حضرتو مليونير ! ها ها ها

بقلم: منير شماء

 

نعيش في دنيا كثيرة المفاجآت! وكنت في لندن، بعد أن عدت الى العمل في الـ ‘بي بي سي’، أحاول أن أمشي على ساقي أحياناً لئلا تتأذيا من كثرة الجلوس على المقاعد أثناء العمل، خاصة وأنني كنت أعمل ساعات طويلة، في المكتب وفي الدار.

وفي يوم من الأيام أبكرت في القدوم الى الإذاعة، فقضيت في طريقي، حاجة في بال مال Pall Mall ومشيت من أمام المتحف التشكيلي الوطني، متجها نحو بوش هاوس .. ورأيت بعض الرسامين ‘المفلسين’ جالسين على أرض الرصيف المحاذي لدار المتحف، وقد رسموا بالطباشير، على بلاط الرصيف، رسوما مختلفة، بعضها جميل وبعضها من نوع الكاريكاتير، وأمام كل رسام طاسة فيها بعض النقود مما يتصدق الناس على هؤلاء الرسامين الفقراء.


وطلت من جيبي بعض النقود الصغيرة القيمة ووضعت في كل طاسة واحدة، صدقة لوجه الله تعالى. ورأيت سائلا يجلس على سور الشارع الخفيض، عند هؤلاء الرسامين المساكين، وكان يلبس سترة مهترئة وسروالا قذرا وفيه اهتراء يكشف عن ركبة من ركبتيه، وعلى وجهه نظرة بؤس شديد كأنه يهم ان يبكي ولكنه يمسك دموعه ان تسيل على خديه حياء من الناس!.

وقد نما شعر ذقنه ولكنه لم يبلغ ان صار لحية، بل كان نموه لعجز المسكين عن شراء شفرة حلاقة! فوضعت في يده نصف شلن ! (Six pence) ، فما راعني الا ان تبدلت سحنته وقبض على رسغي بيد قوية وسألني: ما هذا ؟ وهو يمسك نصف الشلن بيده الاخرى ! فنهرته ان يطلق يدي، فأطلقها وسألني في أدب هذه المرة، ما هذا يا سيدي ؟ قلت له: نصف شلن ! فقال ‘ أعني … هل أنت متصدق عليّ به ؟ ‘ فأحرجني سؤاله … وقلت له ‘ ثمن فنجان شاي … ‘.

فما راعني إلا ان ضحك ضحكاً عالياً وظهر السرور على وجهه … فقلت لنفسي … لابد أنه مجنون ! وسألني ‘ أما سَمِعتَ بالمليونير الغريب الأطوار، يعني (الملحوس) ؟ … قلت كلا ! قال ‘ أما رأيت صورتي في الجرائد ؟ ‘، قلت كلا ! وحاولت أن أمضي في سبيلي وأبتعد عنه ولكنه سألني في جد ‘أرجوك أن تتريث دقيقتين ! ما هو عملك ؟’ قلت: مذيع.

فسألني: في الـ ‘بي بي سي’ ؟ قلت بلى. قال ألا تعلم أنني أستطيع أن أشتري الـ ‘بي بي سي’ !؟ عندئذ قلت لنفسي: لا بد انه مجنون … ولكن أشار اليّ أحد الرسامين المفلسين، وقال: ان ما يقوله هو عين الحقيقة ! هذا هو المليونير ‘الملحوس’ !.

عجباً ! وقال لي هذا الشحاذ … نعم ! في استطاعتي أن أشتري الـ ‘بي بي سي’ إذا أردت ! صدقني يا سيدي ! لا أدري ما أفعل بملاييني ! فقلت له: ‘ إذن … لماذا تلبس هذه الاسمال، وتقف هذا الموقف على رصيف الشارع وكأنك تستعطي الصدقات ؟’ فتأوه … وقال ‘لقد اشتريت بمالي كل ما أشتهي … حتى … اشتريت ضمائر بعض الساقطين ! … وجرّبت كل اللذائذ المعقولة … وزرت في سياحاتي، معظم بلاد العالم، شرقاً وغرباً، ورأيت من أنحاء هذه الدنيا ما لم يره غيري.

واشتريت القصور في جهات مختلفة من أوروبا وأمريكا … وزينتها بالجواهر … ولكنني عجزت عن شراء جوهرة واحدة … عجزت عن شراء السعادة ! … فتراني أحاول أن أعيش كما يعيش غيري … من الفقراء … لعل في الفقر سعادة !! ‘ قلت له ‘صدقت اذ قلت ان المال لا يشتري السعادة !! وكذب عبيد المال الذين ادعوا ان المال قادر على شراء كل شيء ! بل لعل المال قد جلب الشقاء لكثيرين من الأثرياء !.

أما السعادة الحقة الأزلية الأبدية فهي الناتجة عن حبك لله وحب الله لك !’ قال لي ‘لا تقل لي إنك من الرجال الذين يحملون الصليب ويريدون أن يفرضوه على الناس !؟ … ‘ قلت له ‘كلا … لكنني أحترم رجال الدين الذين ذكرتهم … فهم على الأقل يُذكرون الناس بأن الله أحق من المال والبشر … بالعبادة !!’ قال ‘وما دينك ؟’ قلت له ‘اذ قلت لي ما دينك أنت سأعلمك ما ديني’ قال ‘وُلدتُ مسيحياً … ولكنني أعتبر الآن نفسي بلا دين !’.

قلت لهوهذا سبب شقائك !’ قال ‘أرجوك أن تعفيني من وعظك ! فالمواعظ هي التي أرغمتني على الابتعاد عن الكنائس ! لكن … لم تقل لي ما هي كنيستك ؟!’ قلت له ‘ما لي أي كنيسة فأنا مسلم‘. قال ‘آه ! سمعت بالإسلام والمسلمين … لديكم جوامع (Mosques) بدل الكنائس ! وتقعون على الارض في صلاتكم’. قلت له ‘بلى … لكن وقتي لا يسمح لي بإعطائك محاضرة عن الاسلام. سامحني … اقترب موعد عملي ويجب عليّ أن أذهب’. قال ‘مهلاً … سامحني اذا أخرتك دقيقتين اخريين … هل دينك يفرض عليك ان تعطيني نصف شلن ؟’ قلت لهان الإسلام يفرض عليّ أن أدفع للفقراء كل عام اثنين ونصف بالمائة من ثروتي … ‘ قالهذا مبلغ معقول … خير من الضرائب الباهظة التي يسرقها مني وزير المالية كل سنة … وإذا دُفعت ضريبتكم الاسلامية الى الفقراء يداً بيد … كما فعلت أنت الآن … فهذا خير من أن تتسلمها وزارة المالية وتصرفها في أمور لا يوافق عليها أصحاب المال الذين دفعوها ‘.

قلت له ‘سامحني … يجب عليّ أن أذهب !’ قال ‘لي سؤال أخير … أين يمكنني الحصول على معلومات عن الإسلام ؟’ قلت له ‘من المركز الثقافي الاسلامي في ريجنتس بارك Regents Park … فرجاني أن أكتب له العنوان فكتبته له مع رقم التلفون … وأسرعت الخطى نحو مكتبي في الـ " بي بي سي "، في بُش هاوسBush House ، بعد ذلك اللقاء العفوي والنقاش الغريب !.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on March 11, 2009, in كتابات إجتماعية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: