(I) في مسيرة اليد والقلم

 

في مسيرة اليد والقلم

منصف الوهايبي

 

الجزء الأول

 

ذهب المسلمون في أساطيرهم إلى أن القلم هو أول ما خلق الله، وأول ما بدأ بذكره في الكتاب، وأنه وصف نفسه بأنه علم بالقلم، وأبان أن صناعته أفضل الصنائع. وكان للكتاب والشعراء منادح واسعة في وصف هذه الأداة (القلم) شعرا ونثرا. فقال فيه ابن المقفع: " القلم من نعم الله الجليلة ومواهبه الجزيلة، فهو الكيل السابق والسكيت الناطق، به اتسعت الأفهام، وضبطت العلوم والأحكام، ولولا الأقلام لضاق الكلام، وقلت الحكام، ونسيت الأحكام ". وقال في موقع آخر: ‘ القلم بريد القلب، يخبر بالخبر، وينظر بلا نظر ‘. وقال عبد الحميد الكاتب: " القلم شجرة ثمرها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة ".

 

وأورد حمزة الأصفهاني نصا لمسلم بن الوليد، عده من ‘ الوصف الجامع لاستعمال القلم ‘. ومما جاء فيه أن القلم " يظهر ما سداه العقل، وألحمه اللسان، وبلته اللهوات، ولفظته الشفاه، ووعته الأسماع، وقبلته القلوب ". وينسب إلى أحمد بن يوسف الكاتب الوزير قوله : ‘القلم لسان البصر، يناجيه بما استتر عن الأسماع ‘. وقال محمد بن عبد الملك الزيات: ‘بالقلم تزف بنات العقول إلى خدور الكتب’.

 

فهذه الشذرات وغيرها مما جاء شعراً، وهو كثير، تبين عن الكتابة بوجهيها الفني الجمالي الراجع إلى علم الخط، واللغوي اللساني الراجع إلى علم الإملاء، أو ما يسمى قديما بالهجاء، وهو يعنى بالعلاقة بين الرمز المكتوب والصوت المنطوق، ومدى مطابقة هذا لذاك أو قصور الكتابة عن تمثيل المنطوق تمثيلا كاملا وكثيرا ما يلتبس الوجهان في هذه الأقوال.

 

ولعل من أظهر ما في هذه الشواهد وبخاصة ما اتصل منها بأحكام الكتابة من بري وقط واستمداد وتسوية وشكل ونقط، أن تصور الكتابة عند القدامى معقود على آصرة متينة بين الزماني والمكاني أو بين الصورة المنطوقة والصورة المكتوبة،حتى أنهم استعاروا للخط مصطلحات لغوية نحوية مثل اللـحن والضرورة في باب ما أسموه ‘ لحن الخط والتسوية وما يجوز وما لا يجوز في ذلك وما يستحسن في الضرورات وما يستقبح’. ومما جاء فيه ‘ فمن لحن الخط مد ما لا يجوز مده، وقصر ما لا يجوز قصره، وإفراد حرف من كلمة في غير سطره’. وذكر المؤلف أن المسلمين اختلفوا في قول عثمان: ‘إن في المصحف لحنا تقيمه العرب بألسنتها’، وذهبت طائفة منهم إلى أن المراد ـ إن صحت هذه المقالة ـ لحن الخط لا اللفظ. ذلك أن زيدا بن ثابت كاتب الوحي (ت45 هـ) كتب المصحف بقلم مبسوط، فكان يقطع في بعض الأماكن اللفظة، في آخر السطر، ويجعل باقيها في السطر الثاني؛ فنبه عثمان على أن هذا وإن كان لحنا في الخط لا يؤدي إلى لحن في اللفظ.

 

وجعلوا إيقاع الخط من إيقاع اليد الخاطة، وحركته من حركتها، ووصلوا ما بينها وبين الفكر كما نجد في وصف أبي تمام، حيث اليد الممسكة بالقلم، هي اليد ـ الفكر: إذا امتطى الخمس اللطاف وأفرغت عليه شعاب الفكر وهي حوافل.

 

إذا صرفنا النظر ـ عن صورة المسيل الحافل التي يتخذها الفكر، ولعل مصدرها الماء نفسه، فهو لا يحمل في ذاته لونا ولا شكلا، ولذلك تنعكس فيه صور شتـى الكائنات؛ إذ لو كان له لون أو شكل لما أمكن أن يعكس أي صورة ـ فإن حركة اليد في هذا الشعر هي حركة الفكر ومجلى الكتابة. وعليه لا غرابة أن يدقق الشاعر وصف الأصابع الممسكة بالقلم، على نحو ما نجد في المصنفات المخصوصة بالكتابة فصفة مسكه[القلم] بالإبهام والوسطى غير مقبوضة، لأن ببسط الأصابع يتمكن الكاتب من إدارة القلم، ولا يتكئ على القلم الاتكاء الشديد المضعف له، ولا يمسك الإمساك الضعيف فيضعف اقتداره في الخطô’ أو قولهم: ‘إذا أراد [الكاتب] يأخذ القلم فيتكئ على الخنصر، ويعتمد بسائر أصابعه على القلم، ويعتمد بالوسطى على البنصر، ويرفع السبابة على القلم، ويعمل بالإبهام في دوره وتحريكه ".


ولولا خشية أن نرمى بالتمحل على هذه النصوص، لحملناها على معنى الكتابة كما يراها بارط، فهو يذهب إلى أن حقيقة الكتابة ‘في اليد التي تضغط وتسطر وتنقاد، أي في الجسد الذي ينبض (الذي يستمتع)’. ويضيف في ذات الموضع: ‘إذا كنا نرفض’الايديوغرام’ رسم الفكرةLid’ogramme  فلأننا نسعى دون انقطاع، في غربنا، أن نحل سلطة الكلمة، محل سلطة الحركة، إن الحركة موجودة في عمق الإيديوغرام مثل نوع من الأثر التصوير، مبخر’. ويبين أن البشر زاولوا طويلا الكتابة اليدوية، ما عدا الطباعة. ولذلك ‘فإن مسيرة اليد، وليس إدراك أثرها المرئي، كان الفعل الأساسي الذي تحد بواسطته، الآداب وتتدارس، وترتب ".


هذا الفن المنظم، هو الذي نسميه ‘علم قراءة النصوص القديمة‘ Le ductus : Pal’ographie  وفي الكتابة الرمزية  Id’ographiqueطبعا، يكون لـ Ductus أهمية أكبر. على أن حركة اليد، في هذا الشعر الذي نحن به، ليست حركة الفكر ومجلى الكتابة فحسب؛ فاليد محفوفة بجملة من الرموز والمعاني مثل القوة والقدرة والسلطة.

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on August 14, 2009, in آراء فكرية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: