(II) في مسيرة اليد والقلم

في مسيرة اليد والقلم

منصف الوهايبي

 

الجزء الثاني

 

أما إذا حصرنا هذه المعاني في اليد الخاطة أو الكاتبة، فلا نظن أننا نجانب الصواب ما تأولناها على أنها اليد ‘الأسطورية ‘ صانعة الأداة، ورمز القوة الخالقة قوة الكلمة أو اليد ـ الفكر المتحررة من سلطان المادة أي ‘اليد الإلهيةأو’ يد الله’ من حيث هي صورة استعارية تجسد’ اللامرئي’، ولكنها تخرق المقدس في ذات الآن. وقد نكون في الصميم من هذه الكتابة، ما أخذنا بالاعتبار كل هذه العناصر(القلم واليد والعقل) على أنها عناصر متواشجة تتضافر في حد الكتابة من حيث هي خلق بالعقل (وهو صفة من صفات القلم)، والنظر وهو سواء حملناه على البصر أو البصيرة تبصر وتأمل وتدبر أي صفة من صفات العقل.

 

كما يدل على ذلك المتواتر اللغوي ‘عين الصواب’ أو ‘عين العقل’ أو المأثور من الأقوال مثل ‘القلم لسان البصر’ أو ‘بنوء الأقلام يصوب غيث الحكمة’، واليد وهي ذات معان مجازية متشعبة مثل الجاه والقدرة والسلطان وأول الشيء والأمر النافذ والقهر والغلبة والحفظ والوقاية. وإذا أضفنا إلى ذلك عنصر الماء ـ وصلته في المتخيل الديني بعملية الخلق أجلى من أن نتبسط فيها ـ ساغ لنا أن نتأول كلمة’قلم’ دون تحميلها فوق ما تحتمل – على أنها رمز يجسم الكلمة المقدسة أو الكلمة من حيث هي جوهر خلاق.

 

ولكن دون أن يفضي بنا ذلك إلى ذات الاستنتاج الذي خلص إليه الباحث التونسي محمد عجينة في قوله إن القلم ‘ قرين اللوح والكتاب، وعنوان الانتقال من حضارة شفوية إلى أخرى مكتوبة تقدس الكلمة، كلمة الله، وتقدس الكتاب (ناهيك عن أن الناس صنفوا في صلب المملكة الإسلامية إلى أهل كتاب ومن سواهم) وإذن فهو حافظ اللغة والمعنى والتاريخ وحافظ القيم وضامن كل شيء، مانع له أن يذهب هباء منثورا في الدنيا والآخرة.


ومسوغات تحفظنا على هذا الاستنتاج ترجع إلى ضرورة التمييز بين’الكتاب’ و’المصحف’، أو بين النص الأم الشفهي (الوحي) والنص القرآني المكتوب. وقد كان الكتاب يعني من جملة ما يعني الكتابة المتحررة من كل جسمانية، لأنها الأقدر، في المعتقد الديني، على تعيين الأشياء الروحية المجردة، دون أن تجسمها أو تضفي صورة عليها، لسبب قد لا يخفى، وهو أن الكلام نفسه، في هذا المعتقد، من طبيعة إلهية.

 

ومن ثمة فهو الذي يناسب أكثر الموضوعات الإلهية والأشياء العقلية. والكتابة بهذا المعنى، تجنح إلى اللغة المنطوقة أكثر من جنوحها إلى شكلها التدويني. وربما نَمَّ ذلك على ذهنية كانت تنتسب إلى رسوخ مبدأ التسمية في المسمى، أو معنى الكلمة باعتبارها الجوهر الخلاق، حيث التـشديد على الوجود الذهني أو الروحي’ للشيء. وقد يتعذر أن نفهم الوحي، من حيث هو كتاب غير مكتوب، ما لم نأخذ بالحسبان أن الحقيقة اللغوية في المتخيل الديني، تحتكم إلى المسموع والمحفوظ في الذاكرة أو الحافظة أكثر من احتكامها إلى ما هو مكتوب. ولهذا المتخيل ما يسوغه لسانيا فـ’الكتابة تنسخ معالم اللغة، الحقيقية، وهي ليست رداء اللغة بل شيئاً تتنكر به.


ولعل هذا المبدأ أن يعلل سببا من أسباب خلو الكتابة العربية قبل الإسلام وفي طورها الأول، من الإعجام والشكل. وربما كان في ذلك أكثر من دلالة على الآصرة المتينة بين الزماني والمكاني في الكتابة العربية، أو بين المنطوق والمكتوب، حيث المرئي في الصورة المكتوبة ضرب من الحدس، يستدعي أبدا صورته المنطوقة. وهي آصرة لم تنقطع في تاريخ الكتابة العربية، حتى عند استحكام قواعدها وأصولها، وأخذها بالإعجام والشكل، فقد ظلت ‘تتجاهل قيمة الحرف الصوتي وتترك للقارئ استنتاجه ‘ على حين أن الإغريق مثلا أدخلوا الإشارة الصوتية إلى الأبجدية، منذ أول حدثانها.

 

ولا ينبغي أن نتعجل فنحمل الأمر على أنه مظهر من تخلف الكتابة العربية، فلعله كان دلالة على معنى من معاني الجمع بين المقروء والمسموع أو بين المرئي الحسي والغيبي الحدسي، حتى أن ظهور بعض الخطوط مثل الثلث والنسخ والمحقق، يبدو كأنه كان وقفا على القرآن.


وبسبب من هذا وغيره، يتعذر أن نرسم حدا فاصلا، في الثقافة العربية بين شفهي وكتابي أو أن نتخذ من أدوات الكتابة المطردة في الشعر والقرآن، أدلة على الانتقال من حضارة شفوية إلى أخرى مكتوبة. والقلم ‘القرآني’ نفسه محفوف بأكثر من أسطورة تقرنه بمعان شتى مثل الخط أو الكتابة والعقل والقدر وهو الأساس في نظرية التوقيف الإلهي في نشأة الخط حيث يجري القلم بقضاء من الله وقدر، كما يذهب إلى ذلك محيي الدين بن عربي.

 

هوامش:
من هذه الآيات في القلم:

·        ‘ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ‘ (96/3) العلق.

·        " ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون " (68/1) القلم.

·        " وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم " (3/44) آل عمران.

§        المورد (1986) ص197.

§        حمزة الأصفهاني: التنبيه على حدوث التصحيف ص 54.

§        R.Barthes، Lobvie et lobtus ، P.142 – 143

§        محمد عجينة: موسوعة أساطير العرب.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on August 14, 2009, in آراء فكرية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: