حنان الوالدين

 

حنان الوالدين

خالد القشطيني

 

خطر لي ونحن في هذا الشهر المبارك أن أفكر بهذا الإعجاز المتمثل بعلاقة الوالدين بأولادهما، تلك العلاقة التي شغلت حيزا كبيرا في سائر الأديان.

ذكرت مرارا أن الحب الحقيقي المجرد لا يوجد إلا في حب الأم لولدها. حب الزوجة حب أناني. مرض أعرابي فسألوا زوجته عنه فقالت: « لا هو حي فيرجى ولا بميت فينعى ». عادوا فسألوا أمه بعد يومين فقالت: « مازال في خير، ما زلنا نرى سواد عينيه بيننا ». شتان ما بين الموقفين. أوحى لي بالتأمل في كل ذلك توالي المكالمات من والدة أحد أصدقائي في بغداد. تحدثني باضطراب وقلق عن مرض صديقي وتبحث معي إمكانيات معالجته في لندن. تكررت المكالمات بما حركني لهذا السؤال: لماذا أمه هي التي تحدثني عنه وليس زوجته، وأعرف كلتيهما ؟.

هنا في الغرب كثيرا ما تهرب الزوجة من زوجها المقعد في الفراش وتتركه لعناية الدولة. تخرج لتبحث عن حياة جديدة. وهكذا كتبت امرأة أميركية على قبر زوجها: هنا يرقد هنري ماكس. توفي عن 40 سنة تاركا زوجته الشقراء العسلية العينين الرشيقة القوام.

وراحت امرأة تبكي وتنحب في جنازة زوجها: « ليه يا حبيبي، يا سبعي، تسيبني كده وحيدة وما ليش حد.. » تقرب رجل نحوها وهمس في أذنها، « أنت ساكنة فين؟ خليني أجي شوية أواسيك ». صرخت به: « امشي يا ابن الكلب، تعاكسني وأنا في جنازة زوجي، ما تخافش من ربك ؟ » ومضت تبكي وتنحب: « ليه يا سبعي يا حبيبي تفوت وتخليني لحالي وحيدة في نمرة 42 شارع قصر النيل.. ».

تذكرت وأنا أتأمل في كل ذلك كيف جلست بجانب ولدي آدم حين تمرضه. خطر لي أن اسأل نفسي هذا السؤال: «لو أن عزرائيل نزل علي وأعطاني هذا الخيار: آخذ روحك، أو روح ابنك؟» فكرت بالسؤال مليا وقلت، لا. لن أتردد في الجواب. خذ روحي واترك ولدي. فلو مت لأصبحت ترابا وانتهى الأمر. ولكن لو أن ولدي قد مات وأنا عشت، فكيف سأعيش وأنا أتذكره وأتذكر موته؟

رويت ذلك للبروفسور مثنى القصاب. ابتسم وثنى علي بروايته. قال عندما مرضت ابنتي هديل واشتد بها المرض بما اضطرنا لنقلها للمستشفى جاءتني الممرضة لتدون التفاصيل. اسمها، عمرها، عنوانها ثم وصلت هذا السؤال «أقرب شخص؟» قال ما أن نطقت بهذا السؤال حتى انفجرت ببكاء ونحيب هستيري فتركت الغرفة أتشبث بالجدران والأبواب لأقي نفسي من السقوط. لحقت به الممرضة لتواسيه وتشجعه وهو ذلك الأستاذ في كلية الطب ومدير المستشفى وقضى حياته بين المرضى والموتى.

لا أتصور شيئا أقسى على الرجل أو المرأة من فقدان ولد. وهو ما عبر عنه بسمارك وهو على فراش الموت. قال: «أحمد الله أن أموت دون أن أذوق موت أحد من أبنائي».

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on September 20, 2009, in كتابات إجتماعية. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: