا وجه الكرنبه ". قالت الطفلة للصرصار ثم بصقت على وجهه.

 

غلى الدم فى عروق الصرصار غيظاً، وأخرج منديلاً من جيبه مسح به بصاق الطفلة من على وجهه، ثم التفت إلى والدها وقال له فى حنق:

 

q       " إن هذا لا يعقل يا أخ ان تترك ابنتك تضرب وتبصق على مخلوقات الله دون ان تنهرها، أو تقول لها ان ما تفعله خطأ وغير لائق ".

 

·       " انها طفلة، والأطفال أحباب الله، انها لا تعى ماذا تفعل أو ماذا تقول، هل ستعتب على طفلة صغيرة مثلها، انها ملائكة ". قال والد الطفلة للصرصار وهو يبتسم.

 

زاد غيظ الصرصار من رد والدها وقال لنفسه:

 

q       " يبدو لى ان والدها هو الذى يحتاج إلى تربية، فلا لوم على الطفلة إذا كان هذا رد والدها ".

 

كظم الصرصار غضبه وحاول ان يتجاهل الطفلة التى أخذت تصفق فرحانة وتقفز بين أرضية السيارة وسقفها، وفى احدى قفزاتها أرتطمت رأسها بسقف السيارة، فتوقفت عن القفز وأمسكت بيديها على رأسها وأخذت تصرخ عالياً بعد ان آلمتها الخبطة، فارتمت فى أحضان والدتها وأخذت تولول وتبكى. وهنا لكز السائق الصرصار ومال عليه برأسه ثم قال له:

 

·       " انك مرابط أيها الصرصار، لقد انتقم الله لك من هذه الشيطانة، اننى اكره العيال المدللين، أنا فى بيتي لايجرؤ أحد من أولادي ان يتنفس فى حضوري، فأنا لا أعرف لهم وسيلة إلا الفلقة والحبس فى الكنيف، وهذا أفضل أسلوب للتعامل مع العيال. فهناك شيئين لا يجب التهاون فى التعامل معهم فى هذه الحياة، ويجب استعمال الحزم والشدة معهم وهما العيال، وأكرمك الله النساء، فإذا لم تكون حازم وشديد معهم فلايمكنك السيطرة عليهم ".

 

هز الصرصار رأسه للسائق بالإيجاب، رغم عدم اقتناعه بما قاله، فهو لم يكن ليكثرت بمثل هذا الهراء، لكنه فى نفس الوقت لم يكن ليدخل فى مناقشة سقيمة لا جدوى ولا طائل منها.

 

§       " كم تبقى من المسافة حتى نصل القبة ". قال أحد الرجلين اللذين يجلسان فى مؤخرة السيارة، فى المقعد الذى يقع خلف والد الطفلة وزوجته.

 

·       " حوالى عشرين كيلو ". قال السائق مجيباً.

 

§       " هل يمكنك التوقف عند استراحة بو جميلة، حتى نستطيع ان نأكل لنا بعض من الفاصوليا بالكرشة ؟ ". قال أحد الرجلين.

 

·       " نعم، اننى أنوى ان أفعل ذلك ". قال السائق وهو يمط شفتيه ويبلع لعابه بعد ان جاء ذكر الفاصوليا.

 

 

أضغط هنا للإطلاع على الجزء الثاني من " حكايات الترحال في حياة صرصار ".

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on February 20, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: