أستاذان من فلسطين

 

أستاذان من فلسطين

سمير عطا الله

 

كان كلاهما أستاذاً جامعياً استثنائياً في الآداب: واحد في الأدب الانكليزي المقارن، والآخر أستاذ الآداب العربية. كلاهما درَّس في جامعة أميركية مهمة، الأول في كولومبيا، نيويورك، والثاني في جامعة بيروت. وكلاهما، من قلب الجامعة الأميركية، حمل الحلم الفلسطيني والحلم القومي في قلبه وفي عقله وفي عطائه.

كنت شديد الإعجاب بالدكتور إدوارد سعيد، كاتباً ومحاضراً، لكن دوما عن بعد. فقد كان في شخصيته الآسرة طرف عجرفة شبه متعمدة، وأنا أعاني، منذ الولادة، من حساسية مرضية حيال المختالين. وكنت شديد الإعجاب بالدكتور محمد يوسف نجم، وخصوصا بتواضعه الأكاديمي. وكنت أشعر بمتعة شديدة وخوف شديد عندما يطلبني، لأنني أدرك أنني ارتكبت خطأ في حق شعر أو شاعر، سوف يؤنبني عليه. فلم تكن له ذاكرة «أستاذ الشرف»، بل ذاكرة الأستاذ المشرف.

كرس شبابه للتعلم والتعليم. وعلى علمه تخرجت أجيال كثيرة. لكنه كرس حياته للمساعدة في تعليم طلاب فلسطين. عاش لهم وعاش بينهم بكل محبة وتكريس. ومن مكتب متواضع في رأس بيروت، كان يعمل للبحث عن أي منحة في أي مكان من الأرض لأي شاب فلسطيني محتاج ومستحق. وكان يفرض عليَّ بلغة الآمر المحب، الاتصال بعدد من الشخصيات العربية كل عام، بحثاً عن مساهمات إضافية. فقد كانت لديه قناعة لا تغلب، بأن الصراع مع إسرائيل هو صراع حياة لا صراع موت، وصراع علم وتفوق وتميز وبقاء واستمرار.

كان محمد يوسف نجم تاريخاً طويلاً من الانشغال بالعلم. خدم في سلك اللغة، وخدم في سلك المسرح، وتفوق في البحث الأدبي، وترك منذ بداياته آثارا موازية لعطاءات شوقي ضيف، وشاكر مصطفى، وإحسان عباس، وكبار المشتغلين في تطوير المناهج والتنقيب الحضاري في التراث.

مثل إدوارد سعيد، كان يبحث، ويعثر، على ظلال النضال في كل مكان. وكان يعتقد أن الفنون تبلغ عقول الناس وقلوبها مثل لمعة الشهب. تحفر ولا تنسى. وكان في ظنه ـ وإدوارد سعيد ـ أن أم كلثوم أدت للقضية القومية أكثر من أي فرقة أو لواء عسكري.

عندما بلغت الراقصة تحية كاريوكا الخامسة والسبعين، ذهب إدوارد سعيد إلى زيارتها في القاهرة، ووضع مطالعة مطولة في مسيرتها الفنية. ولم يتردد لحظة واحدة في الإشارة إلى الجزء السياسي من حياتها «بالعمل النضالي الطويل». وكان محمد يوسف نجم، يعرفها من سنوات عمله في مصر، فقلت له يومها «ماذا حدث لإدوارد سعيد ؟ ما حكاية نضال تحية ؟» ورد بالحدة التي لم تفارقه: «هذا هو الفارق بينك وبينه. فارق الجهل والمعرفة».

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on March 20, 2009, in آراء فكرية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: