عودة الوعي

بقلم: د‏.‏ هالة أحمد زكي

 

هي حالة خاصة ‏..‏ ثورة كان يمكن أن تسكن كتب التاريخ، بوصفها مجرد ثورة حدثت في تاريخ مصر الذى لا يمكن تحديده، إلا أنها عاشت بكل تفاصيلها الخاصة والدقيقة‏.‏ وبعد مضي تسعين عاما نجد الكثير من التفسيرات حول ثورة ‏1919‏، ربما لم تحظ ثورة مصرية أخرى بمثله، فنجيب محفوظ علي سبيل المثال يشير الي سعد زغلول في ثلاثيته الشهيرة، التى دارت أحداثها في حي الحسين (رضي الله عنه)، فينجح في تصوير التطور الذي شهده المكان صاحب المكانة الدينية، والذى أصبح فيما بعد صانعاً ومحركاً لثورة ‏1919‏ التى تعتبر أكبر ثورة ليبرالية في الزمن القريب‏.‏

 

ولا يتحرج نجيب محفوظ من أن يصف سعد زغلول بأنه شخص حمله المد الثوري،‏ وهو الوصف الذى وان كان قد اختفي من بعض طبعات كتبه، إلا أنه يعتبر اشارة واضحة الي ذلك التدفق الوطني الذى تملك المصريين وقتها رغم كونه من محبي سعد زغلول الذى كانت ثورية المصريين متعلقة بأفكاره.

 

وأما توفيق الحكيم، على الجانب الآخر، كتب عودة الروح كرواية مصرية تدور أحداثها في حي السيدة زينب (رضي الله عنها)، حيث تعيش أسرة يطلق أفرادها علي أنفسهم اسم الشعب، وهى قصة حب هادئة تعبر عن الاطار الاجتماعي في هذه الفترة بطلها محسن، الذى يحمل الكثير من ملامح الحكيم، ويقع في حب جارته سنية، وهو الأمر الذي يتكرر مع أفراد أسرته، إلا أن سنية (المحبوبة) في النهاية ترضى بالزواج من جار آخر، وقعت في حبه هو مصطفى، بينما يقرر محسن وبقية الشعب أو الأسرة، الانتماء الي حب أكبر وهو حب الوطن الذى تأكد مع الثورة.

 

ويبدو توفيق الحكيم في روايته مصراً على ربط أحداث الرواية بالجذور الفرعونية لمصر‏,‏ فأمة أتت في فجر الانسانية بمعجزة الأهرام، لن تعجز عن الاتيان بمعجزة أخرى. فهكذا يختلف التفسير لدى كل من نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم حول استلهام حقيقة النهر الذي تدفق منهمراً على أرض مصر؛ فنجيب محفوظ يربطه بالجذور الشعبية المرتبطة بمنطقة الحسين بكل روحانياتها الدينية، في الوقت الذي يعتقد فيه توفيق الحكيم ان عودة الروح والوعي المصري مرتبطان بهذا الفلاح الذى لا يختلف في القليل أو الكثير عن جده الفلاح الذي عاش في العصر الفرعوني وصنع حضارة مصرية لم يشهد لها العالم مثيلا‏.‏

 

ورغم هذا الاختلاف بين الكاتبين، إلاّ انهما في رأيي يسيران علي الطريق الصحيح،‏ فما لا يختلف عليه التاريخ ان المقدمات السياسية والاجتماعية التي تعرفها مصر في أي فترة تكون غالباً هى الأصل، وهى التي تعني وجود تيار من الوعي المتألق ـ ان صح التعبير ـ بين أهل هذه البلاد.


ولهذا تعتبر ثورة 1919 خير دليل، فعندما توطن الإحتلال البريطاني في بر مصر، لم يكن الناس نياماً كما يحلو للبعض ان يتصور‏.‏ فهناك منحة ليبرالية استقلالية وهبت لمصر في كل أزمانها‏، وفي هذا التوقيت كانت هناك نقابات عمالية وموجة اشتراكية كما أشارت د‏.‏ لطيفة سالم؛ ظهرت في كتابات شبل شميل، ونقولا حداد، وإسماعيل مظهر، وسلامة موسى، وجمعيات نسائية، وحركة مسرحية تنتقد الأوضاع القائمة علي ايدي جورج أبيض، وسلامة حجازي، وعكاشة، والريحاني، والكسار، ومنيرة المهدية، وعزيز عيد.

 

وهو ما يعنى أن الحياة في مصر كانت منتعشة، وهو الأمر الذي يتكرر في كل العصور، فلم يحدث أن جاء علي مصر حيناً من الدهر كانت فيه خامدة، فهناك حراك مصري كبير، ربما أغفلته بعض كتب التاريخ‏.‏ إلا أن الذى يحدث ان تحسب أوقات للمصريين أكثر من غيرها، وهى الفترات التي يستوعبون فيها ما يحدث في الخارج من أفكار، ثم يحولونها الي شراب سائغ مصري خالص ليلعب المناخ الإجتماعي المنفتح دوره وهو الذي يميز بين المصريين وغيرهم.


فربما حظيت ثورة ‏1919‏ بكل هذا الاهتمام لمواكبتها حركة أدبية وفنية ناجحة، فسرت لنا ماحدث مع المصريين، وربما لأنها أكثر حركة مصرية وظفت المنحة الليبرالية الاستقلالية التي تميز مصر، والتى تجعلها تحتفظ بذاتها دون وقوع في شرك اليمين أو اليسار.

 
فهذه ببساطة الوصفة المصرية التي تجعل الليبرالية تعنى انفتاحاً علي الجذور، ومحاولة تفسير ما يحدث تبعا للثقافة والموروث المصري، ولهذا نتفق مع نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم في رؤيتهم للشخصية المصرية التي تنجح عندما تصبح بالفعل مصرية ومرتبطة بهذا البلد ‏..‏ ولننتظر عودة الوعي المصري من جديد‏.

 


تعليق من صاحب الموقع:

قد أتفق مع الكاتبة في معظم تحليلها حول حراك الشارع المصري ودوره الرئيسي فى صنع ثورة 1919، وليس كما يتراءى للبعض بأنها صنيعة زعيمها سعد زغلول، الذى ـ فى واقع الأمر ـ حولته تلك الثورة (الشعبية) لرمز تاريخي لها، يعكس عملية تفاعلها وإنبثاقها فى تلك الفترة ـ من تاريخ مصر الحديث ـ الحافلة بإنتشار الوعى السياسي بين أفراد شعبها.

لكنني لا أتفق مع الكاتبة فى تصوير الإسقاط النفسي فى فكر الكاتبين نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، الذى صوراه لنا، من خلال ثلاثية الأول ورواية عودة الروح للثاني ـ المشار إليهما فى المقالة أعلاه ـ بإن الثورة المعنية جاءت نتيجة تماس جذور وموروثات المجتمع المصري مع مد التيار الليبرالي.

إن المجتمع المصري فى هذا الصدد، لا يملك تركيبة مختلفة فريدة بنوعها عن بقية المجتمعات الإنسانية الأخرى ـ كما تحاول الكاتبة الإيعاز به فى مقالها المنوه عنه ـ  بغض النظر عن إنتماءه التاريخي للحضارة الفرعونية.

وذلك لأنه لم يبق فى وجدان الشعب المصري من موروثات الحضارة الفرعونية، إلاّ بعض العادات والمراسم البسيطة التى لا يتأثر بها فكر الفرد المصري فى خضم معترك الحياة التى يواجهها كل يوم وآخر. فقد تشكلت عبر الآف السنين المتواترة سمات فكرية وعقيدية أتت بها الحضارات التى أعقبت زوال الحضارة الفرعونية عن أرض مصر، والتى كان ختامها سيادة الحضارة الإسلامية.

والمعنى هنا، أن الشعب المصري كسائر شعوب الأرض الأخرى يتأثر ويتفاعل مع الثقافة السائدة، التى يتشربها وجدان أفراده فى اللحظة التاريخية قيد الدراسة والتحليل. وما حدث فى مصر إِبَّان إندلاع ثورة 1919 جاء نتيجة لوعى شرائح معينة من شعبه بقضية وطنهم، التى أحياها فى عقولهم ثلاثة عوامل، ليس من بينها الموروثات الثقافية للحضارة الفرعونية المندثرة.

هذه العوامل يتمثل أولها، فى الوعى الفكري الذى أطلق الإنفتاح الثقافي عنان إنتشاره على تيار الفكر الغربي (المنتعش) فى تلك الحقبة الذهبية. وثانيها، إنتشار وعى الإنتماء الوطني فى وجدان أفراد المجتمع المصري، الذى أحياه سيطرة الإحتلال الأجنبي على البلاد. وثالثها يتمثل فى إنتشار الفساد الذى ساد تحت سقف أقبية الحكم فى تلك الفترة الزمنية.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on March 23, 2009, in آراء فكرية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: