قطار اسطنبول ـ لغراهام غرين: سياسة .. خيانة .. وترفيه

«قطار اسطنبول» لغراهام غرين: سياسة .. خيانة .. وترفيه

إبراهيم العريس

 

منذ كان دون العشرين من عمره، رغب غراهام غرين في أن يكتب رواية تكون باكورة حياة أدبية يتمناها لنفسه. ومن هنا، حتى حين اشتغل باكراً في الصحافة، ظل باله مشغولاً بالرواية التي سيكتبها. بل انه قام بمحاولات عدة، كان يشعر في كل مرة أنها لا تستجيب ما يتوقعه من قلمه.

 

وهكذا انصرف الى الشعر ونشر عام 1925 مجموعة. غير أن هذه المجموعة لم تلق أي نجاح. فما كان منه إلا أن عاد الى القصة ليكتب هذه المرة عملاً حقيقياً ينشر، هو روايته الأولى «الرجل الجوّانيّ»، التى حققت، إذ نشرت عام 1929 نجاحاً لا بأس به، حضّ الكاتب على أن ينشر روايتين تاليتين: «اسم الفعل» (1930)، و «ضجيج عند الغسق» (1931).

 

وهاتان الروايتان حققتا أيضاً نجاحاً لا بأس به. غير أن غراهام غرين سيعود بعد سنوات وينكرهما، في الوقت الذي ضأّل فيه من شأن روايته الأولى. وهو بالتالي راح يعتبر أن «روايته الأولى» الحقيقية التى تستحق اسم رواية هي «قطار اسطنبول» (التي تعرف أيضاً بـ «قطار الشرق السريع») وهي الرواية التي نشرها عام 1932، لتحقق من فورها، من النجاح، ما يضاهي كل ما حققته كتبه السابقة أضعافاً مضاعفة.

 

سيقول غرين لاحقاً إنه ككاتب روائي انما ولد مع «قطار اسطنبول»، حتى وإن كان سيفيدنا بأن هذه الرواية تنتمي الى أعماله «الترفيهية»، هو الذي كان، في معرض الحديث عن أدبه يقول دائماً إنه يقسم إلى أعمال ترفيهية مسلية، وأخرى درامية جادة.

 

ولعل في امكاننا اليوم أن نقول إن غرين كان مخطئاً في هذا التصنيف، إذ حسبنا أن نقرأ أياً من رواياته «الترفيهية» لنجد فيها قسطاً كبيراً من الجدية والدراما، كما حسبنا أن نقرأ أي رواية «جادة» له، لنجدها ترفّه عنا كل الترفيه. ذلك أن غرين كان من الكتّاب الذين يعرفون كيف يضعون الرسائل والأفكار، في أي نص يكتبونه، حتى وإن كان رسائل يبعث بها الى بريد القراء في الصحف (ونعرف أن ثمة كتاباً لغرين يضم فتات الرسائل التي كان يبعث بها الى بريد القراء).


مهما يكن من أمر، سواء اعتبر غرين «قطار اسطنبول» رواية ترفيهية أو جادة، تبقى هذه الرواية رواية كبيرة. ونكاد نقول هنا انها تحوي، في جوهرها، عدداً كبيراً من «التيمات» التي ظل الكاتب يعالجها من معظم أدبه حتى أيامه الأخيرة. من الحب إلى التفاوت الطبقي، ومن معضلة الايديولوجي الى دور المال في حياة الناس، مروراً بمسائل مثل الهوية والاشتراكية و… الخيانة، الموضوعة التى ألحّت عليه طوال حياته اكثر من أي موضوعة أخرى.


كما يشير العنوان «قطار اسطنبول»، تدور أحداث الرواية خلال رحلة في القطار (كانت في ذلك الحين، أي أوائل حقبة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، تستغرق أياماً) من أوستاند (في بلجيكا) إلى اسطنبول.

 

أما الشخصيات المحورية التي تدور الأحداث من حولها، فهي قليلة العدد، حيث اختار غرين هنا أن يقدم لنا نماذج معينة ليربطها في علاقات وأحداث في ما بينها، تبدو للوهلة الأولى سائرة على نمط ما يحدث في رواية مشابهة لأغاثا كريستي، تدور أحداثها هي الأخرى في القطار نفسه، ولكن من حول جريمة، لدى سيدة الرواية البوليسية.

 

لدى غرين تحل السياسة ـ بين أمور أخرى ـ محل الجريمة، ويصبح المجال الأول مخصصاً للعلاقات الإنسانية. وللوصول الى هذا، كان من الطبيعي لغرين أن يجمع في القطار أفراداً، ليس ثمة بين معظمهم أي تعارف أول الأمر، ولكن مع انقضاء أيام الرحلة، يختلط كل فرد بالآخر، بطريقة مدهشة.

 

وفي مقدم هؤلاء الأفراد رجل الأعمال ميات، الذي يقدم إلينا منذ البداية شخصاً عملياً، ومن هنا لا نستغرب حين يدفعه كرمه وحسه العملي إلى أن يقدم للحسناء كورال ماسكر، المريضة جزئياً، بطاقة سفر كانت تحتاج اليها وهي القاصدة فيينا حيث ستعمل راقصة. وماسكر هذه، على سبيل الامتنان تتسلل ذات لحظة الى قمرة ميات قصد مشاطرته الهوى.

 

وفي مقابل هاتين الشخصيتين، هناك الدكتور تشينر، وهو مناضل سياسي كان في المنفى، يقدم الينا أحياناً بصفته اشتراكياً وأحياناً بصفته شيوعياً، لكنه في الأحوال كافة مناضل يساري يخوض صراع الطبقات، وها هو الآن عاد من منفاه إلى بلغراد، حيث كان يتوقع أن تكون في انتظاره ثورة عمالية ناجحة. بيد أنه، وقبل موعد وصوله بثلاثة أيام، يعلم أن الثورة قد فشلت وأن السلطات قبضت على معظم زعمائها وتريد تقديمه إلى المحاكمة.

 

والحقيقة أن هذا الواقع الجديد، لم يحبط الدكتور تشينر، حيث قرر الآن أن يعود فعلاً إلى بلغراد، ليس لتزعم الثورة، ولكن كي يحاكم أمام الشعب مع رفاقه الآخرين. وهو يفعل هذا تحت رقابة الصحافية مابل وورن، التي تسافر برفقة صديقتها جانت باردو، لكنها لم تعد مبالية بها منذ اكتشفت وجود تشينر وقررت مطاردته كي تظفر بـ «سكوب» صحافي.

 

وإذ يدرك تشينر ان وورن تلاحقه، يقرر تضليلها، فيتزعم أنه نازل في فيينا، لتنزل خلفه … وفيما هي تهاتف صحيفتها من محطة القطار، يعود هو ليصعد بسرعة الى القطار. وبالفعل ما إن يصل القطار إلى العاصمة النمسوية، وتنطلق وورن لمهاتفة الصحيفة، حتى تلاحظ أن المدعو جوزف غرونلش، قد سرق حقيبتها، بعدما كان قتل شخصاً قبل فترة في محاولة سطو فاشلة.

 

ويتمكن غرونلش من الحصول على مال وورن ويصعد الى القطار فيما تعجز هي عن ذلك، ولا تجد أمامها للوصول الى حكاية تشينر إلاّ أن تلجأ الى طريقة أخرى: إنها تتصل بالسلطات العسكرية لتخبرهم عن وجود تشينر في القطار.

 

وهكذا ما إن يصل هذا الأخير الى محطة القطار في سوبوتيتسا حتى يقبض عليه، كما يقبض في الوقت نفسه على ماسكر التي كانت واقفة معه حين القبض عليه، وأيضاً على غرونلش الذي يُفاجأ وهو حامل مسدسه. وعلى الفور تُعقد محكمة عسكرية تتحلق من حول تشينر الذي ينتهز الفرصة لإلقاء خطاب سياسي حماسي ولكن في حال تخلو من الحضور!,


القسم التالي من الرواية تبدأ أحداثه في غرفة انتظار في القيادة العسكرية حيث أُودع المعتقلون الثلاثة في انتظار مجيء صباح اليوم التالي. وهم سرعان ما يلاحظون ان ميات قد عاد في سيارة خاصة كي يعمل على إطلاق سراح ماسكر وأخذها معه.

 

وهنا يتمكن غرونلش من فتح الباب والهرب ومعه الاثنان الآخران، تشينر وماسكر. لكن غرونلش يكون وحده الذي يتمكن من الوصول الى السيارة، ذلك أن رجال الأمن يكتشفون هربهم ويطلقون النار عليهم، فيصاب تشينر وتضطر ماسكر الى تخبئته. لكنه سرعان ما يقضي نحبه، فيما تكون وورن قد وصلت الى المكان وهي لا تزال تسعى للحصول على الـ «سكوب» الصحافي. وإذ تدرك ما حدث، تأخذ ماسكر معها مصطحبة إياها في طريق العودة الى فيينا، وقد قررت أن تحلّها في حياتها مكان صديقتها باردو التي يتبين لنا ان العلاقة معها كانت قد ساءت منذ زمن.

 

وفي نهاية الأمر يصل القطار الى اسطنبول ولم يكن قد تبقى من الجماعة التي تعرفنا إليها في البداية، سوى ميات والآنسة باردو، إضافة الى السيد سافوري (وهو كاتب كما نعرف). وخلال نزولهم يفهم ميات ان باردو ليست في حقيقة الأمر سوى ابنة أخت الصناعي المنافس له شتين، والذي قد يصبح الآن شريكاً له، أي لميات، إذ بدأ هذا ـ جدياً ـ في التفكير بالاقتران بها.


في نهاية الأمر، إذاً، تبدو رواية «قطار اسطنبول» حكاية مغامرات شيقة، من النوع الذي يجوز تحويله الى فيلم سينمائي. والحقيقة أن غراهام غرين كتب في مجال حديثه عن هذه الرواية، أنه حين كان يكتبها كان يتطلع بقوة الى أن تُحوَّل الى فيلم. فهو كان في ذلك الحين مولعاً بالفن السابع، كان ـ حتى ـ يكتب نقداً سينمائياً لصحفية «تايمز».

 

وبالفعل حولت الرواية فيلماً، بعد صدورها بعامين، لكن الفيلم لم يحقق نجاحاً كبيراً. وكان أول فيلم يحقق عن رواية لغرين، الذي ستشق معظم رواياته التالية، طريقها الى الشاشة الكبيرة، ومن «صخرة برايتون» الى «الأميركي الهادئ» ومن «السلطة والمجد» الى «جوهر المسألة» و «العامل البشري» مروراً بـ «نهاية علاقة» و «الرجل العاشر» و «الرجل الثالث» (علماً أن هاتين الأخيرتين كتبتا للسينما أولاً ثم حوّلتا روايتين).

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Advertisements

Posted on February 22, 2009, in كتابات أعجبتني. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s

%d bloggers like this: