وتظل بشراً

 
 

وتظل بشراً

ثريا الشهري

 

يحدثنا أديب المهجر ميخائيل نعيمة عن صديقه جبران خليل جبران، فيقول إن كلمة تطلقها من فمك، تصبح شهادة لك أو عليك تجاه الناس، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً، وليس ينقضها إلا أعمالك، وجبران قد أدى في مؤلفه «النبي» شهادة في نفسه، تكاد تكون الكمال بعينه، فمن يشهد مثل تلك الشهادة، فعليه أن ينسى ذاته الفردية، ليجدها في الذات العامة، فلا يبغض إنساناً لأنه كل الناس، ولا يملك شيئاً لأن كل شيء له، ولا يهرب من الألم لأنه الطريق إلى الخلاص، ولا يدين مجرماً لأنه يدين نفسه، ولا يطلب مجداً لأن كل مجد إلى زوال، وإن هو لم يفعل ذلك كانت شهادته كاذبة.

 

إلا أن جبران كان أدرى الناس بكل هذا، فقد وصل إلى علمه أن «من نصب نفسه للناس إماماً، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره» ـ كما قال الإمام علي ـ وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم. ولأنه كان يعرف ذلك تماماً، فتجد أنه كان يتألم من نفسه القاصرة من دون اللحاق بخياله، ويعزيها بقوله انها ستعود إلى الأرض، لتتغلب في دورات تالية على ما استعصى عليها في دورتها تلك، فكان كالغواص ينحدر إلى قاع البحر مشدوداً بالحبال، فلا يتلمس القاع هنيهة من الزمن، حتى تشده الحبال إلى سطح البحر، والحبال التى كانت تربط جبران بسطح الحياة، وما عليه من أمواج صاخبة وزبد متطاير، كانت أشد من أن يقطعها خياله، بل وظلت تحز مفاصل أيامه ولياليه، وتكبل أجنحة أحلامه وأشواقه، وتحول دون السلام بين نفسه ونفسه حتى آخر حياته.


كلمة أخيرة: يقول جبران في كتابه «النبي»: «أنتم لا تقدرون أن تفصلوا بين العادل والظالم، وبين الصالح والشرير، فمن شاء منكم أن يرفع الفأس على شجرة ليقطعها باسم الصلاح، عليه أن يتفقد جذورها أولاً. الحق أقول لكم انه سيجد الجذور الصالحة والطالحة، والمثمرة وغير المثمرة ملتفة معاً في قلب الأرض الصامت. وكما أن الورقة الواحدة على الشجرة لا تصّفر إلا بمعرفة الشجرة كلها، هكذا لا يرتكب أحدكم جريمة إلا بإرادتكم الخفية المشتركة».

 

وكما نرى انها منزلة عالية من السمو صعب على المرء أن يصل إليها، ناهيك عن أن يتمثل بها طوال وقته، فالإنسان في النهاية ما هو إلا بشر له حاجاته ومسؤولياته … سلبياته وإيجابياته، فما من امرئ ويقدر على الكمال، ولكن النجاح في رحلة الوصول إليه مع العلم مسبقاً بعدم بلوغه، وإنما بالتطلع إليه والدنو منه، وعليه فليس مقبولاً من الإنسان مهما فعل أن يبالغ في التفاخر بطبيعته، وفي ذلك يقول العالم النفسي لندال: «تزداد المثالية بنسبة المسافة التي تفصل الإنسان عن المشكلة».

وقالوا: «أنت لا ترى كل ما تراه عينك، ولا تسمع كل ما تسمعه أذنك» شكسبير.

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on March 3, 2009, in آراء فكرية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: