أولاد حارتنا

أولاد حارتنا

نموذج للكتابات الرمزية عن الأنبياء

 

 

عندما شرعت فى الكتابة عن قصص أنبياء الله ـ التى سوف يتم نشر قصصهم على التوالي فى هذا الموقع ـ تعمدت إختصارها وضغطها فى أقل كم ممكن، حتى يستشف القارىء المعنى والمغزى الكامن فيها، والحكمة من ورائها دون إرهاقه بتفاصيل عديدة تصور معاناة التبليغ التى قاساها هؤلاء المكرمين من الله بأصطفائهم لهذه المهمة الشاقة إلى حد الهلاك، فقد أثرت الوصول بالقارىء مباشرة لتلك الحكمة المنشودة من سرد قصص هؤلاء العظماء دون العرج لتفاصيل كثيرة يمكن تجاوزها دون الإخلال بالهدف المطلوب.

 

وعندما فكرت فى كتابة قصص الأنبياء تذكرت كل زادي منها، ما سمعته عن بعضهم من والدي الكريمين عندما كُنت صغيراً، وما تلقيته من شرح حول سيرهم فى دروس حصص الدين فى مراحل التعليم المختلفة، وما قرأته من قصصهم عبر السنين الطويلة من القرآن الكريم والكتب والمنشورات المتفرقة التى تناولت سيرهم وقصصهم الجليلة.

 

وعندما تذكرت فى هذا السياق الكتب التى تناولتهم، تذكرت كُتابها ومؤلفيها، ورؤاهم المختلفة، وأسلوبهم المميز منه والردىء، وتذكرت الكثير من تلك الكتابات المشرقة التى تناولت قصصهم بصدق ونقاء، وتذكرت تلك المعتمة منها التى أطرت للشك فى النبؤة والرسالات السماوية وفى صحة وصدق مصدرها.

 

هكذا لعبت معي الذاكرة فى إنتقائياتها العجيبة لما تحب أن ترغمني على تذكره، فتذكرت ذلك الكتاب الذى نال سمعة سيئة رغم أن الكثير من الناس لم يقرأوه إلا بعد مضى عقود زمنية عديدة على تأليفه، لأنه كان مصادراً وممنوعاً من التداول والنشر فى داخل بلاده التى ألفه الكاتب فيها، وهو الكتاب السيء الصيت أولاد حارتنا الذى كتبه نجيب محفوظ أبان الستينات والذى يروى فيه قصة الأنبياء بحسب رؤيته.

 

قرأت هذا الكتاب أكثر من مرة، كان أولها وأنا فتياً، حيث حصلت على نسخة منه فى بيروت أثناء زيارتي لها فى أوائل فترة السبعينات، والتى تواترت بعض دور النشر فيها على تكرار طباعته وطباعة كثير من الكتب الممنوع تداولها فى أقطارها بسبب سياسات وقوانين النشر المتعامل بها فى هذا الشأن.

 

ثم أعدت قرأته بعد أن ظننت أنني قد أصبحت يافعاً وسأرى فيه مالم أستطع رؤيته فى قرأتي السابقة، وفى هذه المرة قرأته فى القاهرة حيث تحصلت على نسخة منه من مكتبة مدبولي التى تستطع أن تجد فيها كافة الكتب الممنوعة إذا كُنت أحد زبائنها الدائمين، ولك معرفة بصاحبها الحاج مدبولي أو أحد مساعديه.

 

ولحسن حظي كانت صلتي قد توطدت بالحاج مدبولي صاحب تلك المكتبة العريقة المطلة على ميدان طلعت حرب فى وسط مدينة القاهرة، وأنسحبت تلك الصلة إلى مساعديه خاصة ذراعه الأيمن حسين.

 

وإذا تمكن المرء فى يومٍ من توطيد أواصر معرفته بأحد طاقم العاملين فى مكتبة مدبولي وحاز على ثقته ـ التى تأتي بكثرة التردد على المكتبة وشراء الكتب منها ـ فأنه بذلك يكون قد نال حق السماح له بدخول عالم الكتب الممنوعة من النشر والتداول، ويعرف المرء منذ تلك اللحظة طريقه إلى هذا العالم من خلال باب يفضى إلى مستودع ملىء بجواهر الكتب.

 

يقع هذا المستودع تحت سلالم العمارة التى تتخذ المكتبة من أحد محلاتها الملاصقة لمدخلها الرئيسي مقراً لها. فما أن تدلف إلى ذلك الباب حتى تجد سلالم صغيرة تنحدر بضيق نحو مستودع يعج بالكتب المختلفة التى تزهى روح كل من يتعطش عقله لغذائها اللذيذ.

 

وأنا هنا لا أذع سراً، فالأمر ـ كما علمت ـ معروف للسلطات المختصة فى مصر ولكن هناك غض بصر من طرفها عنه لأسباب معينة لا يهمني أمرها بقدر ما يهمني الحصول على الكتب التى أسعى إليها، ولكن يبدو أن هنالك إتفاق ضمني بين هذه السلطات وبين صاحب المكتبة على عدم فتح باب بيع تلك الكتب للعامة أو بشكل علني، ولكن يتم تسريبها لفئات معينة من زبائن تلك المكتبة الشهيرة.

 

هكذا توجهت لمكتبة مدبولي وقادني حسين إلى ذلك المستودع ووجدت بعض الزبائن الذين بالتأكيد ـ هم ـ من أهل الثقة، يطالعون بعض الكتب التى تنسجم مع أهتماماتهم الفكرية. وناولني حسين نسخة من أولاد حارتنا التى طلبتها منه، والتى لازال أمر منعها من التداول الصادر فى الستينات ساري المفعول حتى بعد أن نال كاتبها جائزة نوبل التى أنضمت لإحدى مفاخر الشعب المصري التى يتباهى أفراده بها إلى جانب أهرامات الجيزة المنحدرة من حضارة السبعة الآف سنة، التى لا ينفك غالبيتهم عن ترديد شرف الإنتساب لها.

 

ولم يتغير رأيي وتقييمي لتلك الرواية التى تتحدث عن قصة الأنبياء من منظور الكاتب ورؤيته الخاصة به، وهذا مؤشر غير جيد لم يكن لي أن أعلنه فى هذا المقال على الملأ، لأنه يدل على أن عقلي لم يتطور منذ أن كُنت فتاً صغيراً. ما أردت قوله هو أن هذه الرواية لم تضف لرأيي السابق فيها شيئاً، فهى رواية تحمل قارئها على إستنتاج أحد أمرين:

 

أولهما: إن كاتبها أراد أن يقول أنه لا يوجد إله ولا توجد رسالات سماوية، مثله فى ذلك مثل غيره من أصحاب هذا الأتجاه الذين يؤمنون بأن الحياة تتطور من تلقاء نفسها مع تطور عقل الإنسان فى إكتشاف خبايا النهضة الحقيقية التى تقوم على العلم والسمو الفكري.

 

وثانيهما: إن كاتبها يريد أن يقول بإن الله قد ختم رسالاته للبشر وتركهم بعد ذلك لشأنهم، ليقوموا بتدبير أمورهم بأنفسهم فى إختيار طريق الخير أو نقيضه المتمثل فى الشر، بمعنى أنه قد وضع لهم إرشاداته وتعاليمه فى رسالاته وما عليهم الآن سوى الإختيار بين إتباعها أو تركها ومن ثم إختيار ما يشاءون أو ما يليق بهم، فلم يعد له أية علاقة بهم.

 

وهذا الرأي الآخير يعنى إلغاء أحد الركائز الأربعة التى يقوم عليها مفهوم الإيمان الكلي بالله والتى تتمثل فى: الإيمان بالله، وبرسله، وبما أنزل من رسالات، وباليوم الآخر. وإذا تم بناء على هذا الرأي إلغاء وعد الله للبشر باليوم الآخر الذى سيتم فيه إجراء الحساب والعقاب، فإن ركائز الإيمان ستختل وتتهاوى وينتفى معها الإيمان الكلي بالله سبحانه وتعالى.

 

ورغم إن الرأيين ينحدران من الأسوأ إلى السيء ـ أو الأقل سوء ـ إلا أنه فى أعتقادي أن الرأي الثاني هو الأقرب إلى رؤية الكاتب وما قصده من وراء روايته المثيرة للجدل، وهذا هو ظني وتفسيري الخاص بي بعد قرأتي الأولى لها، وأيضاً بعد إعادة قراءتها مرة أخرى.

 

ولعله من المناسب أن ألخص القصة بإختصار شديد لكي أُعطى القارىء فكرة عنها، والقصة أو الرواية تبدأ بالرجل الكبير الذى يسكن قصراً جليلاً يقع على ضاحية الحارة التى تزدحم بساكنيها من عامة الناس.

 

ويملك الرجل الكبير ـ ويرمز به الكاتب إلى الله ـ وكالة لبيع السلع بداخل الحارة والتى يساعده على إدارتها أبنه الأكبر إدريس فى رمز إلى إبليس، وتنجب إحدى نساء القصر وهى سمراء البشرة آدهم فى رمز آخر إلى سيدنا آدم.

 

تصيب الغيرة إدريس بعد أن فوض أباه آدهم الأصغر منه سنأ والأدنى حسباً ونسباً لإدارة شئون الوكالة، وهذا رمزُُ آخر لتكريم الله لسيدنا آدم عندما طلب من الملائكة ومن ضمنهم إبليس السجود له، حيث أن الوكالة ترمز لعنصر القوة السيادية التى تصبغ التكريم على من تأول له، وهى هنا تعادل فى الرمز أمر السجود الذى أملاه الله على ملائكته فى واقع قصة خلق سيدنا آدم.

 

يحاول إدريس أن يكيد لآدهم الذى تتسم شخصيته فى القصة بالطيبة والتأمل التى يصورها الكاتب فى خلواته الكثيرة التى يقضها فى حديقة القصر الغناء ـ فى إشارة للجنة ـ متأملُ فى جمال سحر الأزهار والأشجار والنباتات الموزعة فيها بتنسيق بديع.

 

يبدأ إدريس بتنفيذ حيلته الماكرة التى تقم على طلبه لأدهم أن يطلع على ذلك الكتاب الذى يقع فى الحجرة المتاخمة لحجرة الرجل الكبير، الذى كان قد حذرهما من عدم دخولها أو الإطلاع على ذلك الكتاب المعنى.

 

وتنجح حيلة إدريس وتلاقى آذان صائغة من آدهم بعد كثرة الترديد عليه وبتأثير من زوجته التى تشجعه على هذا الأمر غير المحمود، فيتسلل فى ليلة يسودها الظلام إلى الحجرة المحرمة فى إشارة أخرى للشجرة المحرمة فى قصة سيدنا آدم، ويفتح الصندوق الذى به الكتاب ويراه الرجل الكبير فيطرده وإدريس من القصر إلى الخلاء، وهذا رمز آخر لقصة خروج سيدنا آدم من الجنة إلى الأرض وملازمة إبليس له.

 

وهكذا تستمر قصة أولاد حارتنا على هذا المنوال بالرمز إلى الأنبياء فى صور شخصيات أبطال الرواية التى تتشابه فى بعض الإيحاءات ـ من الكاتب ـ مع شخصيات أنبياء الله ورسالاتهم.

 

هكذا تذكرت قصة أولاد حارتنا كجانب معتم لكتابات البعض حول قصص الأنبياء، ولكن هناك جوانب أخرى مضيئة ومشرقة لكثير من الكتاب الآخرين الذين قدموا قصص هؤلاء العظماء بأجمل أنواع السرد القصصي، ومنهم عباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم، وعبد الرحمن الشرقاوي، والدكتور محمد حسين هيكل، وأحمد بهجت، وعبد الله النجار، ومحمد أحمد جاد المولى، وعبد الحميد جودة السحار وغيرهم الكثيرين الذين أجادوا فى وصف قصص الأنبياء، ولكن أجمل القصص وأفضلها تظل دائماً للقرآن الكريم الذى نهل من نبعه كافة من كتب فى هذا الخصوص.

 

*****

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Advertisements

Posted on March 5, 2009, in كتابات دينية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s

%d bloggers like this: