قرآن وسنة

قرآن وسنة

حق الوالدين في البر

د. عبد الله النجار

 

حق الوالدين في البر من أبنائهما كفيل بأن يقيم نظرية متميزة في منظومة الحقوق الشرعية، التى لا توجد إلا في التشريع الإسلامي، ولو أن المعنيين بالتشريع في أوروبا وأمريكا، قد تنبهوا لتلك النظرية وفهموها  لاستطاعوا أن يعالجوا كثيراً من مشكلاتهم التشريعية التي يتوقف حلها علي فهم ما قرره الإسلام للوالدين من بر ألقي تبعته كاملة علي أولادهما. ويبدأ أول خيط في تلك النظرية بقول الله تعالي: "وقضي ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً". وبقوله تعالي: "أن أشكر لي ولوالديك إليّ المصير".

فجعل الله بر الوالدين مقارناً لحقه سبحانه في شكر عباده وقيامهم بواجب العبودية له. كما جعل نقيض البر وهو العقوق مقارناً لنقيض حقه في الشكر والعبادة. وهو الشرك والعياذ بالله. وهذا الاقتران في الطلب يدل علي تساوي الحقين في المنزلة. حق الله في العبادة. وحق الوالدين في البر. ذلك ما قرره الله في كتابه وسنة نبيه الخاتم.


ومن خصائص حق الله. أنه حق متفرد لا يقابله واجب عليه سبحانه. فليس للعباد ما يلزمه بأن يعطيهم مقابل قيامهم بعبادته. أو الوفاء بحقوقه. لانه هو القاهر فوق عباده. وهم لا يملكون أمام قدرته ذرة من طاقة. ولهذا فإنه إذا أثابهم فبفضله. وإن عاقبهم فبعدله. فإن عبادتهم له لو استغرقت كل لحظة من عمرهم ما استطاعوا أن يوفوا ربهم ذرة مما أنعم به عليهم من النعم التي لا تحصي ولا تعد. ومن مأثور الدعاة: اللهم عاملنا بالإحسان لا بالميزان. وبالفضل لا بالعدل. يقول النبي صلي الله عليه وسلم : "لن يدخل أحدكم عمله الجنة. قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته". فأشرف الخلق ونبي الله الخاتم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لا ينتظر دخول الجنة إلا بفضل ربه ورحمته. وهو أحسن المخلوقات عملاً وطاعة لربه. فما بالنا بمن هم دونه ؟.

 
وحق الوالدين في البر يجب لهما مطلقاً دون مقابل يرجوه الولد منهما. ولا يجوز أن يكون هذا البر متوقفاً علي عطاء. أو مرتبطاً بامتناع. فالأب إذا كان كافراً بالله لا يجوز غمط حقه في البر والصلة والصحبة بالمعروف. وكذلك الأم. بل إن الأب لو كان كافراً وجاهد ولده علي أن يكفر بالله مثله. لا يجوز للابن أن يمنع بره. وعليه أن يصاحبهما في الدنيا معروفاً وهذا ما يفيده نصاً قول الله تعالي : "وإن جاهداك علي أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً".

وليس بعد الكفر ذنب يقتضي العقوق. فإذا حرم فيه يحرم فيما دونه من باب أولى، وإذا امتنع عطاء الأب ووجب بره مع ذلك بأمر الشارع. فمن الذي يوفي الأبن مقابل هذا البر في الدنيا ؟ لقد جرت سنة الله في خلقه أن تجيب عن ذلك. فقبض لمن يبر أباه ولدا من صلبه ببره في دنياه. وهذا معني حديث النبي صلي الله عليه وسلم : "بروا آباءكم يبركم أبناؤكم". فمن يبر أباه لا ينتظر منه مقابلاً. بل ينتظر هذا المقابل من الجيل القادم خلفه. فيكون ما يقدمه الأبناء لآبائهم حق مدخر لهم عندما يصلون إلي الكبر والضعف. فيكون حقهم هذا حقاً "تداولياً". وليس حقاً تبادلياً يدفعون فيه الثمن ويأخذون الثمن كما في العقود المالية. إن الحق التداولي هو أساس فكرة التأمين الاجتماعي بين الأجيال المتعاقبة.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on March 28, 2009, in كتابات دينية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: