(I) الخراف التى تبنت الذئب

 
 
 

§        " والآن حان وقت حكاية قبل النوم ". قال زكريا وهو يشد اللِّحَافُ إلى صدره موجهاً كلامه إلى أبيه الذى كان يجلس على كرسي بمحاذاة السرير الذي ينام عليه.

 

·        " ألم أروى لك قصة جميلة ليلة البارحة يا زكريا، فدعنا نأخذ أجازة من الحكايات ولو لليلة واحدة ". قال الأب لأبنه.

 

§        " لا، من فضلك يا أبي، إنك تعرف أننى لا أستطع النوم إِلا إذا رويت لي قصة ". قال زكريا لأبيه.

 

·        " حسناً، دعنى أُفكر، ما رأيك في قصة حكايات الترحال في حياة صرصار ؟ ". قال الأب لابنه وهو يفرك رأسه.

 

§        " لقد حكيت لي هذه القصة من قبل يا أبتاه ". قال زكريا ذلك ثم أدار وجهه على الوسادة في الاتجاه الذي كان يجلس فيه والده.

 

·        " إذن سأروى لك قصة مهرجان الديوك، وهى قصة من جزئين سأحكى لك جزءها الأول الآن وهو الإعداد للعرس، وغداً سأروى لك الجزء الثانى وهو .. ". قال الأب لابنه قبل أن يقاطعه الابن قائلاً:

 

§        " أعرف يا أبي، أنه العرس المنتظر، حتى هذه سبق وأن حكيتها لي ".

 

·        " إذن فسأروى لك قصة دموع التماسيح وزئير الأسود في مملكة الأرانب. قال الأب لابنه.

 

§        " ماذا جرى يا أبي، أَلا تذكر أنك حكيت لي هذه القصة مرتين من قبل، بل أنك حكيت لي أيضاً تكملتها في قصة الأعيب النسور في أروقة القصور ". قال زكريا ذلك وهو يرسم إبتسامة على ثغره الصغير.

 

·        " نعم يا بنى، لم أعد أذكر ماذا حكيت وماذا أبقيت. دعنى أُفكر .. آه، وجدتها .. هل سبق لك وأن سمعت قصة الخراف التى تبنت الذئب ؟ ". قال الأب بتهلل وقد إنفرجت أساريره بعد أن تمكن فى آخر الأمر من إيجاد رواية لم يحكها لابنه من قبل.

 

§        " الخراف التى تبنت الذئب، هاها ههه، وهل الخراف تستطيع أن تتبنى ذئباً يا أبتاه ؟ ". قال زكريا ضاحكاً.

 

·        " نعم يا بنى، إن هذا حدث، في هذه القصة، وكما تعلم يا بني فإن كثير من القصص والروايات هى من نسج خيال صانعيها، فالكثير منها ليست حقيقية، وأنما تم حياكتها لتسلية مستمعيها وقُرائها والمهتمين بهذا الضرب من ضروب الأدب، وإن كان بعضها حقيقي ومن واقع حياة الناس ومن صميم عيشتهم، وحتى تلك التى من صنع الخيال فهى في أحيان كثيرة تكون قد تم حياكتها من قبل مؤلفيها لتبصير الناس بواقعهم الذي …. ".

 

§        " عفواً يا أبتاه لمقاطعتى لك، لكننى ظننت أنك ستروى لي القصة التى طلبتها منك ". قال زكريا لأبيه.

 

·        " معك حق يا بني، فقد أخذتنى الحمية في الكلام عندما سألتنى عن مدى حقيقة أن تتبنى الخراف ذئباً، فأردت أن أُبصرك بأن تبنى الخراف للذئب في القصة هو عبارة عن دلالة مجازية، ولايعدو أن يكون رمزاً لشىء آخر، كما سترى من مجريات أحداث القصة، فأستمع إليها وحاول أن تفهم معانى رموزها ". قال الأب لابنه.

 

§        " هيا أحكي يا أبي، فقد شوقتني بما فيه الكفاية ". قال زكريا.

 

قال الأب:

·        " حسناً، تبدأ أحداث هذه القصة في مربوعة أحد البيوت، في إحدى مدن الساحل في بلادنا، حيث كان يجلس قطيعُ من الخراف متراصين في صفوف مستقيمة على حَصيرةُ كبيرة تملأ أركان الغرفة كلها. وكان يجلس القرفصاء على نطع من الصوف المغزول، قبالتهم، كبشاً ضخماً انعكفت قرونه المتينة ـ المثبتة على جانبي رأسه ـ حول نفسها عدة مرات، حتى صارت مثل حدائد حلزونية من الصلب المقوى. ودار الحديث التالي بينها:

 

v    " إننا صنعناه بأيدينا، ولا أحد يرغب في مساعدتنا للخلاص منه، فإن كنا نريد الخلاص منه فيجب أن نقوم نحن بذلك، فكما صنعناه بأنفسنا فيجب أن نخلص منه بأنفسنا ". قال الكبش للخراف وهو يقطب حاجبيه التى خطت التجاعيد رسومها الزمنية فوقها، فأصبح من الصعب التمييز بينها وبين حاجبيه.

 

v    " نعم صدقت أيها الكبش العتيد ". قال الخروف الأول وهو يمأمأ.

 

v    " فعلاً، لقد صنعناه بأنفسنا وجعلناه واَحد منا، فلم قويت شوكته كسر أصلابنا ". قال الخروف الثاني، وهو يرفس برجليه الخلفيتين زميله الذى يجلس خلفه.

 

v    " لاَبد من وضع حدٍ لهذه المهزلة، ولابد للأغنام أن تثور على هذا الظلم الحيواني المحيق بها ". قال الخروف الثالث، وهو يقضم عيدان الحصيرة التى يجلس عليها.

 

v    " ما أسهل القول وما أصعب الفعل ". قال الخروف الرابع، وهو يلوك قطعة من الكسبة في فمه.

 

v    " ما كان لنا أن نسمع نصيحة ذلك البغل الوضيع، فها نحن متورطون في شر نصيحته، ألم يكن هو الذي أشار علينا بأن ننجب ذئباً حتى نأمن شر الذئاب، وهو الذي قال لنا أنه عندما نصاهر الذئاب فأنها ستكف عن إفتراسنا وعن أذيتنا ". قال الخروف الخامس ذلك ومأمأ بأعلى صوته.

 

v    " صدقت فأننى لا أستطع أن أنسى تلك الليلة التى قررنا فيها تزويج أختنا النعجة نعيمة لذلك الذئب الذي كان يحوم حول قطيعنا في تلك الليلة المقمرة، وما أن أتممنا مراسم العرس وزففنا نعيمة على ذلك الذئب الغادر، حتى التهمها بفستان زفافها، والتهم معها الخروفين الصغيرين اللذين كانا يحملان الشموع من خلفها، ولم ينتهى الأمر عند هذا الحد، فقد افترس رفاقه ـ الذئاب ـ المطربة محجوبه العرجه التى أحيت حفلة الفرح المشئوم. وفوق كل ذلك افترسوا درباك الفرقة عليوه الذروي، والزمار الساعدي بوصوفه، اللذين لم يسلما من براثنهم في تلك الليلة المنكوبة؛ فقد انقضت عليهم تلك الذئاب وهم في غمرة عزفهم لإحدى الوصلات الغنائية، والتهمتهم بدربوكتهم ومزمارهم ". قال الخروف السادس وهو يكفكف دموعه ويمأمأ بصوت متحشرج غلب عليه البكاء.

 

v    " نعم، أنا أيضاً لن أنسى أبداً تلك الليلة ما حييت، ولن أنسى صوت إيقاع الدفوف والطبول وأنين المزامير التى اقترنت بعواء ذلك الذئب الآثم ورفاقه الأشرار، والتى لم تدم كثيراً حتى كانوا قد أجهزوا على العروس والمطربة، وبعض أعضاء الفرقة الغنائية، وبعض من المعازيم، ولن أنسى فستان زفاف العروسة الأبيض الذي صبغه لون دمها الأحمر .. لا، لن أنسى كل ذلك ". قال الخروف السابع وهو يهز رأسه الأسود.

 

v    " وياليتنا إتعظنا ! أو تعلمنا من ذلك الدرس بأنه لا أمان للذئاب، وإنه لا يمكن الجمع بين الخراف والذئاب أو المصاهرة بينهم، وإن مجرد التفكير في ذلك يُعد ضرب من الخيال لا يتحقق حتى في داخل تراهات حالمين سُذج مثلنا ". قال الخروف الثامن ذلك بينما كان يدعك بحافر رجله على ظهره الذي اعتلته برغوثة خبيثة تمكنت من قرصه في ظهره.

 

v    " تباً لنصيحة تيس الماعز، ذلك الذي قال لنا بأنه إذا كنا غير قادرين على مصاهرة الذئاب، ومن ثم غير قادرين على إنجاب ذئبٍ ـ من نسلنا ـ فعلينا بتبنى واحدٍ ! ". قال الخروف التاسع دون أن يمأمأ.

 

v    " ما أشر من الثوم إلا الكُرات، فقد كانت نصيحة التيس أشر من نصيحة البغل ". قال الخروف العاشر ذلك ومأمأ مرتين.

 

v    " هكذا نحن الخراف، نُساق وراء كل رأي ونتبع كل نصيحة، ولا نهتم أن كانت صادرة من تيس أو من بغل؛ لا نفرق في ذلك بين ما ينفعنا وبين ما يضرنا ". قال الكبش، وهو يحك رجله بأعلى قرنه الأيسر.

 

v    " صحيح أن نصيحة تيس الماعز كانت كارثة لنا عندما اقتنعنا بها، ولكننا لم نكن بقادرين على تنفيذها لولا ذلك الكلب الأبرص، الذي دلنا على مكان كان يختبىء فيه جرو ذئب صغير حديث الولادة، فلولا الكلب لما كنا بقادرين على استجلاب ذلك الذئب الصغير لنربيه وكأنه أحد ابنائنا، وما كنا اليوم نعاني الأمرين من تسلطه علينا ". قال الخروف الحادي عشر ومأمأ بصوت مبحوح.

 

v    " نعم، لقد انسقنا كعادتنا وراء نصيحة الشر التى أضرت بنا، ووقعنا في أسر وبراثن هذا الذئب الغادر ". قال الخروف الثاني عشر وهو ينظر إلى الكبش.

 

v    " لقد ربيناه سبع وعشرون سنة على الحسنى وطيب العيش، فلم أصبح يافعاً وملك أنيابه ومخالبه، بدأ يقتنصنا واحداً بعد الآخر ". قال الخروف الثالث عشر وهو يمأمأ.

 

v    " نعم، كفلناه سبع وعشرون سنة ليضيف عليها مثلها في تسلطه علينا، وطبق بيت الشعر الذي يقول: أُعلمه الرماية كل يوم … فلما اشتد ساعده رماني، بحذافيره ". قال الخروف الرابع عشر، وهو يهز رأسه المثقل بالتبن وأشياء أُخرى.

 

v    " أو كما يقول المثل الشعبي: يا مربي في فرخ الديب ما يجيلك منه إلا النحيب، ومشيك وجيك عل المستشفى والطبيب ". قال الخروف الخامس عشر، وهو يلعق بلسانه كسرة من الكسبة كانت قد سقطت أمامه من زميله الذي يجلس بجواره.

 

v    " إن الذئاب أمكر الحيوانات، ولا يُضاهيها في المكر والغدر سوى الثعالب، فلقد استعمل الذئب دهائه معنا، واستغل طيبتنا وروحنا المسالمة، وتعلم من مخالطتنا أننا نحن معشر الخراف سهل إنقيادنا وسهل السيطرة علينا. فقد استطاع أن يخبر عريكتنا من معاشرته لنا خلال السنين الطويلة التى قضاها بيننا، وفهم كيف يستطيع تسييرنا والتحكم فينا والتسلط علينا، فقد أستغل نقاط ضعفنا الكامنة في طيبتنا ومسالمتنا ". قال الخروف السادس عشر وهو يضع رجل فوق الأخرى.

 

v    " ها نحن نكرر نفس أحاديث كل مرة نلتقى فيها، فنجتر أحزاننا، ونتحسر على ما فعلناه بتبنينا لذلك الذئب الغادر. دعونا مما فات، فإن الحسرة على ما حدث في الماضي لن تغير من أمر الحاضر والمستقبل شيئاً. وما يهم الآن هو البحث في أمر حاضرنا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا، والذي يترآى لي أنه إذا ظللنا مستمرين في خنوعنا واستسلامنا لجبروت عصابة الذئاب فإن الحاضر والمستقبل سوف يسيران على نفس منوال الماضي، وستستمر عصابة الذئاب في تسلطها علينا وعلى بلادنا بنفس القدر الذي سنستمر فيه على خنوعنا واستسلامنا لجبروتهم. فإننى أُحذركم أيتها الخراف بأنه ان لم تجدوا وسيلة للخلاص من تسلط الذئب وأعوانه فأننا سنظل أبد الدهر تحت قبضتهم، وسيظل أولادنا وأولاد أولادنا تحت رحمة سلالاتهم المتعاقبة. وأعلموا أيتها الخراف أن تقريع أنفسنا على قبول نصيحة البغل ثم بعد ذلك نصيحة التيس ثم بعد ذلك نصيحة الكلب، لن يفيدنا في شيءٍ ولن يعيد لنا مقدراتنا المنهوبة، أو خرافنا المفقودة. ولكن يجب علينا أيتها الخراف أن نكف ولو لمرة واحدة عن الحديث عن الأسباب التى مكنت الذئب منا، ولنبحث في الكيفية التى تخلصنا من الذئب نفسه ومن عهده العفن، ومن تسلطه المستبد الذي فرضه علينا بالقوة ". قال الكبش للخراف بوجه عابس متجهم.

 

v    " نعم ، صدقت أيها الكبش الرزين ". قال الخروف السابع عشر بحماس.

 

وهنا سمع الجميع صوت قرعات خفيفة على باب المربوعة.

 

v    " أُدخل … " قال الكبش للطارق.

 

 

يتبع ..

 

 

أضغط هنا للإطلاع على الجزء الثاني من: " الخراف التى تبنت الذئب ".

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on February 23, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: