(II) الخراف التى تبنت الذئب

 

 

 وماهى إِلا لحظات حتى انفتح الباب على مصراعيه، ليظهر من ورائه حملان صغيران تتبعهما نعجة فتية، ذات صوف كثيف ناعم يعلو جسمها الرشيق الغض. وكان كلُ واحداً من الخراف الصغيرة يحمل بين يديه قُفَّةُ يختلف محتواها عن الأخرى. فقد حملت النعجة الصغيرة في قفتها صَفْصَفَة، بينما كان يحمل أحد الخروفين الآخرين في قفته شعير، في حين كان يحمل الخروف الصغير الثالث في قفته قطع من الكِسْبة المصنعة في البيت.

 

v    " آه، ها أنتم .. تقدموا وسلموا على أعمامكم، وقدموا لهم ما جلبتم معكم من مأكولات ". قال الكبش لأبنائه.

 

تقدم صغار الخرفان في اتجاه الجالسين، ووضعوا قفافهم أمامهم وهم يلقون بالتحية عليهم. ونظر كثير من شباب الخرفان الجالسين على الحصيرة ناحية النعجة الصغيرة منبهرين بجمالها. وهمس أحدهم في أذن صاحبه الجالس بجانبه قائلاً:

 

v    " كم أتمنى أن أتزوج هذه النعجة الجميلة، فأنا متيم بحبها وعلى أهبة الأستعداد لعمل أي شىء للفوز بها ".

 

v    " إن الأمر في غاية البساطة، فكل ما عليك عمله هو أن تتقدم لطلب يدها من أبيها ". قال الخروف الجالس بجانب الخروف الولهان.

 

v    " إنك تعلم الفارق الشاسع في المستوى الإجتماعي بيني وبينها. فكما تعلم أن والدها من أكبر أغنياء الخراف، وأنا من أكبر المحتاجين الفقراء ". قال الخروف الولهان.

 

v    " إن أبوها كبش حكيم، ولا يعير المسألة المادية اهتماماً كبيراً، فلا أظن أنه سيمانع في تزويجها لك، خاصة وأنك خروف متعلم ولك مستقبل ". قال الخروف الجالس بجانب الخروف الولهان.

 

v    " هل حقيقة تعتقد ذلك ؟ لو حدث هذا فإنني سأكون أسعد الخرفان قاطبة، فهل تعتقد أن والدها سيوافق على تزويجها لي ؟ ". قال الخروف الولهان وأمارات الفرحة على محياه.

 

v    " نعم، أننى واثق من أن المسألة المادية لن تكن عقبة أمام موافقة والدها على زواجها منك، هذا على شرط أن تكونَ هى موافقة عليك، وإنها تبادلك نفس المشاعر ". قال الخروف الجالس بجانب الخروف الولهان.

 

v    " من هذه الناحية، أطمئن، فنحن نتبادل نفس المشاعر، فهى تُحبني بنفس القدر الذي أُحبها به وربما أكثر ". قال الخروف الولهان بنشوة واعتزاز.

 

وفي نفس تلك اللحظة بالذات كان الهمس يدور بين الخراف الجالسة على الحصيرة حول النعجة الصغيرة ابنة الكبش، فقد كان كل خروف يحدث صاحبه الجالس بجانبه عن محاسن وجمال النعجة الصغيرة. وقد كان كل خروف من أصل خروفين جالسين بجانب بعضهما، مفتون ومتيم بحب أبنة الكبش الجميلة، وكان كل خروف يُعبر للخروف الذي بجانبه عن مشاعره الملتهبة في حب ابنة الكبش، وكان كل خروف يُصرح لصاحبه عن رغبته في الزواج منها.

 

وهنا لاحظت النعجة الصغيرة نظرات الاعجاب المسلطة عليها من الخراف الجالسة على الحصيرة، فسبلت أهدابها ثم رمشت بعينيها ومالت بجسمها في دَّلاَل وغُنْجُ مفضوح.

 

v    " هيا يا نوارة .. خذى أخويك معك وأذهبي إلى الداخل، ولا تنسي ان توصدي الباب وراءك " . قال الكبش لابنته.

 

رمشت نوارة بعينيها مرتين للخراف الجالسة واستدارت نحو الباب في مشية مترنحة تهتز فيها ليتها في حركات بندولية إلى أقصى اليمين وأقصى الشمال، وكان يتبعها من خلفها أخويها الصغيرين. وما أن أوصدت الخراف الصغيرة الباب خلفها حتى قال الكبش:

 

v    " أين وصلنا في حديثنا أيتها الخراف ".

 

v    " لقد وصلنا إلى أنه لابد لنا من إيجاد طريقة للخلاص من تسلط الذئب وأعوانه، أيها الكبش النطاح ". قال الخروف الثامن عشر وهو يفرك بين أسنانه حفنة من الشعير.

 

v    " نعم، لابد لنا من الخلاص من هذا الذئب، فقد طال ظلمه وتسلطه وجبروته، وأريد هنا أن أقول لكم أيتها الخراف أنه لا أحد غيركم سيزيحه، فلا تحلموا بمساعدة أي من الحيوانات الأخرى، فهى جميعها لها مطمع ما فيكم، ولها مصلحة في استمرار تسلط الذئب عليكم، فإن كنتم تريدون القضاء على الذئب فلابد أن تقوموا أنتم بأنفسكم بذلك ". قال الكبش كلامه هذا ودس قطعة من الكسبة فى فمه، وأخذ يلوكها.

 

v    " صدقت أيها الكبش المغوار ". قال الخروف التاسع عشر، وهو يمضغ بين شدقيه بعض من حزمة الصفصفة التى أمامه.

 

v    " هل تعرفون لماذا تستطيع الذئاب السيطرة عليكم بسهولة أيتها الخراف، وهل تعرفون كيف تستطيع الذئاب افتراسكم بسهولة أكثر ؟ ". قال الكبش للخراف.

 

v    " كيف أيها الكبش العتيد ؟ ". قال الخروف العشرون.

 

v    " ببساطة شديدة، لأن الذئاب تعرف أنكم خراف ! وتعرف أن الخراف بالذات تخاف من الذئاب، وتستسلم لها عندما تُقبل عليها لتفترسها. إنكم تعرفون جيداً أيتها الخراف أن ذئباً واحدُُ يستطيع أن يسوق قطيع كامل من الأغنام أمامه، وتعرفون أكثر أنه عندما يهجم الذئب الواحد على قطيع من الأغنام فإن هذه الأغنام تجفل منه، وتهرب من أمامه دون إبداء أي نوع من المقاومة، ثم في آخر الأمر تستسلم له، وعندها يقتنص الذئب له ما يشاء من القطيع، ويقتل الخراف واحداً تلو الآخر حتى وأن كانت بطنه لا تسع إلا خروفاً واحداً، هل تعرفون لماذا أيتها الخراف ؟ " قال الكبش متسائلاً.

 

v    " لماذا أيها الكبش الحكيم ؟ " . قال خروف غير معروف ترتيبه العددى.

 

v    " لأنه لم يبذل جهداً يُذكر في إقتناص فريسته، فقد استسلمت له دون عناء، ولم تكلفه معركة صيدها سوى بعض المأمأة والصياح، واللذين ينتهيين فور نشب مخالبه في قلبها. وهنا تكمن العلة في تسلط الذئب عليكم، فلو كانت الخراف تدافع ولو مرة واحدة عن نفسها لما استطاع الذئب افتراسها. الأمر في غاية البساطة، فقطيع الغنم دائماً يفوق عدده بعشرات المرات عدد ذئب أو ذئبين أو ثلاثة، ولو حاولت الأغنام الكر على الذئاب بدلاً من الفر منها، فإن الذئاب ستخاف وتولى أدبارها، فيكفيها أنها ترى هجمة الخراف عليها بأعدادها الهائلة، ويكفيها أن ترى الغبار الذي تثيره في الأرض عند تحركها وجريها، فهذا وحده سيثير الهلع في نفوس الذئاب ويثنيها عن هجمتها ". قال الكبش بكل حرارة وحماس.

 

v    " الله وأكبر .. الله وأكبر، هذا هو الكلام الصحيح، وهذه هى الحكم الأصيلة، إنك فعلاً كبشاً هماماً ". قال الخروف الواحد والعشرين وهو يمأمأ بأعلى صوته.

 

v    " هل تعرفون المثل الذي يقول: النعجة العياطة ما يا كلشِ ابنها الدِّيبْ ؟ وهل تعرفون ماذا يعنى هذا المثل ؟ إنه يعنى أن من يُدافع عن نفسه بكل ما أُوتى من قوة فأنه ينجى من الخطر الذي يُداهمه، وانتم أيضاً أيتها الخراف تستطيعون الخلاص من الذئب ومن أعوانه، فقط قاوموا ودافعوا عن أنفسكم وعن دياركم ". قال الكبش ذلك واغترف له حفنة من الشعير دلفها في فمه الكبير وأخذ يمضغها.

 

وهنا سمع الجميع أصوات خبطات قوية وعالية على باب المنزل، وسمعوا بعد لحظات صوت صرير باب المنزل يُفتح، وسمعوا في أعقاب ذلك صوت جلبة متجهة نحو باب المربوعة الذي انفتح عنوة على مصراعيه وظهر من خلفه مجموعة من الذئاب.

 

دخلت الذئاب إلى المربوعة وسط دهشة الجميع وذهولهم. وصاح أحد الذئاب في الخراف وهو يعوي بصوت عال:

 

v    " هيا قوموا، أنتم جميعاً مقبوضُُ عليكم ".

 

v    " ما السبب يا حضرة الذئب ". قال الكبش وهو يرتجف.

 

v    " نحن لا نحتاج لإظهار أسباب عندما نقبض على الخراف، ومع ذلك فيكفى أنكم مجتمعون سوياً، فهذا يُعد جريمة تخالف قوانين الذئب القائد ". قال أحد تلك الذئاب وأطلق عواءاً طويل.

 

وهكذا ذهبت محاضرات الكبش هباءاً منثوراً …

ولم تتحرك للخراف شعرة من صوف ظهورهم …

وتم في تلك الليلة القبض على الكبش وبقية الخراف …

وتم سجنهم في أحد مقار اجهزة المخابرات …

 

ووجهت للكبش ولتسعة عشر خروفاً من المجتمعين تهمة التأمر على نظام الذئب …

وتم توجيه تهمة الإخلال بنظام الدولة لسبعة وعشرين خروفاً آخرين …

وتم إدانة أربعة وثلاثين خروفاً بتهمة اشتراكهم في حب النعجة نوارة ابنة الكبش …

كما تم إدانة أربعة وستين آخرين بتهمة الرغبة في الزواج من ابنة الكبش، هذا على الرغم من علمهم المسبق بأن هزيبال الأبن الرابع للذئب يحبها ويرغب في التهامها …

وتم في تلك الليلة القبض على ثلاثة تيوس ماعز متخفية في شكل خراف …

وتم في تلك الليلة بالذات إدانة واحد وخمسين خروف بتهمة تعاطي الكسبة المستوردة …

ووجهت تهمة تصنيع الكسبة بكميات تجارية للنعجة فهيمة المتينة زوجة الكبش …

وتم بعد الفحص والفرز والتمحيص الافراج عن ثلاثة خراف من مجموع الخراف المقبوض عليها، بعد أن إتضح أنها ذئاب تابعة لإحدى أجهزة المخابرات ومتخفية في شكل خراف من أجل التجسس على الخراف المجتمعة.

 

*****

 

·        " هه .. هل أعجبتك القصة يا بني ؟ ". قال الأب لأبنه.

 

§        " نعم، يا أبتاه، إنها مسلية. هل لها بقية يا أبي ؟ ". قال زكريا وهو يغالبه النعاس.

 

·        " ليس هناك قصة بدون بقية يا بنى ". قال الأب لأبنه.

 

§        " إذن فقد ضمنا قصة لليلة الغد إن شاء الله ". قال زكريا ذلك وهو يتتاوب.

 

·        " والآن حان وقت النوم ". قال الأب، وهو يقوم من على الكرسي الذي يجلس عليه.

 

§        " تصبح على خير يا أبتاه ". قال زكريا لأبيه.

 

·        " وأنت من أهل الخير يا بني العزيز ". قال الأب لأبنه، ثم أنحنى ليطبع قبلة على جبينه.

 

واتجه الأب نحو باب الغرفة، وأطفأ مفتاح النور، وكان زكريا قد بدأ يغط في نومه.

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أدناه معانى بعض الكلمات التى وردت فى القصة باللهجة الليبية، والتى قد يغمض فهم معانيها على القراء من الكواكب الأخرى، خاصة أولئك القادمون من كوكب عطارد:

 

·        الحَصيرةُ: بساطُ مصنوع من السَّعَفُ يتم فرشه على الأرض للجلوس عليه.

·        دَّربَاك: طبال.

·        دَّرْبوكة: طبلةُ.

·        صَفْصَفَة: بِرْسِيم.

·        فَرْخُ: ولدُ الطَّائِر أو كلُّ  صَغِيرٍ مِنَ الحيوان.

·         قُفَّةُ: المَقْطَفُ الكبيرُ (الزَّبيلُ).

·        كِسْبة: علف حيواني.

·        الكِسْرَةُ: القطعة المكسورة من الشيء مثل: كِسرة من الخُبز.

·        لية: كتلة الشحم التى تحيط بذيل الخروف.

·         مربوعة: غرفة جلوس.

 

 

أضغط هنا للإطلاع على الجزء الأول من " الخراف التى تبنت الذئب ".

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Advertisements

Posted on February 23, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s

%d bloggers like this: