بين نسبية الفهم .. وجهد الوصول إليه

فهم الآدمي لأية مسألة صغيرة أو كبيرة ـ لا يكون إلا نسبياً ـ‏ يبدو في وقت ما كافياً‏، لكنه في وقت آخر ينتابه الشك ‏..‏ ويأخذ في الازدياد، ويصبح فهمه فهماً غير شاف، يدفع العقل دفعاً إلي تصحيحه أو إلي اطراحه‏.

 ووعي الآدمي يحصن نفسه ضد هذه النسبية بإبدال الرغبة في الفهم بالميل إلى الإعتقاد ـ لأن المعتقد يعيش مع العاطفة التى تحميه من التغير ـ وكلما مر عليه الزمن في صيانة العواطف زاد حظه من الثبات، وقل تعرضه للرغبة في الفحص والمراجعة من جانب العقل بعيداً عن الاسترابة‏.

 ويبدو أن معتقدات الآدمي أكثر بكثير من مفاهيمه‏،‏ وأن تصوراته التى يتعجل تصورها بغير تدقيق أو عناية، تظل معلقة في منطقة وسط بين الفهم وبين المعتقد ‏..‏ هذه المنطقة تغطي ـ عند أغلب الناس ـ معظم المساحة التي يتحرك فيها الوعي واللاوعي ‏..‏ وهذه مساحة مباحة متاحة للمحاكاة والاعتياد والتيسير والاكتفاء بأقل مجهود‏.‏ فالفهم تعلق بالعقل، يبتعد عن العواطف وبالتالي عن المعتقدات ويبتعد عن الاستسلام للتصورات العامية المألوفة بالابتعاد عن الاعتياد والمحاكاة والنفور من المجهود‏.‏


ذلك أن الفهم جهد عقلي يبذله الآدمي من أجل الوصول إلي مزيد من وضوح الرؤية والبصيرة، يقتضي ضبط العواطف من التدخل في تحصيل الرؤية وتكوين البصيرة .. وهذا يسمى الجهد والرؤية، وما يوصف بالاتزان إذا اصبح اعتياداً.

وممارستنا للفهم ليست شائعة، كما نظن ونتخيل .. لأننا غالباً نتفادى بذل المجهود ونعمل على الإقتصاد فيه، ونحول باستمرار ما يصدر عنا من أفعال وردود أفعال، إيجاباً وسلباً، إلى عادات فردية أو عامة، متفقة مع المزاج الشخصي أو مع البيئة والمحيط‏.‏ وهذا حاصل حتى في الأعمال التخصصية أو الفنية أو العلمية التى تقوم بها اختياراً أو تكليفاً.

والعادات تقلل المجهود المبذول، وتختصر الزمن اللازم للفعل أو رد الفعل، وتعطى لسلوكنا اليسر والآلية التي تبعد عنا الاحساس بالمشقة البدنية أو العقلية أو النفسية‏.‏ ونحن حتى في الجديد الذي يقابلنا من المواقف أو المسائل نجتهد ـ دون أن نتنبه ـ في تقريبه إلى ما عرفناه ومارسناه للاستنجاد بآليته في تخفيف المجهود الذي قد يلزمنا بذله لمواجهة ذلك الجديد‏.


وكل منا قد أحس  ـ في حينه ـ بالمجهود اللازم للفهم في المرحلة أو المراحل التى مر بها في التعليم، أو في المرحلة ـ أو المراحل ـ التى قضاها في الإلمام بأصول وقواعد وضوابط المهنة أو الحرفة .. وأحس مع ذلك بانه في إطار هذا اللزوم كانت الفرص تتاح دائما لتثبيت الفهم بالتكرار والاعتياد والمران لاكتساب الحفظ والآلية .. وهما لازمان لتخليص العقل من مجهود الفهم،‏ أو تخفيف هذا المجهود، نتيجة المواظبة والمثابرة علي بذله من أجل المزيد من الفهم والوضوح في الرؤية والبصيرة.


وتعلق الفهم بالعقل طبيعي ومشروع .. لأن العقل يصحح عمل الحواس وأخطاءها وأوهامها‏ .. ولأن الحواس ـ وهي مشتركة لدى عامة البشر ـ تصحح شطحات العقل وتقاوم سهولة انقياده للخيالات والتصورات؛‏ وهذا التصحيح المتبادل لا غنى عنه لوضوح الرؤية المطابقة للواقع بالقدر الممكن لمعرفته حسب إمكان البشر وظروفهم.


وكل من العقل والحواس يتوقف على أجهزة المخ وتعاونها في العمل معاً وتوافر الطاقة اللازمة لذلك .. ويبدو لنا ـ إلى اليوم ـ أن مصدر هذه الطاقة هو عمل القلب وتزويده للمخ بالدم في حركة لا تنقطع لتوفير كفايته منه .. وهي حركة لا نعرف مصدرها بيقين .. ونحن نشهدها في الجنين كما نشهدها في الحي، سواء المكتمل التام الخلقة، أو مختلها وناقصها‏.

وتصورنا لإحتمال أن يتصل المخ بمصدر آخر للطاقة خلاف القلب بعيد حتى الآن،‏ وإن كانت بعض المشاهدات قد تشير إلى احتمال حصوله، كما يحكيه بعض المرضى الذين تعود قلوبهم إلي الحركة بعد فترة توقف وجيزة، يروون أنهم رأوا أنفسهم فيها منفصلين عن أجسادهم، وما يجرى بشأنها، ثم عودتهم إليها .. وما يعقب تلك الحالات من تغير أصحابها تغيرا أساسياً في نظرتهم إلي الحياة ومعناها وقيمتها .. وهذا كله ضمن الغيب الكثيف الذي يحيط بالحياة، ويعيق فهم الآدمي لأصولها ومصادرها‏ .. وهي إعاقة لا يشعر بها ولا بخطورتها، لأنها لا تمنع ولا تهدد ذات الحياة، ولا تتابعها ولا استمرارها وإن كانت بعض العقول تلحظها وتسجلها.


ومن المحال أن نفهم نفس الشيء، بنفس الوضع مع تغير الحال والظرف والوقت .. ففهمنا الذي نتخيل استقراره وثباته، ونفتخر بمحافظتنا عليه، يجري عليه التحول والتغير والزيادة والنقص والإضافة والحذف .. يحدث ذلك برغم أن الذاكرة تجتهد في تقييد ذلك وتعويقه، لتقوم بدورها في استدامة الذات والمحافظة على وعي الآدمي وشعوره الذي لا ينقطع، بأنه وعيه هو طوال وجوده حياً‏.‏

والآدمي قد يسعي عامداً إلي زيادة فهمه لما حوله بالرغبة الذاتية في توسيع الإدراك والمعرفة، أو بالرغبة القوية في إنقاذ نفسه من وضع يراه بلاء وشقاء وعناء،‏ أو بالاشتهاء العنيف في مثل ما يظن الآخرون أنهم قد فازوا به. كما قد يقعد عن ذلك ـ كما يفعل أغلب الخلق ـ لقلة الدوافع والمواهب، أو بسبب الاعتياد المبكر على الابتعاد عما يجهد أو ينطوي على تعب أو مجازفة،‏ أو بسبب التعود على استطابة الخمول وعدم المقاومة والخوف من رد الفعل وقبول ما يجيء به يومه أيا كان،‏ أو بالرضاء بأية لحظة يحياها تحت أي وصف‏، وهذا هو الحد الأدنى الذي يعيش فيه الآدمي كما تعيش بقية الكائنات حيوانية ونباتية.


هذه الأصناف من البشر توجد في الذكور والإناث، مع الزيادة والنقص حسب الأجناس والأعمال والبيئات والحضارات والحضر والريف،‏ ومع غلبة الغفلة في الطفولة والشيخوخة، وظهور الحدة في المراهقة والشباب وخمودها في الكهولة. ‏ لكن دائما في كل جماعة بشرية تجد نسبة الذين يقدرون الفهم ويسعون إليه جهدهم قلة قليلة، بالنسبة للأغلبية الغالبة من الذين يدعونه بلا دليل، أو الذين لا يدعونه ولا يحبون ادعاءه أو الزهو به .. وهذا هو ما يحمل المتبصر علي عدم الثقة الكبيرة في المستقبل الذي تنتظره البشرية‏ !.


ولكن هل يجتمع الأمان الداخلي مع الرغبة المخلصة في الفهم، وهي تلتقي الثقة العميقة في وفاق مع اندفاق الاسئلة وتواليها وصعوبة الاجابة عنها أو استحالتها ؟ .. وهل تتأتي الطمأنينة والأمل والتفاؤل ونتائج الفهم، وما يصحبه من إحساس مروع بغموض الحياة والكون غموضا لا آخر له ؟‏! .. يبدو للمتأمل أن كلنا يمر قليلاً أو كثيراً بهذا الموقف، ومعظمنا يسلم ويستسلم لقبول واقعنا وشراء الأمن والثقة والطمأنينة والأمل، بتضحية الرغبة في الفهم إما كلياً أو جزئياً .. وفينا من يقدر علي تفادى الشعور بالخيبة، بتصور أنه أتم وأنجز فهم ما يمكن أن يفهم، وما لا يطلب من العقل أن يتجاوزه ويتخطاه.


وأن الغيوم التى يعيش البشر في ظلها منذ أن وجدوا، وراءها وضوح أزلي أبدي تام كامل الصدق والصحة، لابد أن يؤمن به كل عاقل أو ينتهي لديه كل حظه من الرؤية والفهم في هذه الدنيا أملا في رؤية أفضل بكثير وفهم أتم وأكمل بعد تركه لها وخروجه منها .. هذه الإحالة وهذا التأصيل مزيتهما إستعادة الراحة الداخلية، وصد الإمعان في محاولة فهمنا لما لا نستطيع الإحاطة به، مع إعطائنا فرصة معقولة للإبتعاد عن معتقدات العامة وتصوراتها التى لا تصمد للواقع الذي نشهده وقد نلمسه لمساً .. وهذا يبدو أنه ليس إلا حيلة ذكية من حيل العقل البشري للتغلب الوقتي علي ما يصادفه من مشاكل وعقد، ومعايشتها قد تنتهي إلي نسيانها ونسيان عبئها علي حياته وتفكيره.


بهذا ومثله يخرج الآدمي من تاريخه وتاريخ وجوده الممتد أمام وعيه وذاته، منذ أبعد آبائه إمعانا في الماضي إلي غاية غاياته من ذريته في المستقبل .. وهذا الخروج تدعو إليه الأديان كما يدعو إليه التصوف، لأنهما لا يعرفان التطور ولا يعترفان به .. ولأنهما يفترضان وجود الإنسان باستعداداته وملكاته الحالية منذ وجد آدم .. وسيظل كذلك إلي أن تقوم الساعة .. وأن ما طلب منه وكلف به في ذلك الماضي السحيق من جهد، هو المطلوب منه والمكلف به اليوم. هذه النظرة النهائية الاستاتيكية لتفكير الآدمي لا تفارق التدين ولا التصوف، ولهذا يستحيل أن يتطورا أو يتحولا، لا إلى الزيادة ولا إلى النقص، ولا يمكن أن يسأل عنه الفرد لا إيجاباً ولا سلباً .. لأنه لا يدخل في نطاق الفهم وإرادة الفهم !.

 

وينبغي ألا ننسى أن الفهم وإرادة الفهم لما نأتيه وما نتعمد ألا نأتيه، هو أصل كل مسئولية معقولة أخلاقية .. فالذي لا يفهم، ولا يمكن أن يفهم حقيقة ما يأتيه وما لا يأتيه وعواقب ذلك، لا يمكن عقلاً أن يحاسب، وإن كان إنزال العقوبة به نافعاً لمن يعاقبه أو للمجتمع .. وهو ما نفعله مع ما يضرنا أو نظن أنه يضرنا من الكائنات،‏ بل مع ما نظن أنه يستدعى إيذاءنا له في تصورنا‏.‏ ونحن مازلنا نخلط في تبرير ردود أفعالنا بين الأستجابة لمخاوفنا وبين احترامنا لعقلنا وفهمنا.


ثم نحن قد نمارس الفهم ولا نمارسه في ذات الوقت، دون أن نشعر بأي حرج أو تناقض .. لأن عقولنا تعمل مع عواطفنا تارة منصاعة، وتارة مساعدة ومعاونة، وتارة آمرة ناهية دون خوف من التعارض، وذلك نتيجة معايشتنا للعواطف معايشة متصلة حميمة منذ أن نولد إلي أن نموت.

وهذا قد يدعونا إلي ما يشاهد في معاملتنا لأقربائنا ومعارفنا، ومن نجله أو نشفق عليه، ونبذل له الرفق أو التسامح أو التواضع، ودون إمعان أو تدقيق في رد الأمور إلى العقل والمنطق وصحة الفهم واستقامته.

هكذا تبدو للمتأمل حياة الآدمي العاطفية والعقلية في مجراها، وما يحدث منها وفيها، عجيبة من عجائب الخالق عز وجل في مزجها لأمور كثيراً ما تبدو لنا متصادمة أو متناقضة، ولكنها موجودة تعمل تبعا لأغراض وحكمة قد نفهم بعضها ولكننا لا نفهم أغلبها أو معظمها‏ !!.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Advertisements

Posted on March 6, 2009, in آراء فكرية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: