(II) الأعيب النسور فى أروقة القصور

 

الأعيب النسور فى أروقة القصور

الجزء الثاني

 

ابتسم النسر، ونقل بصره بين الرجال الثلاثة، ثم مد يده إلى طبق البيتى فور، وأخذ قطعتين حشى بهما فمه ثم بلعهما دون ان يجشم نفسه عناء مضغهما، واعتدل فى جلسته وبدأ يسحب حبات سبحته بين أصابع يديه ثم قال:

 

v   " لا أظن بان الأمور يمكن ان تسير بهذه الصورة، انكم تعرفون أن الأوضاع فى المنطقة لاتسمح بتدخلنا المباشر، فهذا سوف يُسيء إلى سمعتنا، ويؤثر على علاقتنا الحميمة مع ممالك وجمهوريات المنطقة، ويخلق نوعاً من عدم الثقة والريبة اتجاهنا، وبالتالى يؤثر على مصالحنا مع هذه الدول ". توقف النسر عن حديثه للحظات، أستغرق فيها بسحب حبات مسبحته بين أصابعه، وشفتاه تتمتم بكلمات غير مسموعة، ثم نظر لمحدثه وقال:

 

v   " لكن هذا لا يمنع من ان نمدكم بالدعم اللازم وكافة التسهيلات والمعلومات التى يمكن ان تُسهل لكم عملية الانقلاب على التماسيح، وكخطوة مبدئية وأساسية فإنه يجب عليكم السعى نحو ضم مزيدٍ من الأعوان من بنى جنسكم، وذلك من خلال إستقطاب أكبر عددٍ من المعارضين فى الداخل والخارج، لتكونوا بهم مجموعة من المعارضة يمكن لها أن تضطلع بمهمة التغيير، ويصبح لها ثقلُُ ووزن سياسى، وصوت مسموع بين قوى الجماهير، مما يمهد الطريق أمامكم لتبوّئ مركز القيادة عند بدء عملية التغيير ".

 

§       " لقد فعلنا ذلك أيها النسر العظيم، لقد أسسنا منظمة تضم بعضاً من المعارضين وأطلقنا عليها اسم تنظيم رابطة الإنجاد الوطنية، ونطمع فى توسيعها وضم كافة المعارضين إليها، لكن ذلك يحتاج إلى الكثير من الدعم والتسهيلات ". قال الرجل معقباً.

 

v   " حسناً، هذا شيءُ جميل، وكما قلت لك سابقاً، أن موضوع التسهيلات والدعم امرُُ سهل، سأرتبه لكم مع بعض حلفائنا من دول المنطقة ليمدوكم بالدعم المادي والتسهيلات لأعضاء رابطتكم فى التنقل والاقامة، وتنظيم دورات عسكرية لتدريبهم على أساليب وطرق المقاومة، لكن أهم مافى الموضوع كله هو محاولة ضم كافة المعارضين فى الخارج تحت لواء تنظيمكم فهذا أمرُُ بالغ الأهمية، يليه حملة دعائية واعلامية للإعلان عن مبادئ تنظيمكم وأهدافه، والعمل على إصدار مطبوعات ومنشورات توزع على أكبر عددٍ من بنى جنسكم، ثم اتركوا بعد ذلك أمر التخطيط لنا، فسنوافيكم بما يجب ان تعملوه لاحقاً ". قال النسر ذلك، وعاد للتسبيح مرة أُخرى. وبعد لحظات قال للرجل:

 

v   " لاتنسوا أن هناك أمراً آخر على جانب كبير من الأهمية ويجب أن يراعى العمل به فوراً، وهو طبيعة سرية علاقتنا بكم فيجب إلا يعلم أحدُُ بموضوع هذه العلاقة عداكم انتم الثلاثة، فأُريد ان يسود انطباعُُ بان جميع انواع العون والمساعدة والدعم، التى ستتلقونها من حلفائنا الذين سنرشدكم عنهم، هى صادرة تلقائياً منهم ولا علاقة لها بضغطنا عليهم. ويجب أن يبقى، ويظل أمر هذه المساعدات دائماً محصورة فى إطار العلاقة الثنائية بينكم وبينهم، فلا يجب ان يأتى على ذكر العلاقة التى تربطنا بكم، أو بموضوع تعاوننا معكم لأجل إسقاط حكم التماسيح ". قال النسر للرجال الثلاثة فى صيغة تحذير.

 

§       " اطمئن أيها النسر العظيم، أنه من المهم لنا أيضاً ان تكون هذه العلاقة فى طي الكتمان، فإن التماسيح تبحث عن أية وسيلة لتشوه بها صورة المعارضة، ولا أظن انها ستترك فرصة مثل هذه دون ان تتهمنا بالعمالة لكم، والطعن فى وطنيتنا واخلاصنا لقضية بلادنا ". قال الرجل للنسر معقباً.

 

v   " لاتقلق بالنسبة للتماسيح، فإنها فى جميع الاحوال ستتهمكم بالعمالة، المهم اننا اتفقنا على النقاط المبدئية، وماعليكم الآن إلا الاتصال بدولة البطريق، ودولة الضباع، ودولة السناجب، الذين سيوفرون لكم كل التسهيلات اللازمة التى تحتاجونها ". قال النسر.

 

§       " حسناً ، استودعكم الله أيها النسر العظيم وطابت اوقاتكم، وإلى لقاءٍ قريب ". قال الرجل للنسر وقام من مقعده ومد يده للنسر مصافحاً، وقام زميلاه وراءه مصافحين النسر، واتجه الجميع نحو باب المغارة.

 

*****

 

نزع النسر عمامته، وخلع جلبابه الأخضر، ورماهما على أحد المقاعد التى بجانبه، ثم أخرج من جيبه مشطاً أصلح به شعره المنكوش، ثم استدار ومد يده إلى طبق المقروض، وأخذ واحدة رصها فى فمه وبلعها، ثم جلس على أريكته الجلدية الوثيرة.

 

دخل الجرذ الصالة ممسكاً بكوب من عصير الليمون، وجلس على أحد المقاعد الملاصقة لأريكة النسر، واحتسى جرعتين من كوب الليمون ثم قال:

 

·       " هل تنوى حقيقة مساعدة هؤلاء القوم فى الخلاص من التماسيح ياشيخ النسور ؟ وأنت سيد من يعلم بان التماسيح أكثر المخلوقات فائدة لك ولنا، فلو حاولت ان تزرع نظاماً ما، فى أي دولة فى العالم ليعمل فى خدمة مصالحنا، فلن يدر مقدارا من الفائدة كالتى يقدمها لنا التماسيح، فهى فى سبيل تمسكها بالسلطة عملت على إيقاف عجلة التطور والنمو الطبيعى لهذا البلد، وشلت عصب الحياة فيه، ووجهت ثرواته فى الإنفاق على دعائم حماية نظامها الفاسد، والمحافظة عليه دون الاكتراث ببناء البلد والعمل على نهضته. اليس هذا فى مجمله هو صلب مخططنا لابقاء دول المنطقة بما فيها امبراطورية التماسيح، دون خط النمو، أوليست هى سياستنا وهدفنا الاستراتيجى ان تبقى هذه البلاد بعيدة عن الاستقرار ودون الوصول إلى مقومات التقدم، حتى تظل دائماً تحت سيطرتنا واحتياجنا، فكيف يمكنك ياشيخ النسور ان تساعد على القضاء على هذا النظام الذى يطول إحصاء منافعه لنا ؟ بينما تساعد المعارضة للوصول للحكم، وأنت تعرف بأنها ستعمل على بناء نظام مستقر، يفتح الباب أمام تقدم هذا البلد واستقراره، وهذا يعنى البداية لاستقرار أنظمة سياسية أخرى فى المنطقة، وهذا فى محصلته النهائية سوف يؤدى إلى إعادة خلق الأمة القديمة التى كانت تسود تسود العالم ! وهذا يعنى انها ستتطلع مجدداً لإعادة موضعها على قمة المنافسة للسيطرة على حضارة عالم اليوم، واليس هذا ماجعلنا لأمد طويل نعمل على بقاء هذه الدولة والدويلات الأخرى على تخلفها، فما الجديد أيها الشيخ الذى جعلك تغير من استراتيجيتنا ؟ اننى فى حيرة لن يبددها ويجليها إلا شرحكم وتفسيركم ".

 

ابتسم النسر، ومسح بيده بعضاً من بقايا المقروض العالق على منقاره ثم قال:

 

v   " اننى أعلم أيها الجرذ الحكيم بان نظام التماسيح هو أفضل الأنظمة التى تعمل على تنفيذ مخططاتنا فى المنطقة وتساعد بدراية، أو أحياناً دون دراية على تحقيق استراتيجيتنا، هذا على الرغم من الوجه العدائي الذى تظهره لنا فى العلن، وذلك كأسلوب تتخذه ضمن الإطار الدعائي الذى تصبغ به نظامها كقوة تقدمية تعادى معسكرنا، إلا انها فى الحقيقة تعمل على خدمة مصالحنا أكثر حتى من الدول التى تدخل فى تحالف سافرٍ معنا، وأعلم أن نظاماً مثل نظام التماسيح الفاسد، يمكن توجيهه ببعض الأفعال الإرادية المقصودة نحو غايات معينة ليسلك وجهتنا عن طريق ردود الأفعال اللا إرادية، ويكفى دليلاً على ذلك ماجنيناه منه طوال السنوات الماضية. ولكن من ناحية أُخرى، ليس هناك ضمان باستمرار حكم التماسيح حتى لو عملنا على مساعدتهم فى الخفاء، فالضغط المستمر على هذا الشعب حتماً سيولد ثورة وطنية فى أية لحظة زمنية قادمة، هذا على الرغم من القبضة الحديدية التى يحكم بها التماسيح هذا البلد. فنحن لا نستطيع ان نغمض أعيننا ونعتمد على خلود التماسيح حتى نفاجأ بنظام جديد لا يمكن تطويعه؛ فأنا عندما وعدت هؤلاء الرجال بالمساعدة للخلاص من التماسيح، لم أكن أعنى بأني سوف أُمكنهم من تحقيق غايتهم، بل أننى سأستعملهم فى تحقيق غاياتنا ".

 

·       " كيف يا شيخ النسور ؟ ". قال الجرذ.

 

v   " أولاً هناك أمرُُ تأكد لي من خلال حديث الرجل معى، وهو أنه لا يختلف عن التماسيح فى أمر حبه للسلطة والتمسك بها، وهذا ما سيقوده فى نهاية الأمر إلى نفس الطريق الذى سلكه  التمساح الباكى، فحب السلطة والتمسك بالحكم يؤدى إلى الاستبداد والتسلط والقهر كوسيلة للاستمرار على كرسى الحكم، وهذا يؤدى بدوره إلى تخلف البلد وإندحارها. فحين طلب منى الرجل أن نقوم نحن بالقضاء على التماسيح فى الوقت الذى يكون هو فيه جاهزاً للسيطرة على البلاد، فهمت من كلماته الواضحة مدى اهتمامه بالحكم أكثر من اهتمامه بالوسيلة أو الطريقة التى يتم بها الخلاص من التماسيح. فكل ما كان يعنيه هو كيفية السيطرة والتحكم فى البلاد بعد الخلاص من التماسيح. وهذا ماشجعنى على عرض مساعدتنا عليه، فقد وجدت فيه ضالتنا المنشودة من ناحيتين اثنتين؛ أولاهما، انه فى حالة توتر الاوضاع فى الداخل وإحساسنا بعدم السيطرة على الأمور فسيكون هذا الرجل هو البديل المناسب لاستمرار مصالحنا فى هذا البلد، أما ثانيتهما، فانه فى حالة استمرار التماسيح فى الحكم من خلال مساعدتنا الخفية لهم، فسيكون هذا الرجل هو العامل المساعد فى ضرب المعارضة فى الداخل والخارج، وتحويلها إلى اشلاء واشتات سيأخذها وقتاً طويلاً للتعافى، وستكون هذه أعظم خدمة نقدمها للتماسيح ولأنفسنا فى آن واحد. ومن ناحية أُخرى يمكن استعماله فى الوقت الحالى، وحتى توجيه الضربة القاتلة للمعارضة، فى الضغط على نظام التماسيح وإرهابها وبهذا .. ". توقف النسر عن كلامه على أثر مقاطعة الجرذ له.

 

·       " لحظة أيها النسر، لقد فاتنى فهم شئٍ هنا، كيف يمكنك القضاء على المعارضة عن طريق هذا الرجل ؟! " . قال الجرذ.

 

v   " الأمر فى غاية البساطة أيها الجرذ الحكيم، ان تركيبة هذا الرجل وطموحه الشديد وتطلعه للسلطة هى الاداة الأساسية فى تحطيم المعارضة، فقد أصررت عليه ان يجمع لواء المعارضين تحت تنظيمه، وبمساعداتنا وعوننا الواسع سنخلق من تنظيمه الأقوى بين فصائل المعارضة الاخرى، ثم نهيئه ليلبس شخصية القائد والزعيم، والتى لن يستطيع خلعها نظراً للاستعداد الشخصى الذى يملكه لتقمص هذه الشخصية التى يتطلع بوله لها، فسيبدأ من تلقائية نفسه فى إتخاذ القرارات الهامة فى داخل تنظيمه منفرداً ودون العودة للآخرين، وهذا ماسيجعلهم بالتأكيد على خلاف معه. فى نفس الوقت سوف ندفع به من خلال عملية وهمية على تحريك أعضاء تنظيمه، وأكبر عدد من تنظيمات أخرى، أو من المستقلين، إلى مواقع قريبة من امبراطورية التماسيح، حيث يلاقون معاملة سيئة مصحوبة بوعود متكررة من قيادة التنظيم بقرب ساعة الخلاص، التى لن تأتى، حتى يصلوا بعد مدة معينة إلى حالة من اليأس والاحباط، نتيجة خداع وعدم مصداقية القيادة لهم؛ وهذا بالتالى يدفع بالكثير منهم إلى الانسحاب من التنظيم، والانكسار على أنفسهم، والإصابة بخيبة أمل فى تنظيمات المعارضة وقدرتها الحقيقية فى تخليص البلاد من التماسيح، ولن يبق من حوله من المعارضين، إلا من ترتبط حياتهم بالمرتبات التى يتقاضونها منه، الذين يمكن تسميتهم بالمعارضين الموظفين. هذا ما جعلني أقدم على عرض المساعدة على الرجال الثلاثة أيها الجرذ الحكيم ". قال النسر للجرذ والإبتسامة لم تفارق محياه.

 

·       " انها حقاً فكرة جهنمية، لايتفتق عنها إلا ذهن نسر ألمعى مثلك ياشيخ النسور، حقاً لقد أذهلتنى أيها النسر العظيم ".

 

قال الجرذ ذلك وأخذ جرعتين من كوب الليمون الذى كان فى يده، ثم مد يده الأخرى إلى طبق البتى فور، وتناول قطعة منه أخذ يقرضها فى نَهَمٍ شديد. فى نفس الوقت، أخذ النسر الريموت كونترول من المنضدة، وضغط على زر التشغيل، ونفذ بكل حواسه فى داخل شاشة التليفزيون.

 

*****

 

 

مرت سنين عديدة، توالت فيها الأحداث التى ذكرها النسر للجرذ.

 

فلم تزل التماسيح تحكم شعب المساكين …

ولم يبق فى ذاك التنظيم إلاّ المعارضين الموظفين، أو قلة من المناضلين المثابرين …

وخرج على الساحة من بطانة التنظيم القديم تنظيمُ جديد، أفل نجمه بعد بضعة من السنين …

وظهر فى الأفق أميران من سلالة الملك القديم …

ومازالت هناك بعض المجموعات تحت اسماء الروابط والمنظمات التى تنتظر من خلال عواميد الصحف والاذاعات ساعة التحرير

ولازال الكل يؤمن بأن الخلاص من التماسيح فى إيدى النسور …

ولازال الكل يكتب مقالات، لايقرأها إلا كاتبوها، لأن الشعب نسى القراءة واصبحت ترفاً لايقدر عليه إلا الشابعون …

ولازال الكل يصدق فى دموع التماسيح وفى فلسفة النسور …

ونسى الكل تحذير الأجداد الحكماء، بان لا يثقوا فى دموع التماسيح، ولا فى فلسفة النسور …

ونسوا ان الخلاص لايتم إلا إذا تحولوا إلى أسود ، لأن التماسيح تخاف الأسود …

وأكثر مايخيف التماسيح من الأسود هو الزئير

 

 

 

أضغط هنا، للإطلاع على الجزء الأول من هذه المقالة.

 

أضغط هنا للإطلاع الجزء التمهيدي لهذه المقالة: " دموع التماسيح وزئير الأسود فى مدينة الأرانب ".

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on May 22, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: