هل يفكر العرب يا ترى ؟

 

هل يفكر العرب يا ترى ؟

هاشم صالح

 

هذا السؤال كثيرا ما يطرحه تيار اليمين المتطرف في الغرب على سبيل الاستهزاء والشماتة بالعرب. كلنا يعرف الشعار الذي طرحوه في فرنسا، إبان الأزمة أو الصدمة البترولية في السبعينات، أو بعدها بقليل: " نحن ليس عندنا بترول ولكن عندنا أفكار ! ". وقد لامهم كثيرا على ذلك الباحث المحترم ألان دو ليبيرا، صاحب الكتب الشهيرة التي تعترف بإسهام العرب في الحضارة الإنسانية، ككتاب «الإرث المنسي للعرب»؛ وقال لبني قومه بما معناه: لا يمكن اختزال العرب إلى مجرد مصدري بترول، أو رعاة نوق وجمال. فهم فلاسفة أيضا، وعلماء، وبناة حضارة، وقد أخذنا عنهم الكثير. فقليلا من التواضع إذن أيها الغرب المتبجح بذاته، والمغرور بحضارته وإمكانياته.

على نفس المنوال يمشي باحث آخر لمع نجمه في الآونة الأخيرة وبحق، هو: دومينيك اورفوا. وهو أستاذ الفكر والحضارة العربية في جامعة تولوز بفرنسا، وصاحب الكتب العديدة مثل: «المفكرون الأحرار في الإسلام الكلاسيكي». وقد تمت ترجمته مؤخرا إلى العربية على يد رابطة العقلانيين العرب. هذا بالإضافة إلى كتابه عن ابن رشد: طموحات مفكر مسلم. ثم كتابه البانورامي الضخم عن: تاريخ الفكر العربي والإسلامي.

ويمكن القول بأنه قسم فكرنا إلى ثلاثة تيارات أساسية، الأول هو: تيار الفكر الظاهري المتقيد بالقانون والشرع وتأدية الفرائض والطقوس وتطبيق الحدود. وهو تيار يتحكم بالحياة اليومية للمسلم، وهو الذي يظهر للآخرين مباشرة عندما يزورون البلدان العربية والإسلامية. وهو تيار يقدم صورة إيجابية عن العالم من حيث ترحيبه بالغنى والثروة، ودعوته إلى الاستمتاع بهما وبمباهج الحياة الدنيا. ولكن مشكلته هي أن كثرة الطقوس تبدو مرهقة وأحيانا تشل الطاقات عن العمل والإبداع والإنتاج. يضاف إلى ذلك اختزال الدين إلى مجرد شكلانيات خارجية قسرية وأحيانا استعراضية مفرغة من الروح والروحانيات الحقيقية.

أما التيار الثاني، فيمكن القول بأنه صوفي باطني، يميل إلى الزهد في العالم، ويركز على العلاقة الروحية بين الخالق والمخلوق أكثر مما يركز على الشعائر الخارجية والطقوس، دون أن يعني ذلك أنه يرفضها. ومن أكبر ممثليه في تاريخنا الغزالي وابن عربي والحلاج والجنيد وجلال الدين الرومي .. إلخ.

أما التيار الكبير الثالث للفكر العربي الإسلامي، فيتمثل في الإسلام العقلاني للفلاسفة: كالفارابي وابن سينا وابن رشد ومن مشى على هديهم. وهو تيار يركز على إمكانية التوفيق بين الدين والعقل، أو بين الإسلام والفلسفة. وهو الذي يمثل مجد العرب وإسهامهم في الحضارة الإنسانية. وهو الذي نقل الفلسفة اليونانية إلى أوروبا وساعد على انطلاقة نهضتها الحضارية كما هو معلوم. ولكن المشكلة هي أن هذا التيار الأخير انقرض عند العرب والمسلمين طيلة عصور الانحطاط، في حين أنه راح يزدهر في أوروبا. وهكذا مات في أرضه لكي ينتعش على أرض أخرى.

بعد هذه الصورة البانورامية السريعة عن تاريخ الفكر العربي والإسلامي، يجيء التقييم الأخير للمؤلف. وهو يبدو متشائما، على عكس ما كنا نتوقع. فهو لا يعتقد بإمكانية الإصلاح الداخلي للإسلام. ولا نعرف لماذا ؟ أو بالأحرى نعرف لأنه يقول مباشرة بعد ذلك ما معناه: على الرغم من غنى التراث الفكري للإسلام، إلا أنه قائم على مبدأ أساسي يلغي التطور، ألا وهو: الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة. فإذا كنت تمتلك الحقيقة المطلقة فما حاجتك إلى البحث والاستكشاف والتعلم والتساؤل ؟ ينتج عن ذلك شيء آخر خطير هو: إلغاء مشروعية الأديان الأخرى وبخاصة أديان الكتاب: أي اليهودية والمسيحية. فالمسلم يعتقد بأنه يمتلك الحقيقة الدينية النهائية لوحده، وأن بقية الأديان خاطئة، أو محرفة، أو مزورة. فكيف يمكن أن ينطلق الحوار الإسلامي المسيحي في مثل هذه الظروف ؟ مستحيل. بل وحتى المسلم التحديثي لا يستطيع القبول بالأديان الأخرى.

والآن ما هو رأينا نحن بمثل هذا التشخيص ؟ لا ريب في أنه صحيح في خطوطه العريضة، ولكنه غير كاف على الإطلاق. ولا يجوز التوقف عنده أبداً. فالمسيحيون في أوروبا كانوا أيضا يعتقدون بامتلاك الحقيقة المطلقة. وكانوا يطرحون الشعار التالي: خارج الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية المقدسة، لا مرضاة عند الله ولا نجاة في الدار الآخرة. ثم تطوروا بعدئذ، وغيروا موقفهم بعد المجمع التجديدي للفاتيكان الثاني، واعترفوا بالأديان الأخرى وفي طليعتها الإسلام.

فلماذا نستبعد إذن احتمالية أن يتطور المسلمون أيضا، ويجددوا في فقه القرون الوسطى ولاهوتها، وينفتحوا على العالم الحديث، وفلسفة التنوير، ويصالحوا أخيرا بين الإسلام والحداثة ؟ لا أعتقد بأن البروفيسور اورفوا يستبعد هذه الاحتمالية كليا، وهو المعجب بتاريخ العرب المسلمين، وغناهم الفكري. ولكنه يبدو متشائما أكثر من اللزوم. ربما لأن الوضع الحالي لا يدعو إلى التفاؤل بسبب هيمنة التيار المتطرف والظلامي على الساحة. ففي آخر مداخلة له الشهر الماضي في معهد العالم العربي يقول هذه الجملة المعبرة: إن هناك فرقا أساسيا بين المرحلة الكلاسيكية من تاريخ الإسلام، والمرحلة الحالية. وهو أن الإبداعية الفكرية كانت آنذاك أكبر بكثير مما هي عليه اليوم. فلم نعد نجد لدى مفكري الإسلام الحاليين نفس الجرأة والاتساع في الرؤيا والنظرة، كما كان عليه الحال أيام الفارابي وابن سينا وابن رشد.

وأخيراً، سأقول ما يلي: ينبغي العلم بأن العرب ختموا العلم قبل ألف سنة أو أكثر، عندما أغلقوا باب الاجتهاد وكفروا المعتزلة والفلاسفة، وحرقوا كتبهم ولاحقوهم في الأمصار. بهذا المعنى يمكن القول بأن العرب لا يفكرون. أو قل انقطعوا عن التفكير المبدع الحر طيلة ألف سنة على الأقل، وحتى مطلع النهضة الحديثة. واكتفوا بالتقليد والتكرار واجترار الاجترار.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on May 23, 2009, in آراء فكرية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: