(I) الأعيب النسور فى أروقة القصور

الأعيب النسور فى أروقة القصور

الجزء الأول

 

v   " السلام عليكم أيتها الغربان " . قال أحد الرجال الثلاثة رافعاً يده محيياً غرابين كانا يقفان فوق غصن إحدى الأشجار المتناثرة تحت سفوح الجبال.

 

o       " وعليكم السلام " . قالت الغربان فى صوت واحد رداً على تحية الرجل.

 

v   " اننا نتساءل أن كان فى امكانكم ان تدلونا أين نجد مكان … ".

 

o       " مكان النسور، اليس كذلك ؟ ". قال أحد الغربان للرجل قبل ان يتم سؤاله.

 

قال الرجل مستعجباً:

v   " كيف عرفت اننا نبحث عن مكان النسور ؟ ".

 

أجاب الغراب:

o       " انكم لستم أول الاشخاص الذين يطرقون هذا المكان سعياً وراء النسور، فقد اعتدنا أن نرى من وقت لآخر بعض السائلين عن النسور من بنى جنسكم، لذا فان الأمر أصبح معتاداً بالنسبة لنا. لكنكم لم تحددوا أياً من النسور ترغبون فى رؤيتها، فكما تعلمون هناك العديد منها على قمم هذه الجبال، فكل نسرٍ له منهجه المختلف عن الآخر، ولذا فهم موزعون أنفسهم على الجبال، يستقبلون مريديهم كلاً بحسب رغبته فى اتباع النهج الذى اختاره ".

 

v   " نعم، اننا نبحث عن ذلك النسر الطيب الملقب بشيخ النسور، أتعرف بأي جبل يقيم ؟ ". قال أحد الرجال الثلاثة.

 

o       " بالتأكيد، فلا يوجد أحد هنا لا يعرف مكان شيخ النسور، أنه يعيش بمغارة فى أعلى الجبل الثالث على اليمين ". قال أحد الغرابين مجيباً على سؤال الرجل.

 

v   " أشكرك أيها الغراب الكريم ". قال الرجل.

 

o       " العفو أيها السادة، احترسوا عند تسلقكم الجبل فأنه يُعد من ضمن مجموعة الجبال الوعرة فى هذه المنطقة، حظاً سعيداً ورافقتكم السلامة ". قال الغراب للرجال وهو يودعهم.

 

ولم يكد الرجال يبتعدون قليلاً عن مكان الغربان، حتى لكز الغراب الواقف على الجانب الأيمن من غصن الشجرة كتف زميله الواقف على الناحية اليسرى وقال له:

 

o       " انه دورك هذه المرة لتُبلغ شيخ النسور عن زائريه، فأنا كان دورى ليلة البارحة عندما بلغت عن الخمسة رجال الذين قصدوا مقر النسر الأحمر رئيس رابطة الهضاب الشعبية ".

 

§       " لماذا لكزتني يا غراب البين ؟ كان يكفى ان تطلب مني ما تريد دون الحاجة لاستعمال جناحيك، متى تتعلم أيها الهمجي كيفية التعامل باسلوب حضاري ". قال الغراب الواقف على الناحية اليسرى من غصن الشجرة للغراب الواقف على الناحية اليمنى.

 

o       " آسف أيها الجنتل، اننى كثيراً ما أفعل ذلك حباً فيك وفى لونك الأسود .. ههههه ". قال الغراب الواقف على الناحية اليمنى من غصن الشجرة.

 

§       " حسناً لاتكرر ذلك مرة ثانية ان كُنت فعلاً مفتوناً بلوني الأسود. سأذهب لأُبلغ شيخ النسور بأمر الرجال الذين يريدون رؤيته وسأرجع لك فى الحال ". قال الغراب الواقف على الناحية اليسرى من الشجرة.

 

طار الغراب فى اتجاه الجبل الثالث على اليمين، وعندما وصل بمحاداته، حلق عالياً قرب قمته، وحام حولها حتى رأى فتحة المغارة التى يقطنها شيخ النسور، وأخذ ينعق بصوتٍ عالٍ حتى خرج عليه من فتحة المغارة الجرذ الذى اتخذه النسر مساعداً له، فقال الغراب للجرذ:

 

§       " أبلغ الشيخ ان هناك ثلاثة رجال فى طريقهم إليه "، ثم همس الغراب لنفسه بصوت غير مسموع وهو يطير عائداً فى اتجاه شجرته: " تباً لهذا الجرذ القذر ، كم أكره الجرذان، لم يجد هذا الشيخ من يتخذه مساعداً له سوى هذا الفأر الملعون ".

 

دخل الجرذ المغارة وقال للنسر الجالس على أريكة جلدية فاخرة طاوياً قدميه تحته ومستغرقاً فى مشاهدة التليفزيون الذى أمامه:

 

v   " لقد أتى الغراب القبيح ليبلغك بمقدم ثلاثة رجال أيها الشيخ الوقور ".

 

v   " انه فيلمُُ مشوق ورائع، انني لا أعرف كيف تمكن هؤلاء السينمائيون من تجسيد هذا الكم من الاحداث الخيالية فى صورة مجسدة تخالها انها حقيقة واقعة، لاشك أنهم على قدر كبير من التقدم يستطيعون معه عمل كل مايحلو لهم ومايرغبون فيه، الست معي فى ذلك أيها الجرذ الحكيم ". قال النسر كلامه هذا دون ان يرفع بصره من على شاشة التليفزيون الذى امامه.

 

v   " سيدى .. هناك ثلاثة رجال فى طريقهم إلى هنا، لقد أبلغني الغراب لتوه بقدومهم، الا تظن انه من الانسب أن نستعد لهم ". قال الجرذ للنسر المستغرق فى مشاهدة التليفزيون.

 

v   " أعلم أيها الجرذ فقد سمعت ماقلت من أول مرة، فلا تقلق، فهناك متسع من الوقت، ان تسلق الجبل يأخذ من البشر وقتاً طويلاً، ومع ذلك جهز لنا عدة الشغل، وأطفىء هذا التليفزيون، وأطلق البخور، ولاتُكثر من الجاوي كما هى عادتك، وأُحضر لي الجلباب الأخضر والعمة البيضاء، ولا تنسَ مسبحة العنبر، وناولنى المصحف، ستجده فوق المنضدة التى فى غرفة المكتب ".

 

قال النسر ذلك ثم قام نحو الخِزَانةُ التى تتوسط الحائط المقابل، وفتح أحد الأدراج السفلية، وأخرج منه زجاجة قطرة غسيل العيون، ثم عاد ليستلقى على الأريكة، وأمسك بالزجاجة ووضع بعضاً من القطرات فى عينيه.

 

دخل الجرذ حاملاً بين يديه مبخرة ومسبحة ومصحفاً، ناول المسبحة والمصحف للنسر، ووضع المبخرة فوق منضدة صغيرة قريبة من الأريكة التى يجلس عليها النسر، والقى بحفنة من البخور فى المبخرة، ثم اتجه إلى احدى غرف المغارة، وغاب فيها بعض لحظات، ليعود مرة أخرى حاملاً جلباباً أخضر اللون وعمة ناصعة البياض، ناولهما للنسر الجالس فوق الأريكة، فقام النسر من جلسته وارتدى الجلباب ووضع العمامة فوق رأسه، واتجه نحو غرفة نومه ووقف أمام المرآة التى تُزين دولاب ثيابه، وأخذ يصلح من هندامه، ويضبط موضع العمامة على رأسه، ثم أمسك باحدى زجاجات العطر المرصوصة فوق التَّسْرِيحَةُ المقابلة لسرير نومه، ورش  كمية من العطر العبق الجميل على ثيابه ووجهه ويديه، وخرج من غرفة نومه إلى غرفة الجلوس، ليجلس على أريكته المفضلة، وأمسك بالمصحف المسجى على جانب الأريكة ودس المسبحة بين أصابع يده اليسرى، ثم أخذ يُقلب فى صفحات المصحف سريعاً، حتى وصل لموضع معين كان قد ترك فيه ورقة صغيرة كى تحفظ له مكان الآيات التى يرغب فى العودة إليها. فتح النسر المصحف على الصفحة التى خلف فيها ورقته وقال للجرذ:

 

v   " انك تعلم مايجب عليك عمله الآن ".

 

v   " نعم يا سيدى، سأقف على باب المغارة لأُراقب وصول الرجال، وعند اقترابهم من باب المغارة، أُبلغك بمقدمهم لتشرع فى قراءة القرآن، اليس ذلك ماتعنيه ياسيدى ؟ ". قال الجرذ للنسر.

 

v   " نعم، نعم ". قال النسر ذلك ثم أمسك بالريموت كونترول الخاص بالتليفزيون وضغط على زر التشغيل.

 

وبعد مضى ثلاثين دقيقة دلف الجرذ إلى المغارة مسرعاً، ليبلغ النسر بوصول الرجال، فما كان من النسر إلا أن ضغط على زر اطفاء التليفزيون، وبسرعة أعاد الريموت كونترول إلى المنضدة التى أمامه، ثم أمسك بالمصحف المفتوح على الآيات التى يريد قراءتها، وماهى إلا لحظات حتى دخل إلى المغارة الرجال الثلاثة، وفى نفس اللحظة كان النسر قد غمس نظره فى المصحف وبدأ يرتل الآيات التى أمامه:

 

v   " الشيطانُ يَعِدُكُمُ الفَقرَ وَيَأمُرُكُم بِالفَحشَاءِ واللَّهُ يَعِدُكُم مَّغفِرَةً مِّنهُ وَفَضلاً وَاللَّهُ وَاسِع عَلِيمُُ، يُؤتِى الحِكمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِىَ خَيراً كَثِيراً وَمَايَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُواْ الأَلبَابِ .. " صدق الله العظيم، قالها النسر وهو يطوى المصحف الكريم قاطعاً قراءته رافعاً بصره نحو الرجال الثلاثة الذين بادروه بالتحية:

 

§       " السلام عليك أيها النسر الطيب ". قال أحد الرجال الذين دخلوا مغارة النسر ورددها الآخرون وراءه.

 

v   " وعليكم السلام والاكرام ". قال النسر رداً على تحية زائريه. " تفضلوا بالجلوس ، مرحبا بكم .. أهلاً وسهلاً ".

 

جلس الرجال على المقاعد الوثيرة الموزعة على جانبى الأريكة التى يتربع عليها النسر، وقال أحدهم موجهاً كلامه للنسر:

 

§       " نحن فى الحقيقة .. ".

 

v   " اننى أسف على مقاطعتك، ماذا تشربون ؟ ". قال النسر.

 

§       " لايهم، فلا تكلف نفسك .. " قال أحد الرجال.

 

v   " لا يمكن ، لابد ان تشربوا شيئاً، مارأيكم فى بورتيللو أو رانجاتا باردة،  فبعد المسافة الطويلة التى قطعتموها فى هذا الحر الشديد، ومعاناتكم فى تسلق الجبل ومشقته فأظن انكم فى أمس الحاجة إلى مشروبات باردة ". قال النسر ذلك وصاح مناديا على الجرذ، وماهى إلا لحظة حتى كان الجرذ حاضراً أمام النسر .

 

v   " نعم يا سيدى ". قال الجرذ للنسر.

 

v   " أحضر لنا أربعة زجاجات بورتيللو ورانجاتا من الثلاجة، ولا تنسَ أن تحضر بعضاً من البيتى فور والكعك والمقروض ". قال النسر للجرذ.

 

هز الجرذ رأسه بالايجاب وعاد ادراجه إلى المطبخ. التفت النسر إلى الرجل وقال له:

 

v   " تفضل ، لقد كُنت تريد ان تقول شيئاً، أكرر أسفى على مقاطعتك ".

 

§       " لاعليك، ساحاول ألا أُطيل عليك ياشيخ النسور، أنك كما تعلم، فإن الأوضاع فى الامبراطورية التى يحكمها التماسيح تردت إلى مستوى لايتصوره أو يتخيله عقلٌ، ولم يعد هناك أحدا من مواطني الامبراطورية بشقيهم البشر والأرانب، يطيق صبراً على هذه الحالة المزرية التى وصلت إليها البلاد. وكما تعلم، فإنه لم يعد لنا من أمل سوى ما تركه الأجداد من تراثهم التعليمي، والذى يرى ان خلاص المواطنين من التماسيح، والقضاء عليها يتبلور فى مدى قدرتهم على التحول إلى أسود، لأن التماسيح تخاف الأسود، وترتعد فرائِصُها منها. لهذا فقد أتينا إليك أيها النسر العظيم أملين فى الحصول على عونكم ومساعدتكم فى الخلاص من حكم التماسيح، فنحن نعلم بمقدار كرهكم لها وتمنيكم الخلاص منها مثلما نحن نتمنى ذلك ". قال الرجل للنسر .

 

وبينما كان النسر يهم بالكلام، دخل الجرذ يدفع أمامه عربة صغيرة على هيئة منضدة محملة بأطباق عليها أصناف الحلويات التى طلبها النسر وأربعة زجاجات من المشروبات الباردة، بجانبها أربعة أكواب من الكريستال الفاخر ومجموعة من مناديل الورق الفاخر.

 

v   " تفضلوا أيها السادة الكرام ". قال الجرذ للرجال، بعد ان وضع العربة بينهم واستدار فى طريقه إلى المطبخ.

 

v   " تفضلوا ". قال النسر مشيراً للحلويات والمشروبات التى أحضرها الجرذ.

 

§       " شكراً ". قال الرجل الذى كان يُحدث النسر، ومد يده إلى إحدى زجاجات البورتيللو وناولها للنسر ثم كرر ذلك مع زميليه.

 

v   " شكراً ". قال النسر للرجل بعد ان أخذ زجاجة البورتيللو منه، ثم أستطرد قائلاً: " اننا نحن معشر النسور، نحب الخير للجميع، ونعمل على مساعدة الجميع، نحن نعلم بمأساتكم، ونتألم من أجلكم، ونرغب فى مساعدتكم للخلاص من محنتكم. اننا نكره التماسيح، ونكره طيور الرخ، لكن حمداً لله ان الرخ قد انقرض وانضم لأجيال الحيوانات المندثرة مثل الديناصور والتنين .. ". توقف النسر هنيهة لبلع قطعة من المقروض.

 

أستطرد النسر قائلاً:

v   " لقد شاءت الأقدار أن تكون التماسيح ضمن الحيوانات التى كُتب لها البقاء. حيث حالفها الحظ ولم تنقرض، وساء بذلك حظ مخلوقات الأرض الأخرى، التى كُتب لها أن تعاني على مر العصور من جبروت ظلم التماسيح وإستبدادها، فهاهى تطرح بيضها وتُخلف صغارها، وتعيث فى الأرض فساداً. نحن لا نخاف التماسيح، فهى لا تستطيع ان تمسنا بسوء، فالله منحنا قدرة الطيران، نحن بمنأى عن شرها، لكننا معشر النسور نكره التماسيح ونتمنى زوالها، هل تعرفون لماذا أيها الرجال ؟ لأنها آذتكم، ونهبت أرضكم، واستحوذت على ثرواتكم، وهتكت أعراضكم، وتعدت على حرماتكم، فنحن نكرهها من أجلكم، ومن أجل مافعلته بكم ".

 

§       " لهذا السبب نحن هنا أيها النسر الطيب، نسأل مساعدتكم فى القضاء على التماسيح وتحرير البلاد من طغيان ظلمها ". قال الرجل للنسر.

 

v   " ليست هناك أية مشكلة، فنحن على اهبة الاستعداد لتقديم العون لكم. لكن عليك أولاً أن تشرح لي خطتكم التى تنوون القضاء بها على التماسيح، وما هو الدور المطلوب منا لمساعدتكم فى ذلك ؟ ". قال النسر هذا، ومد يده الطويلة نحو طبق المقروض وأخذ منه قطعة وضعها فى داخل فمه ثم بلعها دون ان يكلف نفسه مشقة مضغها.

 

§       " اننا نطمع منكم ان تهاجموا التماسيح عند خروجها للبر لحضور إحدى الاحتفالات التى تقيمها من آن لأخر فى أرض الامبراطورية، وهذا الهجوم سيحفز المواطنين ويشجعهم فيثورون بدورهم ويقضون على التماسيح التى ستفقد السيطرة والتحكم فى سير الأمور. فى ذات الوقت سنكون نحن جاهزين للسيطرة على زمام الموقف، وتولى مقاليد الحكم فى البلاد ". قال الرجل للنسر ذلك ومد يده إلى طبق الكعك، وأخذ واحدة دسها فى فمه وبدأ يمضغها.

 

 

أضغط هنا، للإطلاع على الجزء الثاني من هذه المقالة.

 

أضغط هنا للإطلاع الجزء التمهيدي لهذه المقالة: " دموع التماسيح وزئير الأسود فى مدينة الأرانب ".

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Advertisements

Posted on May 22, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: