خواطر حول أثرهما الجميل .. عربيان بهيان من أفريقيا

خواطر حول أثرهما الجميل

عربيان بهيان من أفريقيا

سمير عطا الله

 

لا أدري ما هي وجوه المقارنة الأدبية، لكنهما كانا، بالنسبة إليَّ، متشابهين على نحو لا أستطيع تحديده إلا من رؤية شخصية، أو بالأحرى رؤية شخصانية حميمة، مشاعرية، وليس فيها شيء من الموضوعية المفترضة، أو المزعومة في النقد. كان كلاهما من بلد هو أبعد البلدان عن بلدي. واحد، وُلد في سوق الحشيش في بنغازي.

وواحد ولد في إحدى قرى النيل. كلاهما هاجر إلى أوروبا ليكمل دراسته. وكلاهما مات مريضا فيها. واحد في جنيف، على ضفاف البحيرة التي أحبها. وواحد في لندن، على ضفاف التيمس الذي أحب. كلاهما تزوج أوروبية. الأول، فنلندية، رُزق منها بأولاد، لكنها بقيت في هلسنكي فيما عاد هو إلى بلده ليهاجر منه. وبقي أولاده في هلسنكي أيضا. وكل ما كانوا يعرفونه عن والدهم، أنه رجل عظيم وجميل وباهر وأن الناس في بلاده تهوى كتاباته.

الثاني، تطبعت زوجته بطباعه وطباع بلده وتعلمت كيف ترمي قرنا إضافيا من الشطة على صحن الفول. وأدرك أولاده أن الأب ليس رجلا شهيرا فحسب، بل هو أيضا رجل منخرط، ملتزم، يحب جلدته وبشرته ولا يضايقه شعره الأجعد الذي يبدو مثل عمامة سرية تحت عمامته البيضاء.

الأول سألته صاحبة الغرفة التي استأجرها في ألمانيا: «ما هذا الذي على رأسك؟». وقال في أدب جم: «هذا الذي على رأسي يا سيدتي هو شعري». فاعترضت الألمانية البدينة بكل جدية: «لا. لا. هذه مكنسة». فقال ضاحكا في وداعته: «كيف لم أنتبه إلى ذلك كل هذا العمر؟».

كان كلاهما وديعا، على نحو غير مألوف. وكان كلاهما واسع الصدر بلا حدود، ووسيع الآفاق، والثقافة، بلا أي حد. وكان كلاهما ساحر الحضور، آسر الحديث، تعابيره في الكلام في ثراء تعابيره في الكتابة، حماسي وطيب ومحب ومتسامح وقلبه في عينيه الإفريقيتين وفي ضحكته الملازمة، كأنما هو مغنٍّ. وضحكته جوقته.

لم أكن أعرف كم أحب الصادق النيهوم إلى أن أدركت أنني بعد ذلك اليوم سوف أذهب إلى جنيف ولن أجلس لأصغي إليه يتحدث في الفلسفة وأريك فروم وسقوط العالم العربي والأدب الألماني المقارن. ولم أكن أعرف كم كنت أحب وأقدر الطيب صالح، إلى أن غاب.

ومنذ سنوات وأنا أعيد قراءة كتب الصادق، وأحملها معي بديلا للأدوية وبديلا للأغاني وكشيء من صور العائلة. وقد زادت حمولة حقيبتي بعد غياب الطيب صالح. بلح من بنغازي ومسك من كردفان. العطر الأنبل في ليبيا والسودان.

لم ينتم الصادق النيهوم في ليبيا إلى أحد، وإنما أثار حول نفسه إعصاراً لطيفاً من الشغف الثقافي. غاص في الأعماق في عالم عربي مسطح. أحب مغنية أميركية تدعى جوان باييز لأنها غنت للعدالة. وأحب ستيفن بيكو ونيلسون مانديللا. وأحب الكتب وجعلها حياته ومثواه.

ومثله ظل الطيب صالح خارج كل الأطر والمربعات والمثلثات والمستطيلات الضيقة والخانقة. وفوق هودج من الكتب ترحل في الروح وفي الجسد. وحاول، ليس أن يصلح السودان، بل أن يكون إصلاحياً فيه. في كتابه «وطني السودان» نقرأ رحلة الطيب صالح الطويلة مع الخيبة الكبرى.

اقرأ ما كتب قبل ربع قرن وكأنه يرسم صورة اليوم: «إن العلاقات بين الأمم ليست لعباً وشطارة، ولكنها بشر يتعامل مع بشر، وعقول تحاور عقولا، ومصالح تعطي وتأخذ، وحضارة تلاقي حضارة». يتساءل أين ذهب السودان الذي مضى، الذي كان فيه «خدمة مدنية يضرب بها المثل في الكفاءة والنزاهة، ونظام تعليمي بني على أسس متينة، ومعهد للتربية في بخت الرضا، ليس له نظير في أفريقيا باستثناء مصر».

لا يطيق الطيب صالح أن يأتي سوداني عملا لا يليق بصورته وسمعته. وعندما يتحدث عن سقوط جعفر محمد نميري يقول: «كان يظن أنه يحسن صنعاً. كان سودانياً كسائر السودانيين. الذين يعرفونه يقولون إنه رجل دمث وديع خجول. وهو أمر يبدو غريباً في إنسان ضرب جزيرة أبا بالقنابل وشنق عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ، وقتل صديقة الحميم الذي مكن له في الحكم، فاروق حمدنا الله، وقتل الرجل الشيخ محمود محمد طه. إنه حتماً لم يرد شيئاً من هذا أن يحدث. ولكن هذه الأمور تبدأ صغيرة ثم تكبر، وشيء يقود إلى شيء، فإذا بالرجل الوديع الخجول يتحول إلى سفاح».

ثم يستدرك قليلا، واضعاً كل اللوم على شهوات العسكر: «لو أن أخانا جعفر محمد نميري لم يذعن لذلك الإغراء الفتاك، إغراء المجد والخلود، ولم يستيقظ مبكراً ذلك اليوم بالذات ولم ينتزع الحكم من أهله، لعله كان ينتهي به الأمر قائداً للجيش ثم يتقاعد قرير العين».

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on April 10, 2009, in كتابات أعجبتني. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: